تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 138 : مسار العمالقة

«الحاكم القادر على كلّ شيء، العليم بكلّ شيء… السيّد الذي منشئ كلّ شيء…»

اتّكأ كلاين إلى الوراء محافظًا على هيئة عميقة الوقار، وهو يعيد في ذهنه الكلمات التي نطق بها الفتى القادم من مدينة الفضّة.

لم يكن غريبًا عنه لقب «السيّد الذي منشئ كلّ شيء»؛ فـ«المنشئ» المذكور في «كتاب العواصف»، و«وحي الحاكمة الأبدية»، وغيرهما من الأساطير المدينية، كان يُشار إليه بألقاب مشابهة. وكذلك تصف المنظمات السرّية، مثل جماعة «الفجر الجديد»، «المنشئ الحق» بألقاب من هذا القبيل.

لكنها كانت المرّة الأولى التي يسمع فيها في هذا العالم عن «حاكم قادر على كلّ شيء، عليم بكلّ شيء».

لا الحُكَّام الليل الأبدية، ولا سيّد العواصف، ولا حاكم البخار والآلات، ادّعى واحد منهم أنه قادر على كلّ شيء أو عليم بكلّ شيء.

«إن كانت مدينة الفضّة واقعةً في الأرض المهجورة من الحاكمة… فهذا يعني أنّ تلك الأرض جزء أصيل من هذا العالم… وربما كان لقب “الحاكم القادر العليم” هو ما أطلقه البشر في العصور السحيقة على المنشئ نفسه…»

حدّق كلاين بالفتى الجالس قبالته، متأملًا الألوان العاطفية المنبعثة منه، ألوان الألم والحزن.

وحين أحسّ ديريك بنظرة الأحمق، خفض رأسه لا إراديًا.

تذكّر الأساطير التي قصّها عليه والداه، وقال ببطءٍ وحزن:

«حين اختفت الشمس من السماء… وتمزّقت الغيوم… وصارت الصواعق والرعود هي الحاكمة علينا… خرجت الوحوش الكامنة في الظلام إلى السطح، أفظع ممّا يتصوّره العقل… ودمّرت مدينة بعد أخرى من مدن مملكة الفضّة… هكذا حلّت على البشر «العصور المظلمة».

«اعتمد الخبراء الباقون في مدينة الفضّة على قوّتهم المتّحدة، وعلى اثنين من الأدوات السحرية… ومن ثمّ صدّوا هجوم أشياء الظلام… وبعدها طهّروا الوحوش ضمن مسافة رحلة يوم واحد من المدينة… وأقاموا دولة-مدينة تحمي آخر نورٍ من أنوار الحضارة البشرية.»

علّق كلاين في نفسه:

«وصف نموذجي من كتاب مدرسي…»

ومع ذلك، ملأه كلام الفتى بشعورٍ بأنّ مدينة الفضّة ليست في العالم نفسه الذي تقع فيه القارّة الشمالية.

«لعلّ هذا من خصائص الأرض المهجورة من الحاكمة…»

لم يُبدِ على وجهه شيئًا من خواطره.

هدّأ ديريك أنفاسه وأكمل:

«في العقود الأولى… لم تكن النباتات قادرة على النمو. عانت مدينة الفضّة من شحّ شديد في الغذاء… ولم يكن أمامنا إلّا صيد مخلوقات الظلام أو الحيوانات المتحوّرة لنخفّف جوعنا… وهكذا تدنّى عدد السكان على نحوٍ مخيف. ولحسن الحظ… وجدنا عشبة الوجه الأسود… كانت قادرة على البقاء في هذه الظروف… وصارت مصدر غذائنا الوحيد الموثوق والمستقرّ.

«قيل إنّها آخر تدخّلٍ تفضّل به الحاكم الجليل علينا… فسمح لأجيالٍ بعد أجيال أن تعيش في مدينة الفضّة… وهكذا صمدت في العصور المظلمة ألفَين وخمسمئة واثنتين وثمانين سنة.

«وقد سُجّل الزمن عبر سلسلة طويلة من الزعماء. أمّا الناس العاديّون في مدينة الفضّة… فنحن نسمّي فترات تكرّر البرق فيها “نهارًا”، وحين تخبو الصواعق نسمّي ذلك “ليلًا”. إنّه نظام مربك بعض الشيء، ويجعل تحديد التاريخ بدقّة أمرًا عسيرًا.»

فكّر كلاين:

«مكان عجيب حقًّا… من حسن الحظ أنّني لم أذكر لفظ “الغد”، بل اكتفيتُ بالغموض وقلت “اليومين المقبلين”.»

تابع ديريك يسرد بعض الحوادث البارزة في تاريخ مدينة الفضّة، ثم قال:

«حين عاد عدد السكان إلى مستوى معيّن، ازداد المتجاوزون. وهنا بدأ مجلس الأعضاء الستّة بتشكيل فرقٍ نخبوية لاستكشاف الظلام. لقد استكشفنا كلّ أراضي المملكة الأصلية والمدن المجاورة لها… ونحن الآن نتقدّم نحو أعماقٍ أشدّ ظلمةً ورعبًا. وهناك، على الحدود، وجدنا مدنًا ذات عمارة غريبة… لكنها كانت مدمّرة بالكامل. نرجّح أنها كانت ملاجئ شيّدها بشرٌ آخرون نجوا من الكارثة… لكنّ أشياء الظلام قضت عليهم بالنهاية أيضًا.»

استنتج كلاين بهدوء:

«أشياء الظلام التي يذكرها لابدّ أنها الوحوش غير المتخيَّلة التي تختبئ في الظلام…»

هزّ رأسه بخفّة، علامة على الإصغاء.

واصل ديريك:

«كانت مملكة الفضّة خاضعةً قديمًا لملك العمالقة… ولهذا فإنّ سلسلة المتجاوزين التي نسيطر عليها هي مسار العمالقة، المعروف أيضًا بمسار محاربي الدم السامي…

«حين قتلنا بعض الوحوش، أو استكشفنا تلك المدن المدمّرة، حصلنا على وصفات جرَعٍ لمسارات أخرى… لكنّ سلاسل تلك المسارات غير مكتملة.»

ارتجف ذهن كلاين لهذه الكلمات، وإن لم يتغيّر جلوسه كثيرًا، لكنّ انتباهه تركز إلى أقصاه.

«كم أعشق الحصول على معلومات عن جرَع التسلسل… ملك العمالقة… إذن، لمدينة الفضّة والتاريخ المعروف للقارّة الشمالية جذر مشترك في العصر الثاني… عصر الظلام…»

«قتل الوحوش للحصول على الوصفات… كأنّنا في لعبة… لا، هناك تفسير آخر… تلك الوحوش كانت يومًا ما بشرًا، متجاوزين…»

شعر كلاين بثقل يجثم على كتفيه فجأة.

ولمّا لم يسمع ديريك ردًّا من الأحمق، عضّ شفتيه وفكّر قليلًا، ثم قال:

«أسماء مسار العمالقة هي: التسلسل 9 “المحارب المتجاوز”، التسلسل 8 “المصارع”، التسلسل 7 “سيّد السلاح”، التسلسل 6 “فارس الفجر”، التسلسل 5 “الحارس”، التسلسل 4 “صيّاد الشياطين”. أمّا أسماء التسلسلات الأعلى… فلا يعرفها إلا الشيوخ الستّة في المجلس.»

«التسلسل 4… صيّاد الشياطين…»

تنشطَ ذهن كلاين.

«إذن، هذا اسم جرعة عالية التسلسل… هذه أوّل مرّة أعثر فيها على اسم من هذا المستوى… لكنّي أظنّه اسمًا قديمًا؛ قد يختلف عن الاسم المستخدم اليوم في القارّة الشمالية، كما حدث مع “كاهن العواصف” و”ربّ البحر”.»

«أمّا التسلسلات الدنيا… محارب متجاوز، مصارع، سيّد سلاح… هذا مألوف… آه، صحيح… مسار التسلسل الذي تسيطر عليه كنيسة حاكم القتال يشبه هذا كثيرًا! التسلسل 9 “المحارب”، التسلسل 8 “الملاكم”، التسلسل 7 “سيّد السلاح”!»

بحكم حدود تصريحه الأمني، لم يكن كلاين يعرف إلا أسماء التسلسلات الثلاثة الأولى في مسار حاكم القتال… لكنّ التشابه كان واضحًا للعيان.

«من حيث الجوهر، هما المسار نفسه تقريبًا… يبدو أنّ سلسلة التسلسل الكاملة التي تسيطر عليها كنيسة حاكم القتال، هي نفسها مسار العمالقة القديم… قيل في الأساطير إنّ حاكمًا برز في العصر الثالث، عصر الكوارث، ليرث إرث ملك العمالقة… أو لعلّه كان في الأصل عملاقًا قديمًا، وصار حاكمًا!»

واصل التحليل في ذهنه، والمحافظة على ملامح هادئة.

استمرّ ديريك يشرح:

«بعد اجتيازنا المصاعب الأولى، حكمت مدينة الفضّة دائمًا بمجلس الأعضاء الستّة. الشيخ صاحب المكانة الأعلى يُسمّى الزعيم، أمّا الخمسة الآخرون فهم في المنزلة نفسها… والمجلس الحالي يتكوّن من ثلاثة صيّادي شياطين، وحارسين اثنين هما الأكثر موهبة، وراعٍ واحد.»

هذا الفصل محفوظ لمَــجَرّة الرِّوَايَات، وأي إعادة نشر خارجه دون إذن تعني سرقة للمحتوى.

توتّرت عضلات كلاين للحظة:

«مدينة واحدة فيها ثلاثة متجاوزين عاليي التسلسل… أشبه بأنصاف الحُكَّام… هؤلاء الثلاثة وحدهم يستطيعون سحق نادي التاروت مئة مرّة…»

شعر بقدرٍ من الخوف؛ فما زال لم يجرّب أن يضمّ أحدًا إلى مجلسه تحت أنف متجاوزٍ عالي التسلسل.

لكنّه هدأ سريعًا:

«الفتى مازال إنسانًا عاديًّا… ليس حتى في التسلسل 9… لن يلتفت إليه كبار القوم لمدّة طويلة غالبًا…»

«أمّا “الراعي”… فمن المرجّح أنّه يتبع مسارًا آخر، أحد المسارات غير المكتملة ربما… اسمه يذكّرني بأجواء جماعة الفجر الجديد… ذلك العضو الذي بعث رسالة إلى السيّد زاي… ماذا كان اسمه؟ كان يردّد دائمًا عبارة “حَمَل الربّ”…»

حافظ كلاين على وضعه الوئيد، وسأل بنبرة عابرة:

«الراعي؟»

أجاب ديريك مع لمحة خوف في صوته:

«نعم… ذلك مسار عثرنا عليه في إحدى المدن التي دمّرتها أشياء الظلام. سلسلة ذلك المسار لا تتعدّى التسلسل 5 “الراعي”، لكنّ الشيخة نوروايا قوية جدًّا… غريبة جدًّا… ومخيفة جدًّا. ويُقال إنّها غلبت روحًا شريرة في مستوى متجاوزٍ عالي التسلسل، دون أن تُصاب بأذى… لذلك، حين خلا مقعد في مجلس الأعضاء الستّة، استثنوا القاعدة وأدخلوها.»

فكّر كلاين قليلًا، ثم ابتسم وسأل:

«ما هي التسلسلات التي تسبق “الراعي”؟ أظنّني سمعت بعضها من قبل… كما تعلم، أسماء التسلسلات التاريخية تختلف عن الأسماء المعاصرة.»

ردّ ديريك تلقائيًا:

«في مدينة الفضّة لا تتغيّر أسماء الجرَع أبدًا.»

ثم خفف نبرته وخفض رأسه:

«التسلسل 9 هو “منقب الأسرار”…»

ارتسم الرضا في عيني كلاين:

«كما توقّعت تمامًا… هذا هو اسم التسلسل 9 في جماعة الفجر الجديد…»

تابع ديريك:

«التسلسل 8 “المهموس”، التسلسل 7 “الناسك الظلّي”، التسلسل 6 “كاهن الورد”، التسلسل 5 “الراعي”.»

علّق كلاين في سرّه:

«”المهموس” و”المستمع”… جوهرهما واحد تقريبًا… ها أنا أعرف الآن أكثر مما تعرفه فرقة الليل في تينغن…»

وبمزاجٍ جيّد، أشار لديريك أن يواصل.

فأخذ الفتى يصف بإيجاز الوضع الراهن لمدينة الفضّة، ثم لم يملك إلا أن قال في النهاية:

«أنا أحمل لعنة المصير… كلّ مواطن من مدينة الفضّة، سواء كان عاديًّا أو متجاوزًا، يصبح روحًا شريرة بعد موته… تكون روح المتجاوز أغرب… وأرعب… وأصعب بكثير في التعامل… وفي الماضي، أوشكت هذه اللعنة أكثر من مرّة أن تدمّر مدينة الفضّة تمامًا… والطريقة الوحيدة لمنع قيام الروح الشريرة… هي أن يُقتَل صاحبها على يد أحد أفراد سلالته.»

قال كلاين، الأحمق الذي لا يملك إلا قشرة فارغة بلا قوّة حقيقية:

«أمرٌ قاسٍ إلى هذا الحد… آمل أن تزداد قوّة، وتجد سبيلًا لتحرير شعب مدينة الفضّة من اللعنة.»

كان كلّ ما يستطيع تقديمه الآن مجرّد «حساء روحي» مجاني.

تمتم ديريك بصوت بالكاد يُسمع، وهو يجاهد كلامه من بين الألم:

«لذلك… أريد أن أكون الشمس… حين كانت الشمس تشرق على الأرض… لم نعرف أيّ لعنة.»

هزّ كلاين رأسه بخفّة وسأل:

«ستتاح لك الفرصة… تذكّر، إنّي قادر على استدعائك إلى هنا في أيّ وقت خلال اليومين المقبلين… فحاول أن تتجنّب مخالطة الآخرين قدر الإمكان.»

ردّ ديريك بجديّة:

«حسنًا.»

قال كلاين:

«وقبل ذلك… عليك أن تثبّت اسمك الرمزي.»

ابتسم، وأشار إلى مجموعة بطاقات التاروت التي ظهرت على الطاولة:

«اختر بطاقة كاسم رمزي لك… أيّ بطاقة عدا “الأحمق” و”العدل” و”المشنوق”.»

تقدّم ديريك خطوتين، وراح يتصفّح بطاقات التاروت، ثم قال دون تردّد:

«الشمس… أختار “الشمس”.»

قال كلاين بنبرة عرّاف دجّال:

«تذكّر اختيارك… سيلازمك طوال حياتك.»

وفي اللحظة نفسها مدّ يده بهدوء وقطع الصلة تدريجيًّا، ثم راقب الوهج القرمزي وهو يتراجع، والفتى الجالس أمامه يتحوّل إلى طيفٍ غير مجسّد… يتبعثر شيئًا فشيئًا.

التالي
138/819 16.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.