الفصل 400 نقل الأعباء
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 400: نقل الأعباء
كانت مصابيح الشارع خارج النافذة قد أُضيئت بالفعل. نظرت فرانكا إلى براونز ساورون وقالت: “لقد ذكرتُ اسمي بالفعل. أعيش في منطقة السوق وأشغل منصبًا مهمًا داخل عصابة سافوي. هذا كل ما يمكنني الكشف عنه، ولكِ حرية التحقيق في أمري كما تشائين. على أي حال، لدي هدفان؛ الأول هو التحقق من جمعية السعادة والقضاء على أي تهديدات خفية، والثاني هو استغلال الفرصة للحصول على نظرة ثاقبة حول التجمع النسائي.”
تضمنت استراتيجيتها لهذا اليوم التواصل بصدق، وهي حيلة اتفقت عليها مع لوميان؛ فإذا اقتربت منها “الشيطانة” في مقهى البيت الأحمر، فستقوم بـ “الاعتراف” بنواياها لتقييم ما إذا كان للطرف الآخر أي صلات بجمعية السعادة.
ناقشت فرانكا أدق التفاصيل مع أنتوني ريد، الطبيب النفسي، لتجنب أي رد فعل مفرط قد يفسد الأمر برمته. وبناءً على نصيحة أنتوني ريد، كانت “صريحة” لكن دون صدقٍ تام؛ فإفصاحها عن أنها كانت رجلًا في الأصل، وتحولت إلى “شيطانة متعة”، وتسللت إلى عصابة سافوي للانضمام إلى “جمعية الحديد والدم” بهدف استعادة جنسها الأصلي، لن يفشل في كسب الثقة فحسب، بل سيزيد من الشكوك حول دوافعها الخفية بسبب هذا الصدق المفرط والمريب.
لذا، اكتفت بالكشف عن هويتها ودوافعها السطحية، تاركة الباقي مخفيًا بين السطور، لتسمح للطرف الآخر بالاستقصاء والتحري بنفسه؛ فالمعلومات التي تُجمع بالجهد والبحث تكون دائمًا أكثر مصداقية من الكلمات الملقاة مجانًا.
ثبّتت براونز ساورون نظراتها في عيني فرانكا وعلقت قائلة: “بالنظر إلى القوة التي أظهرتِها، لماذا تكتفين بدور زعيمة عصابة؟”
ردت فرانكا بغموض: “من أجل أمر بالغ الأهمية، أعتقد أنكِ كنتِ ستفعلين الشيء نفسه”، ملمحةً إلى أنها أدركت أيضًا “مسار” الطرف الآخر، وتسلسله التقريبي، وظروفه الأصلية.
ثم رفعت يدها لتلمس القرط الفضي في شحمة أذنها اليمنى وأضافت بابتسامة: “نسيتُ أن أذكر أن هذا ليس مظهري الحقيقي، فتنكري متقن للغاية، وإلا كيف فقدتِ أثري في المرة الماضية؟”
نظرت براونز إلى القرط الفضي وأومأت برأسها متفهمة. وبدلاً من التمادي في تقصي هوية فرانكا، انتقل الحديث إلى “جمعية السعادة”. أدركت فرانكا أن “الشيطانة” تولي أهمية كبرى لحفلات المجون النسائية في مقهى البيت الأحمر، وكانت حذرة تجاه أي منظمات أو أفراد يحملون أجندات خفية.
“هل تحاولين إخباري أنكِ تقيمين روابط عاطفية حقيقية مع بعض المشاركات في هذه الحفلات؟ إذا استمر هذا، فستواجهين المشاكل عاجلاً أم آجلاً. من الطبيعي أن تكون لديكِ مشاعر، لكن البحث عنها في تجمعات كهذه هو علامة على ضيق الأفق… ألا يمكنكِ فصل الروح عن الجسد تمامًا؟ عندما يحدث اتصال روحي مفرط، تنمو الرغبة في الحميمية الجسدية، والعكس صحيح؛ فمع الحميمية الجسدية المفرطة، لا بد للأرواح أن تتقارب…”
بصفتها “مراقبة”، قدمت فرانكا نقدها لوضع براونز ساورون، مستندة إلى معارفها وتجاربها من حياتين، مما أضفى طابعًا فلسفيًا على تأملاتها. ساعدها هذا الإدراك على فهم مبدئها الأول كـ “شيطانة متعة” إلى حد ما.
لم تخفِ فرانكا أي معلومات؛ فمن جهة، كانت تشك في أن “طائفة الشياطين” قد رعت شيطانة “بريئة” وعاطفية كهذه لاستهداف عائلة ساورون، ومن جهة أخرى، سردت الأنشطة العامة وقدرات “جمعية السعادة”.
عند سماع لقب “مدمن الشهوة” وسلوكياته، غدا تعبير براونز ساورون جادًا وحذرًا. عرفت فرانكا متى تنهي الحوار؛ فأنهت مشروبها، ونهضت برشاقة، ثم ارتدت قبعتها الزرقاء وغادرت مقهى البيت الأحمر.
بينما كانت تستقل العربة المستأجرة عائدة إلى منطقة السوق، كانت أفكارها تتسابق لتحليل نقاط الضعف المحتملة: “أحتاج لإقناع جينا بالانتقال، لكن بقاءها في شقتي قد يكشف حقيقة جنسي الأصلي. يجب أن أنبهها لعدم إظهار قدراتها كـ ‘قاتلة’ أو ‘محرضة’ في الوقت الحالي… أما المشكلة مع ‘سيل’، فهي أنه إذا تكرر التفاعل بين براونز ساورون وبوفر ساورون، فقد يكتشفان أن ابن التاجر الثري السخي ليس سوى زعيم عصابة في منطقة السوق، مما سيكشف الأجندة الخفية لـ ‘جمعية الحديد والدم’. لكن بما أن براونز مرتبطة بطائفة الشياطين ولا تشارك عائلة ساورون اهتماماتها، فهناك احتمال كبير أنها ستخفي هذه الحقيقة وتستغلها لصالحها…”
***
شارع روسينيول، منطقة السوق.
عاد لوميان عبر “التنقل الروحي” إلى منزله الآمن. وبينما كان ينتظر عودة فرانكا لتكذب عليه كي يتمكن من استعادة مظهره الأصلي، أخذ يتأمل الشائعات المتداولة حول “خبز دم البشر”.
“كان من الممكن السيطرة على الأمر لو اكتشفته في بدايته، لكنه الآن صار معتقدًا شائعًا، فقد صدقه المئات بل الآلاف. سيكون تتبع المصدر غاية في الصعوبة، وحتى لو عثرت على البداية، فقد يكون الشخص المسؤول مجرد ناقل لمعلومات مضللة لا يعرف مصدرها الحقيقي… كما أن العثور على طبيب نفسي ماهر يجيد التنويم المغناطيسي مهمة شاقة… يبدو أن شائعة ‘الماندريك’ التي سمعتها في ‘لا نو بروش’ مشبوهة أيضًا…”
بعد تفكير عميق، قرر لوميان عدم التوغل في الأمر بنفسه، بل سيبلغ “السيدة الساحرة” ويستطلع إمكانية الاستعانة بشخص مثل السيدة سوزي، أو حتى طبيب نفسي رفيع المستوى مثل “السيدة العدالة” للتحقيق في مصدر الشائعات؛ فهم خبراء في مثل هذه الأمور ويمتلكون شبكة علاقات واسعة وقدرات تتجاوز مجرد “معرفة الأشخاص”.
كانت المسألة المتعلقة بـ “المبجل السماوي للبركات” مهمة مشتركة لنادي التاروت، وبالمثل، كان لوميان ينوي إلقاء عبء القرائن الأخرى على عاتق حاملي بطاقات الأركانا الكبرى، فبالنظر إلى قدراته الحالية، كان من المستحيل عليه عمليًا مواصلة التحقيق فيها.
كان يعتقد أنه بما أن “لوكي” يعمل في “المكتب الثامن”، فمن المحتمل أن يكون قد أثر بشكل غير مباشر على زملائه أو أن أحدهم قد اكتشف أمره، وكل هذه كانت خيوطًا محتملة. ومع ذلك، وبالاستناد إلى تجاربه مع “عرائس الدمى”، تذكر لوميان أحداث حانة “ألون” وعرض الدمى في القبو؛ لم يكن الأمر مجرد غموض، بل كانت تنبعث منه هالة من الخبث والرعب، وكان بإمكانه استشعار الخطر الملموس الكامن في التفاصيل.
كان يشك في أن معظم المتفرجين في مسرح الدمى كانوا هم أنفسهم دمى، وهو ما يتناسب مع اسم الحانة: “وحيدًا!”. بدا وكأن هناك شخصًا حيًا واحدًا فقط وسط كل تلك الدمى! بالطبع، كان هذا التصور مبالغًا فيه قليلاً، فمن الواضح أن بعض أعضاء “المكتب الثامن” كانوا يعملون كنادلين وموظفي خدمة هناك، بمن فيهم لوكي وليا. ومع ذلك، فإن من يستطيع التحكم في مسرح كامل من الدمى لا بد أن يكون أقوى بكثير من لوكي، ومن المرجح أنه تجاوز التسلسل الخامس، وربما كان “نصف حاكم” من مسار “الرائي”.
ورغم ثقة لوميان بنفسه، لم يظن أبدًا أنه قادر على كشف أي أدلة في حانة يحميها نصف حاكم، ولم يجرؤ حتى على المحاولة؛ فوحدهم حاملو بطاقات الأركانا الكبرى في نادي التاروت قادرون على إجراء تحقيق شامل في هذا الصدد. ودون تردد، شرع لوميان في كتابة رسالة ليبلغ “السيدة الساحرة” باكتشافاته.
عندما استدعى الرسول “الدمية”، ألقى الأخير نظرة على لوميان وعلق قائلاً: “هل تستمتع بالتنكر؟”
فكر لوميان: “هل يسأل لأنني أرتدي وجهًا جديدًا؟”، ثم ابتسم وأجاب: “إنه ضرورة في بعض المواقف، فالتنكر يضمن عدم التعرف عليّ أثناء تنفيذ مهام معينة.”
إذا ظهرت لك هذه الرسالة وأنت خارج مَجـرّة الـرِّوايَات، فأنت في موقع "لصوص المحتوى". galaxynovels.com
أومأ الرسول ببطء وقال: “لا عجب إذًا أنك لا تلاحظ أنني أتغير كل يوم.”
نظر لوميان إلى الثياب الذهبية الفاتحة للرسول، محتارًا بين قول الحقيقة أو اللجوء إلى كذبة بيضاء. وأمام صمت لوميان، انتزع الرسول الرسالة وقال بحدة: “شعري صار أنعم، وبشرتي أكثر مرونة، وفستاني جديد…”
ومع هذه الكلمات، تلاشى صوت الرسول تدريجيًا وهو يذوب في ضوء الشموع.
تنهد لوميان وتمتم لنفسه: “ربما كلما زاد الأنس بشخص ما، قلّ الانتباه لتغيراته الدقيقة…”
كان الأمر مشابهًا لفرانكا، التي تبدو مرتاحة جدًا برفقته لدرجة أنها لا تشعر بالحاجة للتكلف في التفكير. فلو اضطر المرء للتفكير المفرط والتوتر عند التفاعل مع الآخرين، لتهالكت حالته النفسية بمرور الوقت.
عندما حان الوقت، غادر لوميان شارع روسينيول وتوجه إلى الشقة رقم 601 في شارع “البلوز البيضاء”. طرق الباب ففتحته جينا، وبدت عليها علامات المفاجأة: “من تكون؟”
سخر لوميان قائلاً: “ألا يمكنكِ معرفتي من مشيتي؟”
ردت جينا: “تبًا لك، هالتك المستفزة التي تجعل الآخرين يرغبون في ضربك ستجعل تنكرك بلا فائدة!” كانت جينا تدرك أن لوميان يمتلك أداة غامضة تمكنه من تغيير مظهره.
دخل لوميان غرفة المعيشة وتلفت حوله سائلاً: “أين فرانكا؟”
فأجابت جينا: “لم تعد بعد من مقهى البيت الأحمر.” كانت جينا تعلم بنية فرانكا للتواصل مع عضوة في “طائفة الشياطين”، وسبق أن سمعت رفيقتها تذكر عداء تلك المنظمة السرية تجاه “القاتلات”.
أمسك لوميان بمرآة فرانكا البديلة وجلس على كرسي ذي ذراعين بعدما اطمأن إلى أن الأمور تسير بشكل طبيعي، وكان هذا هو المقعد المفضل لجينا.
قلبت جينا عينيها وجلست على مسند ذراع كرسي قريب، ثم سألت بتأمل: “لماذا لديك كل هؤلاء الأعداء؟ وكم عددهم؟”
سرد لوميان باختصار كارثة “كوردو” مع إغفال الكثير من تفاصيل ماضيه، وأجاب ببساطة: “تعويذة استدعاء الأرواح التي تسببت في مأساة أختي جاءت من منظمة تُدعى ‘كذبة أبريل’؛ لقد باعوها لأختي عمدًا. هدفي الحالي هو تحديد مواقع أعضائهم الرئيسيين وتصفيتهم واحدًا تلو الآخر.”
ضمت جينا شفتيها، ممتنعة عن الاسترسال في الأسئلة كي لا تزيد من كدر لوميان، وسألت بجدية: “كيف يمكنني المساعدة؟”
فكر لوميان للحظة ثم أجاب: “أكبر مساعدة تقدمينها لي هي تفانيكِ لتصبحي ‘ساحرة’.”
لم يكن أعضاء “كذبة أبريل” أقوياء فحسب، بل كانوا بلا وازع أو حدود، ولن تتمكن جينا من مشاركته في مطاردتهم إلا بعد أن تترقى لتصبح “ساحرة” وتكتسب القدرة على صنع “بديل المرآة”.
كانت جينا تغلي غضبًا في داخلها، لكنها كتمت إحباطها. راقبت لوميان بهدوء لثوانٍ ثم علقت: “أشعر أنك مجهد أكثر من ذي قبل…”
ابتسم لوميان لا شعوريًا وقال: “لكنني أيضًا أكثر حماسًا.”
أعربت جينا عن قلقها قائلة: “ولكن، أليس هذا الضغط شديدًا؟ ذكرت فرانكا أن الوتر المشدود باستمرار عرضة للقطع، وأن أفضل نهج هو الموازنة بين الشدة والاسترخاء.”
رسم لوميان ابتسامة ساخرة وأجاب: “لكنهم لن يسمحوا لي بالاسترخاء؛ فهم مصممون على قتلي بأنفسهم.”
وإذ لاحظ ارتباك جينا، أضاف بتعبير بارد: “لم يبلغوا السلطات عني رغم علمهم أنني مجرم مطلوب؛ فمن الواضح أنهم يريدون بقائي في منطقة السوق حتى يكتمل مخططهم وتجهز كافة تحضيراتهم.”
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل