تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 133 : التعويذات الباهظة

ما إن سمعت إليزابيث جواب كلاين، حتى بدا القلق يجتاح وجهها، وأخذت تتكلّم أسرع من المعتاد من غير أن تنتبه.

«هل… هل يمكنك أن تستبصر السبب تحديدًا؟ وسيكون أفضل لو استطعتَ أن تستبصر طريقة لحل الأمر…»

الاستبصار لا يعطينا سوى اتجاه عام لكيفية حل المشكلة، علاوة على أنّه غامض عادةً، مليء بالرموز التي يصعب فهمها… ولكن، يا لكِ من محظوظة، فأنا لستُ عرّافًا عاديًّا، بل باحث حقيقي في العرفان!

هكذا هزأ كلاين في نفسه قبل أن يقول بجدية:

«بما أنّ الأمر يتعلّق بالأحلام، فأقترح استخدام طريقة استبصار مشابهة لها.»

«حسنًا، حسنًا!» قالت وهي تهزّ رأسها سريعًا كطائر نقّار جائع.

حافظ كلاين على احترافيته: «سأحتاج منك أن تنامي هنا، وأن تسمحي لذلك الحلم بأن يعاود الظهور. هل في ذلك مشكلة؟»

«لا مشكلة… أثق بك.» قالت بلا تردد وهي تضمّ شفتيها بخجل.

لكنها سرعان ما أضافت متلعثمة: «ولـ… لكنني لا أستطيع أن أضمن… أنني سأرى ذلك الحلم فعلًا.»

«إنها مجردُ محاولة.» قال لها كلاين بابتسامة مطمئنة.

ثم أشار إلى الأريكة الطويلة في إحدى زوايا غرفة العقيق الأحمر: «تفضّلي.»

هزّت رأسها نافية: «لا حاجة لذلك، سأنام هنا. هكذا أفعل في المدرسة عندما أتعب بعد الحصص.»

وضعت ذراعيها على الطاولة واتخذتهما وسادة، ثم انحنت فوقهما.

قال لها كلاين مبتسمًا: «حسنًا… اعتبريني غير موجود.»

وأخذ يراقب ألوان هالتها وانفعالاتها ليستدلّ على ما إذا كانت قد غفت أم لا.

«حاضر.» قالت وهي تغمض عينيها وتدفن وجهها في ذراعيها، تحاول أن تنتظم أنفاسها.

ساد صمتٌ لطيف في الغرفة، صمتٌ قادرٌ على أن يجعل المرء ينسى همومه.

وبعد برهة، وحين تأكد كلاين من أنّ إليزابيث قد نامت، أخرج من جيبه نصف دائرة فضيّة منقوشة بعبارات هرميسية غامضة ورموز وأرقام.

كانت تعويذة الأحلام التي نجح في صناعتها صباح أمس!

وكان قد صنع أيضًا تعويذتين للنوم، وتعويذتين للطمأنينة؛ الأولى في شكل مستطيلات فضيّة، والأخرى مثلثات ليسهل عليه تمييزها بلمسة واحدة أثناء أي قتال محتدم.

همس بكلمة من الهرميسية القديمة: «قرمزيٌّ.»

ذلك كان قُدّاس التفعيل الذي أعدّه. وبما أنّ التعويذة تحتاج بعد ذلك إلى ضخّ الروحانية فيها، لم يكن مطلوبًا أن يكون القُدّاس مختلفًا أو معقدًا؛ المهم أن يكون قصيرًا وسهل الحفظ.

ترددت اللفظة الغامضة في أرجاء الغرفة، وشعر كلاين أنّ التعويذة أصبحت خفيفة في كفه، كأنها فقدت وزنها.

فوضعها على الطاولة بعد أن ضخّ فيها روحانيته.

وارتفع لهيب شفاف، بلا صوت، ليُغشي التعويذة، ويتحوّل مع الوقت إلى سواد عميق ساكن.

ثم امتدّت النار السوداء سريعًا لت لتغلف إليزابيث وكلاين معًا.

دخل كلاين فورًا في حالة التأمّل، وأطلق روحه لتنظر إلى الكرة الضوئية الوهمية أمامه.

كانت الكرة محاطة بظلمة لا نهاية لها، مما جعلها تبدو وحيدة، منقطعة.

ولم يجرؤ على التأخر، فمدّ روحانيته لتلامس تلك الكرة…

وفجأة بدأت المشاهد تتشوه وتتلوّى من حوله… قبل أن تستقرّ في سهل أصفر مائل للبني، تتناثر فوقه جثث الخيل والبشر، والدماء، والأسلحة الملقاة في كل اتجاه.

كانت إليزابيث ترتدي ثوبًا ملكيًا، بكمّين دانتيليين وقبّعة شبكية، وتبدو تائهة.

وما إن لمحت هيئة كلاين، حتى ازدانت عيناها دهشةً وفرحًا.

قالت بعجلة:

«السيد مورتي! نلتقي مجددًا! لقد كنت أشكّ أن اسم كلاين مورتي المُسجَّل في النادي هو أنت فعلًا حين جئتُ مع سيلينا للاستبصار. وعدتُ مرارًا، لكنني كنت أفوّتك أثناء الدروس…

وفي العطلة الصيفية، سحبني والداي إلى مدينة لامود رغماً عني…

ستساعدني، أليس كذلك؟!»

تجمّد كلاين لحظة أمام اندفاعها… يا للعجب، لقد كانت تبحث عنه حقًا.

وعلى الرغم من ذلك لم تبدُ عليها أيّ غرابة في الواقع!

حقًا… إنّ الأحلام تُظهر أصدقَ ما في النفس، إلا عندي أنا، يا سيد أحمق…

وبينما ينشغل في خواطره، تغيّر المشهد فجأة.

كان هناك فارس طويل القامة، يقترب منهما، يجرّ خلفه سيفًا عريضًا يخطّ الأرض.

كان يرتدي درعًا أسود، ومع كل خطوة يُسمَع خشخشة المعدن. ومن شقّ خوذته، انبثقت نقطتا ضوء حمراوان كأنهما جمْرتان، تحدقان بكلاين وإليزابيث.

إرادة شبح… لم يصل إلى رتبة الروح الشريرة. فكّر كلاين. وفي حالته الروحية، لم يكن بحاجة إلى رؤية الروح.

بحسب تصنيفات «صقور الليل»، فإنّ بقايا الأرواح التي تتحرك بدافع الظلم أو الحقد هي الأضعف وأسهل ما يمكن التعامل معه، ثم تأتي الظلال والأشباح… أما الأرواح الشريرة فهي أشدّ وأخطر، ويُقال إن أقواها يبلغ قوة متجاوزٍ عالي التسلسل.

خطا كلاين خطوة للأمام، حاجزًا إليزابيث وراءه، ثم ضرب الأرض بقدمه، فتكسر الحلم.

تناثرت الأضواء الصغيرة حولهما كيراعات، وعاد كلاين إلى جسده، وعاد بصره يتأقلم مع ظلمة غرفة العقيق الأحمر. رأى كل أدوات الاستبصار على الطاولة، ورأى تعويذة الحلم التي أوشكت على الاحتراق بالكامل.

وشعر بوخز في قلبه…

فتعويذات نطاق السيادة السامية لـ «سيدة الليل الأبدية» تُصنع كلها من الفضة الخالصة…

استخدام هذه التعويذات مثل حرق النقود!

بل إن كلفة المواد وحدها تبلغ ستة إلى ثمانية سولي للتعويذة الواحدة…

خفّف عن نفسه قليلًا حين تذكّر متجاوزي «الشمس الأبدية»… فهم يحرقون الذهب نفسه.

تأوهت إليزابيث قليلًا واستيقظت تدريجيًا، ثم اعتدلت في جلستها.

نظرت إليه بخجل وسألت: «سيد مورتي… هل ظهرت نتائج للاستبصار؟»

«نعم.» قال بوقار. «ستختفي كوابيسك خلال أسبوع على الأكثر.»

سأرفع الأمر إلى القائد ليُرسل أحدًا لمعالجة الوضع في مدينة لامود… قال في نفسه.

قفزت إليزابيث من الفرح: «حقًا؟! هذا رائع! شكرًا لك يا سيد مورتي!»

ثم عبست فجأة.

سألها: «ما الأمر؟»

«لا شيء… تذكرت فقط أن عليّ العودة للبيت الآن.»

وأخرجت ورقة سولي كانت قد أعدّتها مسبقًا، وضعتها على الطاولة، ثم أمسكت قبعتها وودّعته مترددة.

وبعد أن خرجت من غرفة العقيق، وسارت نحو الدرج، نظرت حولها لتتأكد أن لا أحد يراها، ثم لوّحت بذراعيها متألمة وهمست: «وخَزٌ وتنميل… يا للنعاس!»

في شركة «بلاكثورن» للأمن، كان القائد دان يدلك جبينه وهو ينظر إلى كلاين.

قال: «هل عدت مسرعًا لأنك واجهت حادثًا خارقًا آخر؟»

يا قائد… ما هذا النبرة؟!

تنحنح كلاين وقال بلا تردد: «نعم.»

«وما الأمر هذه المرة؟» قال دان وهو يفرك جبينه مجددًا.

رتّب كلاين أفكاره وقال:

«هناك أمران. الأول… حين كنت أشتري مواد التعويذات من السوق السري، صادفتُ “الوحش” آدميسول منكمشًا في زاوية، يرتجف من الخوف.»

وهنا ألمح بشكل واضح إلى موضوع تعويضه على المواد.

لكنه لم يستطع أن يذكر أتعاب المحقّق الذي استأجره للعثور على داكستر غودريان، لأنّ ذلك مرتبط بـ«المدخنة الحمراء»، وقد ندم أشد الندم لعدم استئجار محققين منفصلين.

لم يفهم دان التلميح، بل اكتفى بهزّ رأسه قليلًا.

«وماذا جرى لآدميسول؟»

تنفّس كلاين وقال:

«رأى حلمًا… حلمًا مليئًا بالجثث والدماء. ورأى جثته من ضمنها، فخاف كثيرًا.»

فكّر دان قليلًا ثم قال: «وبصفتك عرّافًا… ماذا ترى في ذلك؟»

أجاب كلاين بحذر: «كارثة… كارثة واسعة النطاق. لكن ليس لديّ أي معلومات إضافية. وفوق ذلك، ليس كل ما في حلمه بالضرورة رمزيًا.»

قال دان: «سأرفع الأمر إلى الكاتدرائية وأرى رأيهم. هذا ليس ضمن اختصاصي.»

لم يكن لدى كلاين ما يضيفه، فحوّل الحديث إلى حادثة إيذاء الشبح لإليزابيث.

سأل دان: «مدينة لامود… هل تلك الفتاة من أتباع الحاكمة؟»

«نعم.» أجابه كلاين.

«إذن لا مشكلة. سنتوجه إلى مدينة لامود الآن، ونحاول تناول العشاء هناك. وآه… خذ فراي معك. قدراته ستكون مفيدة لو كان هناك جثث أو أشباح.»

ومسح صدغيه محاولًا تذكر إن كان هناك شيء آخر.

لو لم تكن إليزابيث من أتباع الحاكمة، لكانوا اضطروا لتحويلها إلى «المعاقبون المفوضون» أو إلى «خلية الآلات» تبعًا لإيمانها. وإن لم تكن تتبع أيًّا من الكنائس الثلاث، تُسلَّم إلى «خلية الآلات» لأنها مسؤولة عن المناطق الخارجية.

وقف كلاين ينتظر بصمت، إلى أن قال دان أخيرًا:

«وبما أننا ثلاثة رجال في المهمة… يمكننا طلب استخدام الأثر المختوم 3-0782.»

«3-0782؟»

بعد دقيقة تذكّر كلاين أنه شعار الشمس المتحوّل.

كانت تأثيراته العرفانية تمتدّ طويلًا، وينقّي الجثث والأرواح ضمن دائرة خمسة عشر مترًا… لكنه يُنقّي أرواح البشر أيضًا، فيحوّل العاديين إلى بلهاء لا يعرفون سوى تمجيد الشمس بعد ساعة واحدة، بينما يتحمل المتجاوزون ست ساعات فقط.

أما الأشباح والجثث… فتتشتت في أقل من دقيقة.

يا للعجب… القائد يحفظ رموز الآثار المختومة أفضل مني…

ثم تجمّد كلاين فجأة وقد شعر بصدمة محرجة.

عندها مال دان للخلف، ونظر إليه بعينيه الرماديتين العميقتين قائلًا:

«ذهبت إلى نادي الاستبصار مجددًا اليوم؟ هل شعرت بأي تغيّر خلال اليومين الماضيين؟»

التالي
133/819 16.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.