الفصل 184 الرسم
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 184: الرسم
عندما عاد لوميان إلى نزل “أوبرج دو كوك دور”، كان ذهنه لا يزال مشغولاً بالتكلفة الباهظة لمواد الطلاء.
بين زملائه في قاعة رقص “سيل دي بال بريز”، كان راتب تشارلي الشهري كخادم يُعتبر معقولاً، ومع ذلك، كان عليه أن يحرم نفسه من الطعام والشراب لشهرين كاملين ليتمكن من شراء لفة قماش واحدة فقط!
لم يسع لوميان إلا أن يرى الرسامين كفئة معدمة؛ فكيف يمكنهم تحمل تكاليف القماش، والفرش، والألوان، والإطارات الخشبية، والموديلات البشرية، وكل تلك النفقات المرتبطة بحرفتهم؟
ربما اعتمدوا على دعم عائلاتهم المالي فقط لتدبر أمور حياتهم. نفض لوميان هذه الأفكار عن رأسه، ثم أغلق الباب خلفه ووضع كومة الأغراض بعناية على الطاولة الخشبية.
في النهاية، أذعن لوميان لحقيقة عجزه عن تحمل تكاليف القماش الفاخر، فاكتفى بأرخص أنواع الفرش والألوان والورق وغيرها من الضروريات. فالحقيقة أن لوميان لم يطمح ليكون رساماً أو تُعرض أعماله في معرض، بل احتاج ببساطة إلى وسيط يجسد القوة الخارقة التي استمدها من “نظارات الغموض”. لم تكن جودة الطلاء، أو احتمالية تشققه وبهتانه مع الوقت، أو حتى مهاراته الفنية، ذات أهمية تذكر.
هكذا، أنفق لوميان ما مجموعه 30 “فيرل ذهبي” (verl d’or) للحصول على مستلزماته المتواضعة.
بعد أن جهز لوحة ألوان زاهية وفرد ورقة بيضاء مرنة، استعد لوميان للطقوس القادمة. وبخنجره الفضي المقدس، أنشأ جداراً روحانياً داخل الغرفة رقم 207.
كان ينوي استكشاف ما يمكنه رسمه ومراقبة الآثار الناتجة عن ذلك. وبناءً على رد فعل رسول السيدة “الساحرة” في نزل “أوبرج دو كوك دور”، استنتج لوميان أن المكان لا يحوي شيئاً غير عادي، باستثناء الانتشار الملحوظ لبق الفراش. ربما نشأت مأساة سوزانا ماتيزي في مسرح “القفص القديم” أو حتى في كهف تحت الأرض.
استنشق لوميان نفساً عميقاً، ثم أخرج النظارة البنية ذات الإطار الذهبي ووضعها بعناية على جسر أنفه.
في لحظة، بدا العالم من حوله يدور، كأنه يهوي من السماء إلى أعماق الأرض. وخلال تلك الرحلة المربكة، رأى النزل مقلوباً ونزلاءه يتحركون بشكل مماثل، وباراً تحت الأرض، وجذور أشجار وتربة تمتد تحت السطح، وجرذاناً تختبئ في الزوايا، وآفاتٍ تتجول.
هوى أعمق فأعمق، متحملًا شعور انعدام الوزن المثير للغثيان. ثم لمح شبكة هائلة من الجذور البنية المخضرة تمتد في كل الاتجاهات، متوغلة في المدى حتى تلاشت في الفراغ.
“آه…” كاد لوميان أن يتقيأ؛ فقد اندفعت بقايا عشائه غير المكتمل إلى حلقه مهددة بالخروج. نزع “نظارة الاستكشاف الغامضة” بسرعة وقاوم رغبته في التقيؤ.
مدفوعاً برغبة جامحة في الرسم، التقط لوميان الفرشاة وغمسها في الطلاء، وبدأ يخط على الورق الأبيض. ودون وعي منه، كانت روحه تضفي حيوية متزايدة على حركات الفرشاة.
بعد دقائق قليلة، توقف لوميان وتأمل ما أبدعه. “ماذا رسمت بحق الجحيم؟” تردد السؤال في ذهنه.
وبتدقيق النظر، تمكن من تمييز موضوع لوحته: منزل مثلث بلون رمادي مزرق، سقفه مزين بأشجار خضراء، ومطر يشبه الطين.
حدق لوميان في اللوحة للحظة، وشعر فجأة بحكة في ظهر يده. لم يستطع المقاومة فخدشها، ليرى جلده يتحول إلى اللون الأحمر ويتورم، مصحوباً بحكة انتشرت في جسده.
هل هذا هو تأثير “المتجاوز” (Beyonder) الكامن في اللوحة؟ خفق قلب لوميان وهو يشيح بنظره بعيداً، محاولاً تهدئة التهيج بحك جلده بملابسه، لكن جهوده ذهبت سدى، ولم يجد بداً من الخدش ثانية.
بينما كان يبتعد بنظره عن تلك اللوحة التي تشبه رسوم الأطفال، تراجعت الحكة تدريجياً حتى اختفت تماماً، ومعها تلاشى الدافع للرسم. استدار ليتأمل التفاصيل.
“يجب أن أحدق في اللوحة لثلاث ثوانٍ على الأقل قبل أن تبدأ الحكة… من الصعب استخدام هذا في القتال؛ فلا يمكنني ببساطة إلصاقها بوجه خصمي، أليس كذلك؟ أما إذا استُخدمت كفخ، فقد تكون مفيدة… أتساءل إن كانت هناك لوحات يمكن استخدامها دون لفت انتباه الهدف؟”
بعد تفكير عميق، قرر لوميان إجراء محاولة أخرى. ارتدى نظارة الاستكشاف الغامضة مجدداً، وكانت التجربة مماثلة تقريباً، غير أنه لمح هذه المرة ظلاماً دامساً وأشكالاً ظلية تتحرك بداخله.
وسط نوبات الغثيان، نزع لوميان نظارته، واستخرج ورقة جديدة ممسكاً بالفرشاة. هذه المرة، لم يستسلم للضربات العشوائية، بل ركز على تصور ما يريده، ساعياً لجعل الرسم مطابقاً للصورة في ذهنه.
وبهذا النهج، رسم لوميان شمساً ذهبية محمرة، تحيط بها هالة نابضة بألوان الطيف: الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والنيلي، والبنفسجي. وما إن انتهى، حتى غمر الدفء الغرفة 207 فجأة، وتبددت برودة الهواء.
“يبدو أن لها تأثيراً طارداً للأرواح الشريرة…” لم يكن لوميان متأكداً تماماً. جلس على حافة السرير يراقب التغيرات بحذر. ومع مرور الوقت، بدأ الدفء الذي أثار قلقه في البداية يتلاشى.
موقع مَجَــــ.ــرّة الرِّوايــ.ــات هو صاحب حقوق الترجمة، نرجو عدم دعم المواقع السارقة.
حاول لوميان طي اللوحة بحيث يكون ظهرها للخارج، فاختفى الدفء فوراً، وتباطأ تسرب الجوهر الروحي منها إلى معدل بالكاد يُلحظ. فكر لوميان مسترجعاً تجاربه السابقة: “يجب أن أكون قادراً على الحفاظ عليها لشهرين تقريباً… وبمجرد فتحها، يمكن استخدامها لثلاثة أيام كحد أقصى… نعم، هذه طريقة بديلة لصنع أدوات المتجاوزين”.
ألقى رسم لوحتين متتاليتين عبئاً ثقيلاً على روحه. وبعد استراحة قصيرة، شرع لوميان في تجربته الثالثة، منتقلاً هذه المرة إلى استخدام أدوات الرسم المتعلقة بالمكياج.
ارتدى نظارة الاستكشاف الغامضة مجدداً، مستعداً لدوار الأعماق. وفي خضم ذلك، رأى عدة أشخاص غامضين يتربصون في الظلال. وبعد نزع النظارة، بدأ يضع مواد مختلفة على وجهه، متتبعاً الخطوط بعناية مستعيناً بانعكاسه على زجاج النافذة الذي أضاءه مصباح الكربيد.
وكما في محاولته السابقة، بذل لوميان جهداً للسيطرة على مكياجه، لكن غرائزه كانت تتولى الزمام أحياناً. وعندما تأمل نفسه في “المرآة”، رأى ملامحه وقد غدت متعبة ومرهقة؛ حواجبه مشعثة، وعظام خديه بارزة قليلاً، وشفتيه أكثر امتلاءً.
شعر كأنه ينظر إلى شخص غريب. أشاح بنظره بسرعة، وسحب الستارة ليخفي نتيجة “رسمه”. وبعد أن حزم لوحتي “الحكة” و”الشمس” مع بقية الأدوات، قرر لوميان أن الوقت قد حان للخروج واختبار النتائج.
بينما كان متجهاً نحو قاعة “سيل دي بال بريز”، لاحظ جينا وهي تؤدي حركات مبالغاً فيها وتغني بأعلى صوتها، وتشارلي الذي كان قد انتهى لتوه من تقديم المشروبات لرواد حلبة الرقص.
لم يلتفت البلطجية إلى لوميان، ولم يخاطبه أحد منهم بصفته زعيمهم. شعر بالارتياح، فتوجه نحو تشارلي وربت على كتفه بود قائلاً بابتسامة: “مساء الخير!”
استدار تشارلي، الذي كان يرتدي قميصاً أبيض وسترة سوداء، وبادله الابتسامة متسائلاً: “مساء الخير يا سيدي، هل ترغب في احتساء شيء ما؟”. سأله لوميان متعمداً: “ألا تعرفني؟”
بُهت تشارلي واتسعت عيناه، وظل لثوانٍ يتأمل مصباح الغاز البعيد، قبل أن ترتسم ابتسامة عريضة على وجهه ويصيح بدهشة: “هذا أنت! حمداً للشمس، كم مضى على لقائنا الأخير؟ انتظر لحظة، سآتي إليك فور أن يخف الزحام!”
أشار تشارلي نحو البار وودع لوميان. ضحك لوميان برضا متمتماً: “مهارات هذا الفتى في التمثيل مذهلة حقاً، لم يتعرف حتى على رئيسه!”
حول لوميان نظره واقترب من مسرح جينا، منتظراً بصبر انتهاءها من أغنية مليئة بالإيحاءات. وما إن انتهت من جمع العملات النحاسية والفضية ونزلت عن الخشبة، حتى حياها لوميان بحماس قائلاً: “لقد كان غناؤك رائعاً! هل تسمحين لي بدعوتكِ لمشروب؟”
ارتسم الحذر فوراً على وجه جينا؛ فمنذ حادثة “هيدسي” المنحرف، لم تعد تأمن لأي شخص من الجمهور يقترب منها، خشية الوقوع في موقف سيء آخر.
تفحصت وجه لوميان لثوانٍ، وأجبرت نفسها على الابتسام لتخفي ريبتها قائلة: “يجب أن أحافظ على صوتي لأغنيتي القادمة! يمكنك مساعدتي بشرب كأسي بدلاً مني!”. ثم اقتربت بابتسامة من اثنين من رجال العصابات الذين يحرسون المسرح طالبة مساعدتهما.
لم يجرؤ رجلا العصابة على إهانة “الديفا” المتألقة، التي سرت شائعات بأنها عشيقة زعيمهم “الأحذية الحمراء”. تقدما وتوسطوا بين لوميان وجينا، فاغتنمت الأخيرة الفرصة وتوجهت إلى الصالة القريبة من البار.
وقبل أن تغادر، ألقت نظرة على لون شعر لوميان وتفحصت وجهه بتمعن للحظة، ثم تمتمت لنفسها: “يا إلهي، هل هذه موضة جديدة الآن؟”. أشاح لوميان بنظره في سعادة واتجه نحو الدرج المؤدي إلى المقهى، لكن رجال العصابات اليقظين الذين يحرسون المنطقة استوقفوه.
“إنهم ملتزمون حقاً…” ابتسم لوميان وأجاب: “أنا ذاهب لتناول القهوة فقط!”. وبعد مراقبته عن كثب لثوانٍ، تراجع رجال العصابة مفسحين له الطريق.
دخل المقهى ولاحظ أن لويس وساركوتا لا عمل لديهما، فتوجه مباشرة إلى الحمام. لم يجرؤ على النظر إلى نفسه في المرآة، بل رش الماء على وجهه وفركه مراراً حتى أزال المكياج تدريجياً.
وعندما انتهى، نظر في المرآة ليرى انعكاسه الشاحب والمنهك يحدق فيه. فكر لوميان وهو يستعيد هدوءه قبل مغادرة الحمام: “هذا يستنزف روحانيتي بشكل كبير… خاصة وأنني رسمت لوحتين قبل قليل”.
التفت لويس حوله ونهض مندهشاً: “أيها الرئيس! متى عدت؟”. أجاب لوميان مشيراً نحو الممر: “للتو، سأذهب لأرتاح”. رد لويس وساركوتا بطاعة: “فهمنا أيها الرئيس”، دون أن يسألا عن المزيد.
دخل لوميان غرفته، وأجبر نفسه على استعادة نشاطه، ثم استلقى على السرير وغرق في النوم. وفي حلمه، داهمه ذلك الشعور الذي لا يطاق بالسقوط الحر نحو الأرض. وبينما كان يهوي، انشقت الأرض تحته فجأة، كاشفة عن بحر من النيران المتصاعدة. شعر لوميان بألم حارق وثاقب في عقله، ففتح عينيه فجأة وجلس يتنفس بصعوبة.
كانت الغرفة غارقة في الظلام والصمت، باستثناء ضوء القمر القرمزي الخافت الذي تسلل عبر الستائر، ملقياً بظلاله على المكتب المجاور للنافذة.
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل