الفصل 286 : ابتسامةٌ متهكمة
في بُرج الساعة بأحواض إيست بالام، رَبض كلاين في غياهب الظلمة مرتدياً قناع مهرج، يرقب في سكونٍ مبيتَ عمال الأحواض، بينما كان منطادٌ يطفو في الأعالي.
لم يكن بوسعه رؤية تفاصيل المعركة، ولا سبيل لديه لمعرفة مجريات العملية داخل المبنى ذي الطوب الأحمر، فما كان أمامه سوى الصبر والاستدلال على الموقف عبر مراقبة التغيرات في الأرجاء، وتتبع تلك النقطة السوداء التي تمر بين الفينة والأخرى.
وفي تلك اللحظة، أبصر مصابيح الغاز في المنطقة بأسرها وهي تنطفئ؛ لقد انطفأت جميعاً، فخيم ظلامٌ دامسٌ على المكان!
وعلى الفور، انبعث من ذاك المبنى الصغير شعورٌ ترك في نفسه أثراً غائراً؛ فرغم المسافة البعيدة، لم يملك كلاين إلا أن يرتعد جسده بالكامل، وخانت القوة ساقيه فخارتا، وانحنى ظهره بوهن.
كان ذلك شعوراً بالدونية، شعوراً يقمع الروح ويحطمها، إحساساً يستحيل صده أو مواجهته!
تذكر كلاين حينها، وسط أفكاره الشاردة، ألا ينظر المرءُ إلى الرب مباشرةً، واستحضر ذاك الوقت الذي كان فيه في ردهة شركة الأمن “بلاكثورن”، حين همَّ بتفعيل رؤيته الروحية لسبر الحالة الذهنية لـ ميغوز والجنين القابع في رحمها.
كان الشعور هو ذاته تماماً، غير أنه الآن أشد وطأةً وأكثر ترويعاً!
كيف يكون هذا؟ ألم يُمنح لانيفوس سوى نزرٍ يسيرٍ من ألوهية المنشئ الحقيقي؟ أقصى ما يُمكن أن يُنال هو غرضٌ أو غرضان من الأغراض الموافقة لذلك! فلماذا يبدو الأمر وكأن إلهاً شريراً على وشك الهبوط؟
وقبل أن ينفض كلاين عن جسده غبار الارتجاف وعن أفكاره حالة الخدر، شعر فجأة بظلامٍ سكينٍ، عميقٍ وسرمدي، يبتلع ذاك الشعور الذي لا يُمكن النظر إليه أو سبره أو مقاومته.
تلاشى الإحساسان معاً في اللحظة ذاتها، لتعود مصابيح الغاز في المنطقة المحيطة للإضاءة من جديد، ويسترد المنطاد، الذي كاد يهوي، قدرته على الطفو.
بدا كل شيء وكأنه عاد إلى سابق عهده دون أدنى تغيير، بيد أن كلاين لم يصدق أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد. استجمع قواه ونهض واقفاً، موقناً أن أمراً جللاً قد وقع داخل المبنى ذي الطوب الأحمر. إن ذاك الشعور الذي يجاوز حدود المتجاوزين قد اضمحل من أساسه، كما تلاشى نذير هبوط الحاكم الشرير، وهذا يعني أن مكيدة المنشئ الحقيقي أو لانيفوس قد باءت بالفشل.
ومع ذلك، فلا بد أن صقور الليل قد نالوا نصيبهم من الضربات القاسية، ولعل مجهودهم قد نضب.
في تلك اللحظة، اختلج قلب كلاين، فأخرج على عجل البندول الروحي من داخل كُمِّه الأيسر، وقبض عليه بيدٍ واحدة وهو يتمتم بصوت خفيض:
«لانيفوس لم يعد يشكل خطراً في الوقت الراهن».
وبعد أن كرر العبارة سبع مراتٍ سراعاً، فتح عينيه ليرى تدلي العقيق اليماني وهو يدور عكس عقارب الساعة، غير أن تواتره لم يكن سريعاً، ولا مداه واسعاً.
دلَّ ذلك على أن لانيفوس لا يزال رجلاً خطيراً، ولكن بدرجةٍ أقل. وما لفت انتباه كلاين كان أمراً آخر؛ إن التنبؤ لم يفشل هذه المرة! وهذا يعني أن لانيفوس قد انفصل عن الألوهية التي مَنحها إياه المنشئ الحقيقي!
هبت ريحٌ باردة تغلغلت في أعماق عظام كلاين فجعلته يرتجف، وشعر وكأن تياراً كهربائياً قد نفذ إلى دماغه من أخمص قدميه في لمحة بصر.
لعله يستطيع فعل شيءٍ ما! خطرت له هذه الفكرة فما عاد يتردد، وخطا أربع خطواتٍ عكس عقارب الساعة في برج الساعة المظلم وصعد فوق الضباب الرمادي.
ودون إضاعةٍ للوقت، جلس واستحضر قطعة من رق الغنم البني المصفر، وكتب عليها عبارة التنبؤ:
«مسار هروب لانيفوس».
اتكأ كلاين بظهره، وردد العبارة سريعاً، ليدخل في حلمٍ عميق. وفي ذاك العالم الضبابي المنفصل والواهم، أبصر مجارِيَ تغصُّ بالوحل، بأنفاقها المظلمة القذرة وأنابيبها المعدنية الصدئة؛ كان المكان ضيقاً وموصد الأرجاء. إنها المجاري!
استفاق كلاين على الفور، وغلف جسده بالروحانية، وهبط من فوق الضباب الرمادي. وبمجرد عودته إلى العالم الحقيقي، تراجع بضع خطوات ووصل إلى جانب برج الساعة المتواري عن أنظار المنطاد.
لم ينزل كلاين عبر الدرج الحلزوني، بل قفز فوق السياج الأصفر الداكن، ومعتمداً على الشرفات والنتوءات والزخارف الموجودة على سطح المبنى، قفز طبقةً تلو أخرى، وكان توازنه بليغاً وكأنه يسير على أرضٍ مستوية. وفي وقتٍ وجيزٍ للغاية، وطئت قدماه البلاط الحجري السميك في الشارع.
داخل المبنى الصغير ذي الطوب الأحمر، كان اثنان من صقور الليل الذين يرتدون القفازات الحمراء قد سقطا عند الباب مغشياً عليهما.
تدحرجت المرآة القديمة المطلية بالفضة إلى أحد الأركان، لكنها فقدت صفتها الخاصة، فما عادت تبدو كغرضٍ مختومٍ من الرتبة الأولى، وإن كان بوسع المرء أن يشعر بأنها تسترد قواها شيئاً فشيئاً.
كان كريستيت سيسيمير جاثياً عند مفترق طرق، وقد انحدرت من زوايا عينيه خيوطٌ من دمٍ يشبه الدموع.
تدلى شعره القصير الذهبي البني بوهن، وتمزقت ياقات سترة الريح وقميصه، فتبدت ذقنه الحادة وفمه النحيف المتصلب. وبينما كان يلهث طلباً للهواء، ظهر وجهٌ مشوه، شبه طيفي وشبه شفاف، على كل سنٍ من أسنانه.
أسنَد سيسيمير نفسه بيده اليسرى ذات القفاز الأحمر على الأرض، وبصعوبةٍ بالغة، استقام عنقه ونظر إلى الأمام مباشرةً.
كان في مواجهته درج الطابق الثاني، وفوقه وقف لانيفوس الذي فُكَّت أزرار قميصه الكتاني بالكامل. وقف لانيفوس مستوياً تماماً، وقد غُرس في صدره سيفُ عظمٍ ناصع البياض وأملس. لم يعد اللحم العاري يشكل هيئة الرجل المشنوق، بل ترك خلفه فجوةً خاوية، حتى لَيُمكن للمرء أن يلمح ظهره من خلال الثقب الموجود في جسده.
تحرك لانيفوس بصعوبةٍ شديدة قبل أن يقهقه عالياً فجأة، وقال بضحكةٍ جنونية:
«ها ها، ها ها، شكراً لكم! حقاً يجب أن أشكركم! أنا جاد، انظروا إلى عينيَّ الصادقتين، إنني أريد شكركم حقاً! لو لم تكتشفوا أمري وتصلوا في الوقت المناسب، لغدوتُ يقيناً وعاءً للخالق الحقيقي حين يهبطُ “هو” بعد بضعة أشهر. وعندما يحدث ذلك، ما الفرق الذي سيكون بينه وبين الموت؟».
ذُهل سيسيمير عند سماع ذلك، وأبى أن يصدق أن الشخص الذي بَذل جهوداً مضنية لتحطيم ركيزته سيكون بهذا القدر من السعادة. في تلك اللحظة، تمنى لو يستطيع الوقوف، لكنه لم يقو على ذلك، وكان عاجزاً عن المقاومة.
ولما رأى لانيفوس حيرته، سعل وقال بابتسامة:
«أتعلم؟ بالنسبة لأناسٍ مثلي، فإن أبشع ما قد يقع هو ألا أجد أحداً أشاركه إنجازاً عظيماً أفخر به. سُحقاً، حين كنت في مدينة تينغن، خدعني المنشئ الحقيقي الذي لم يكتفِ ببدء هبوط سلالته، بل غرس في جسدي “فسيلةً” سراً. لا، بل إنني أؤمن أن طفل ميغوز لم يكن سوى خديعةٍ منه؛ فلم يسعَ حتى لجعل أعضاء نظام أورورا يحمونها لتشتيت الانتباه، وكأنه كان يعلم منذ البداية أن المكيدة ستنتهي بالفشل».
«لقد أُعدَّ هبوطُه الحقيقي داخلي. إن الألوهية التي مَنحها لي اتحدت فجأة مع “الفسيلة” في جسدي بعد وصولي إلى باكلاند. ها ها، أتتخيل ذلك؟ لقد كنتُ أُستبدلُ شيئاً فشيئاً بـ “به”! وفي النهاية، كنت سأتحولُ أنا إلى المنشئ الحقيقي. وقبل أن أجد حلاً، عثر عليَّ أعضاء نظام أورورا من خلال تلك الألوهية. ولحسن الحظ، كلهم ممسوسون بعقولٍ بسيطة. ها ها، الحمقى كثرٌ دوماً».
سعل لانيفوس وبصق ملء فمه دماً فاسداً، وبدا أنه يستعيد شيئاً من قدرته على الحركة. خطا خطوةً صعبةً نَحوَ الأمام، وفجأةً لانت ملامح وجهه الحادة لسببٍ غير معلوم، فبدأ يشبه حقيقته الأصلية. أمسك لانيفوس بمقبض الدرج وضحك بتهكم:
«يا لَلسخرية، لو أراد المنشئ الحقيقي الهبوط الكامل واستبدالي تماماً، لكان سيحتاج إلى مقادير هائلة من التشاؤم واليأس والتبلد والضغينة والشر البدائي. وحده حي الشرق في باكلاند، بمنطقة المصانع والأحواض، كان كفيلاً بتلبية متطلباته، وهذا ما مَنحني فرصةً للتواصل مع الآخرين. علمتُ حينها أنه ليس من الواقعي إبلاغ الشرطة ببساطة عبر من أتواصل معهم، لأنهم قد يكونون أعضاءً في نظام أورورا».
«أردتُ في البداية التحريض على إضرابٍ لكي تلاحظني الشرطة، لكنني تلقيتُ تحذيراً من أحد أعضاء نظام أورورا، وبعد تعرضي للتعذيب، لم أملك سوى إنهاء الأمر على عجل. تظاهرتُ وكأني على شفا فقدان السيطرة، فَنِلتُ فرصة التوجه إلى المجاري للتنفيس. وخلال ذلك، استخدمتُ دمي سراً لتلويث المخلوقات التي تعيش هناك، محولاً إياها إلى وحوشٍ طافرةٍ مروعة. وللأسف، قبل أن تتمكنوا من التحقيق في السبب، اكتشف نظام أورورا الأمر، ويبدو أن أحداً منهم لَقِيَ حتفه تحت براثن وحشٍ طافر. آه، والآن بعد أن فقدتُ الألوهية والفسيلة، لم يعد لدمي مثل هذا الأثر».
«بعد ذلك، فُرضت عليَّ رقابةٌ أشد، لكني وجدتُ فرصةً أخرى؛ قتلتُ بائعة هوى واستخدمتُ أقسى الطرق لجذب انتباه الشرطة، ولكن مَن كان يظن أن رجال نظام أورورا سيخفون القضية بجعلها تبدو كجزءٍ من سلسلة جرائم قتلٍ متسلسلة؟ فشلتُ مجدداً في نيل الإنقاذ الذي أحتاجه. ولم يبقَ أمامي سوى استخدام وسيلةٍ أكثر براعة؛ بادرتُ بطلب أن يراقبني العضو الأشرس والأجنّ والأكثر تطرفاً في نظام أورورا، وهذا وافق هواهم. هه، ألا يملكون عقولاً؟ فمثلُ هذا المعتوه سيقعُ في المشاكل في أية لحظة. وكما توقعت، جئتم أنتم!».
زفر لانيفوس وبدأ في تحريك جسده، وكأنه قد تخلص أخيراً من الآثار المتبقية. انتزع سيف العظم المقدس من صدره وقال بأسف:
«يا لَلخسارة، لا يمكنني أخذه معي؛ وإلا فستتبعون أثري وتجدونني سريعاً».
وبعد انفصال سيف العظم ناصع البياض عن جسده تماماً، لم تخرج قطرة دمٍ واحدة من الجرح المبالغ فيه، وبدا أن الجزء الذي اختفى لم يكن ينتمي إلى لانيفوس أصلاً. وضع لانيفوس يده اليمنى على صدره، وانحنى مواجهاً كريستيت سيسيمير ورفاقه:
«أولئك الذين في المنطاد بالخارج لا بد أنهم يتماثلون للشفاء قريباً، ولا يسعني البقاء أكثر. شكراً لكم، شكراً جزيلاً. رغم أنكم كنتم جميعاً في غاية الغباء، إلا أنكم في النهاية ساعدتموني. إنه لشرفٌ لأوغادٍ حمقى مثلكم».
وبقوله هذا، استقام جسده وابتسم بتهكم:
«وداعاً، أيها الحمقى من صقور الليل. استعملوا حياتكم لتوديعي».
قبض على سيف العظم في يده، وخطا بضع خطواتٍ سريعة، محاولاً طعن كريستيت سيسيمير، بيد أنه في تلك اللحظة، بدأت جفونه تزداد ثقلاً، وشعر وكأنه يهوي في سباتٍ عميق.
تمتم لانيفوس وهو يَعضُّ لسانه برفق: «لا تزال تملك بعض القوة إذن، هذا مزعج…». وقذف فجأة بسيف العظم المقدس نَحوَ صقر الليل المغشي عليه عند الباب.
صاح سيسيمير: «كلا!».
ولَوَّح بيده بالقوة التي استجمعها بمشقةٍ بالغة، مما جعل كياناً غير مرئي يُحيد مسار السيف المقدس. انتهز لانيفوس تلك الفرصة واندفع جانباً، وقفز خارجاً من المبنى ذي الطوب الأحمر عبر نافذة الحمام في نهاية الممر.
وبعد برهةٍ وجيزة، فتح غطاء بالوعةٍ في الشوارع وتسلل سريعاً إلى المجاري. بدا لانيفوس خبيراً بهذا المكان؛ فرغم الظلام، استطاع الركض والقفز والالتفاف، هارباً في أعماق دهاليز المجاري. وفجأة، توقف بغريزته وانحنى لظهره.
استقرَّت ورقةُ لعبٍ في عمق صدره الأيمن، وبدأ الدم ينزف بغزارةٍ من حوافها. رفع لانيفوس بَصره، وبقدرته على الرؤية في الظلام، أبصر مُهاجمه. كان رجلاً متوسط الطول يرتدي زيَّ عامل، ويضع قناعاً بَفمٍ مفترٍّ عن ابتسامةٍ وأنفٍ أحمر.
لقد كان مهرجاً سعيداً.

تعليقات الفصل