تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل الأخير من ترسيخ الأساس

فكّرت شيو ديريخا وهي نصف مستندة إلى الأريكة، تحدّق في الصورة التي سلّمتها لها أودري باهتمام شديد: فكّ عريض مميّز، شعر مربوط إلى الخلف على هيئة كعكة كما لدى الفرسان القدماء، عينان تنظران إليك بنبرة ابتسامة جليدية…

في نظر شيو، لم يكن هذا الرجل إلا كومةً حيّة متحرّكة من المال.

بعد أن حفظت ملامح القرصان العظيم «كيلانغوس» عن ظهر قلب، واصلت قراءة الوصف المكتوب أسفل الصورة:

«شعر بني، عينان خضراوان داكنتان.

«لا يمكن استخدام الصورة إلا كمرجع عام، إذ إنّ الهدف يمتلك قدرةً على التحوّل إلى شخصٍ آخر. ولا يُعرف كم من الوقت يستطيع الحفاظ على هذا التحوّل.»

«لا يمكن استخدام الصورة إلّا كمرجع… الهدف قادر على التحوّل إلى شخصٍ آخر… مرجع فقط، يتحوّل إلى شخصٍ آخر…»

إذاً لماذا أضعت كلّ هذا الوقت في حفظ ملامح وجهه بدقّة؟

ارتسمت على وجه شيو نظرة شاردة، كأنّها ترى لأوّل مرة الوجه القبيح لنيّات هذا العالم الصارمة تجاهها.

رفعت رأسها، فرأت فورس وول متكئةً بخمول على الأريكة المقابلة، تتمتم لنفسها قائلة:

«لا توجد أي طريقة نبحث بها عن هذا الشخص. نحن لا نعلم كيف يبدو الآن. كلّ ما نعرفه أنّه ليس من باكلاند. وهناك عدد هائل من الأجانب يدخلون باكلاند كل يوم.»

حاولت فورس أن تجلس باستقامة، لكنها فشلت في المحاولات الثلاث الأولى.

«أنا مجرد متدرّبة، ولستُ حاكمة…» تمتمت، وهي تضع يدها على مسند الأريكة لتجرّ نفسها إلى وضع الجلوس بنجاح.

ثمّ عقّبت ساخرة:

«هل تظن تلك الشابة أنّنا أنبياء؟»

كانت شيو على وشك أن تردّ عليها، حين انتبهت إلى أنّ هناك حواشي أسفل الصفحة لم تطّلع عليها بعد.

قرأت بصوت خافت:

«طرق البحث المقترحة كالآتي:

«1. يمتلك كيلانغوس في حوزته شيئًا شريرًا يحتاج إلى التهام لحم ودم وروح شخص حيّ كل يومين. يمكنكم النظر في حالات اختفاء المتشرّدين.

«2. ابحثوا في كل المعلومات المتعلّقة بكيلانغوس بدقّة، وابنوا ملفًّا عن هواياته وطباعه المميّزة.

«3. ملامح الوجه قد تتغيّر، غير أنّ الإنسان، ما لم يخضع لتدريبٍ خاص، سيظلّ كثيرًا ما يتصرّف بطريقته المعتادة، مثل أنواع الطعام التي يفضّلها، وطريقة مشيه، والحركات التي اعتاد القيام بها، وكذلك كثيرٌ من التفاصيل الأخرى.»

أومأت فورس وهي تصغي إلى القراءة.

ثم علّقت قائلة:

«الآن تبيّن أن الآنسة أودري ليست تلك المراهقة الساذجة البريئة كما تصفها الشائعات. لديها فكر دقيق، وملاحظة هادئة.»

سألتها شيو في شكّ:

«أحقًّا؟»

لم تنتظر جوابًا، بل بدّلت الموضوع قائلة:

«سأتولى أنا مهمّة جمع المعلومات. أمّا أنتِ، فهل يمكنكِ تولّي أمر تنظيم هوايات هذا الأمير الذهبي… لا، أقصد هذا الأدميرال ذي الجنيهات الذهبية وطباعه المميّزة؟»

اتّسعت عينا فورس، وهزّت العلبة الفولاذية التي تحفظ فيها سجائرها.

وقالت بأسلوب متدلّل:

«كيف يطاوعك قلبك؟ كيف تجرئين على جعل كاتبة رقيقة الحسّ مثلي تقوم بمهامّ التنظيم والتحليل والاستنتاج؟»

رمتها شيو بنظرة جانبية وقد تسلّل إلى نبرة صوتها طابع آمر دون أن تشعر:

«هناك فقرة مثيرة عن الاستنتاج في روايتك ‹فيلا جبل عاصفة الرياح›.»

تشنّج كتفا فورس، وخفضت رأسها، تحدّق في الطاولة المنخفضة أمامها وهي تقول:

«هل تعلمين كم خصلةً من شعري انتزعت، وكم ليلةً سهرت حتى كتبت تلك الفقرة؟»

ثم رفعت رأسها بسرعة لتنظر إلى شيو ديريخا، قبل أن تعود فتطأطئه متذمّرة:

«الحياة قصيرة، وهناك الكثير جدًّا من الأمور التي علينا القيام بها، فلماذا نهدر وقتنا في مهامّ رتيبة مملة كهذه؟»

– كلام منطقي للغاية… – كادت شيو أن تهزّ رأسها موافقة، لكنها قاومت بشدّة لتحافظ على هيبتها كحاكمة.

فسألت بصوتٍ خفيض حادّ:

«إذن، أهناك طريقة أخرى لحلّ هذه المشكلة؟»

فكّرت فورس لما يقارب العشرين ثانية، قبل أن ترفع رأسها فجأة.

وقالت بلهجة ملهَمة:

«يمكننا أن نستأجر محترفًا! بعد أن تُنهي جمع المعلومات عن الأدميرال الخلفي، ‹إعصار المؤخّرة›، سنحذف اسمه، ونسلّم كل شيء إلى متحرٍّ ممتاز، ليقوم هو بالتنظيم والتحليل والاستنتاج. وكلّ ما علينا هو دفع الأتعاب!»

– لماذا لم أفكّر في ذلك… – خلت رأس شيو تمامًا للحظة.

تبادلت النظرات مع فورس من دون أن تنبس إحداهما ببنت شفة.

وحين صار الجوّ محرجًا، تنحنحت شيو وقالت:

«سنعمل وفق اقتراحك.»

ثم أسرعت تضيف:

«وأنتِ من سيدفع الأتعاب!»

شارع هاوز، نادي العرافة.

«طاب مساؤك، سيد مورِتي.» حدّقت موظّفة الاستقبال الجميلة، أنجيليكا، في كلاين بدهشة. «أنت نادرًا ما تأتي أيام الجمعة.»

كان كلاين منهكًا من البحث وراء المنزل ذي المدخنة الحمراء، فابتسم قائلًا:

«إنّ القدر لا يكرّر نفسه إلى ما لا نهاية. بل يجلب إلينا بين الحين والآخر بعض المفاجآت.»

كان قريبًا من المكان، وانتهت مدّة استئجاره للعربة؛ لذا قرّر أن يزور نادي العرافة ليرتشف فنجانًا من الشاي الأسود ويستريح قليلًا.

وفوق ذلك، كانت هذه الزيارة تمثّل الطبقة الأخيرة من أساساته. فمع «الخبرة» الجديدة التي سيحصل عليها من نادي العرافة، يصبح من الطبيعي أن يذكر طلبه الخاصّ أمام دان سميث.

أثنت أنجيليكا قائلة:

الشخصيات خيالية، حتى لو حملت مشاعر قريبة من الحياة.

«كلماتك دائمًا مفعمة بالحكمة.»

تأنّى كلاين قليلًا قبل أن يقول بنبرة مدروسة:

«ربما لن آتي إلى نادي العرافة كثيرًا في المستقبل، لذا لن تحتاجي بعد الآن إلى الترويج لي أمام الآخرين.»

لقد هضم الجرعة بالكامل، وعليه الآن أن يتقدّم نحو هدفٍ جديد!

سألته أنجيليكا بصدمة واستغراب:

«لِمَ ذلك؟ لقد حظيت بسمعة طيبة جدًا في النادي. معظم الأعضاء يعرفون أنّ عرافاتك دقيقة ومعجزة. في الواقع، كنّا نفكّر في دعوتك للحضور أيام الأحد كمحاضر.»

– لو كنت أتقاضى جنيهًا واحدًا على كل تعويذة عرافة، لما توقفت عن العمل مهما تعبت… – تمتم مع نفسه. – هذا عدا أنّ عليّ الاستمرار في التحقيق بشأن المنازل ذات المداخن الحمراء، والعثور على المجرم بأسرع ما يمكن… –

ابتسم كلاين ابتسامة دافئة وقال:

«سيّدتي، لا تحاولي ثنيي عن قراري؛ فهذا ترتيب القدر.

«لن أتوقّف عن زيارة نادي العرافة بالكامل، لكنّ زياراتي ستغدو أقلّ تكرارًا. وسأواصل دفع رسوم العضوية في وقتها.»

– ويمكن تعويضها لاحقًا على أي حال… وسآتي من حين لآخر لمراقبة المكان… – أضاف في قلبه.

تنهدت أنجيليكا بأسف:

«يا للأسف. آمل أن تكون موجودًا في النادي يوم أجد نفسي ضائعة.»

لكنها اكتشفت أنّ الأمر ليس مفاجئًا إلى هذا الحد بعد أن هدأت دهشتها الأوّلية.

ربما لم يكن باستطاعة نادٍ صغير في تينغن أن يحتفظ لنفسه إلى الأبد بعرافٍ معجزٍ يحترم القدر إلى هذا الحد… ابتسمت أنجيليكا، وكأنّ فكرة ما راودتها.

ثم سألت:

«شاي سيب الأسود؟»

فأجابها:

«نعم.»

وردّ لها الابتسامة.

قضى قرابة عشرين دقيقة في النادي، استغلّها في الاستراحة وإنهاء فنجان الشاي الأسود، ثمّ غادر متّجهًا إلى شارع النرجس بعربةٍ عامة.

حين دخل البيت، فتح صندوق البريد على عادته، ولاحظ أنّ هناك رسالة وضعت بداخله منذ وقت قريب.

فتح كلاين الرسالة، فوجدها من السيد آزيك.

جاء فيها:

«… سأذهب إلى بلدة مورسي يوم الأحد، وأعود يوم الأربعاء.»

– معظم سكان مورسي من المؤمنين بالإلهة… وذهابه إليها يوم الأحد يعني، وفق مستوى الكفاءة المعتاد، أنّ صقور الليل لن يتلقّوا المعلومات إلا في الثلاثاء أو الأربعاء. سأتمكّن من اللحاق بالأمر… لم أتوقع أنّ السيد آزيك سيتذكّر طلبي… آمل فقط ألا ينسى ألا يتدخّل بنفسه. يكفي أن يستدعي روحًا ما لتقوم بفعل شيء مخيف… – هزّ كلاين رأسه بخفّة راضيًا. ثم أطلق روحانيته ليُشعل الرسالة بالاحتكاك.

حرّك يده قليلًا، فتحوّلت النيران إلى رمادٍ ناعم، تهاوى ببطءٍ إلى الأرض.

بعد ظهر السبت. كان كلاين يرتدي معطفه الأسود الطويل وقبعته، ممسكًا بعصاه وهو يسير بخطًى هادئة إلى داخل شركة بلاكثورن للحراسة.

وبعد أن حيّا روزان، نظر إلى الحاجز الفاصل ورأى أنّ باب مكتب القائد كان مفتوحًا. فرفع صوته متعمّدًا قليلًا وقال:

«بالأمس، رأيت فتاة تشبهك تمامًا في نادي العرافة.»

«حقًّا؟» سألت روزان وقد أثار قوله فضولها.

أومأ كلاين برأسه من دون أن يكلّف نفسه عناء الإقناع:

«نعم، في الواقع ظننتها أختك.»

ضحكت روزان وقالت:

«يؤسفني أن أخيّب ظنّك، لكنّني لا أملك شقيقات، ولا حتى بنات عمّ أو خالات. أتذكر اسمها؟»

ابتسم كلاين:

«لا، ولماذا أتذكّر اسمها؟ يكفي أنّ النظر إليها كان كالنظر إليك.»

«هل يمكنني اعتبار هذا مجاملة؟» سألت روزان ضاحكة. ثم تابعت من تلقاء نفسها، إذ لم تكن بحاجة إلى من يفتح لها باب الحديث: «كلاين، أفترض أنّك تجني مالًا لا بأس به من نادي العرافة؟ فبما أنّك عرّاف حقيقي، فمقدرتك تفوق بكثير أولئك الذين يتّخذون العرافة مجرّد هواية.»

– كنّا سنظلّ زملاء طيبين لولا أنك ذكرتِ هذا… – سعل كلاين بخفّة وقال:

«على العرّاف أن يحترم القدر. ولا يمكننا استخدام العرافة لنطلب امتيازات غير طبيعية.»

سألته روزان بدهشة فضولية:

«هل أنت بصدد صياغة تعاليمك الخاصة لعرّاف؟»

أجاب بصراحة:

«نعم.»

بعد حوار قصير، ودّع كلاين روزان، ثم أخذ قبعته وسار نحو الحاجز.

طرق الباب المفتوح وهو ينظر إلى دان سميث الذي كان يحتسي قهوته:

«طَق، طَق، طَق.»

رفع دان رأسه وقال:

«تفضّل.»

وسرعان ما عدّل جلسته على الفور.

كان كلاين قد اختبر القائد خلال اليومين الماضيين، وتأكد من أنّ دان سميث لم يذكر «طريقة التمثيل» لأيٍّ كان وهو يجربها بنفسه؛ ما يعني أنّه هو الآخر يلتزم الحذر تجاه القيادات العليا في الكنيسة.

لذا أغلق الباب خلفه وجلس قبالة دان، وعلى وجهه ملامح جدية يسودها بعض الترقّب والحماس.

وقال:

«قائد، أعتقد أنّني أصبحت أسيطر بالكامل على جرعة العرّاف. أودّ تقديم طلبٍ خاصّ.»

التالي
153/819 18.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.