الفصل 316 : لا تُقدم عرضاً دون إعداد
لقد حَدَّد ثمنه بحق… عند سماع طلب مصاص الدماء، انتاب كلاين شعور مزيج من الحنق والتسلية.
رَمق الأب أوترافسكي الواقف أمامه بنظرة، وسأله إن كان بوسعه استعارة شمعته، تلك التي استخدمها في المرة الماضية، معترفاً بأنه نسي اسمها.
وقبل أن يجيبه الأب أوترافسكي ، انطلق صوت مصاص الدماء من القبو مذهولاً، متسائلاً عما ينوي فعله.
في تلك اللحظة، أجاب الأب أوترافسكي بلهجة وادعة بأنها تُسمى «شمعة الذعر الذهني»، مستفسراً عن الغرض من استعارتها.
لقد كنت متعاوناً جداً يا أبتِ، بل إنك علمت كيف تسأل أيضاً.. التوت زوايا فم كلاين بابتسامة خفية.
أنوي استخدامها لاستجواب أعمق ما في قلب هذا الصديق، فأنا كما تعلم أملك موهبة في هذا المضمار، وأجيد مثل هذه الشؤون.. هكذا فكر كلاين.
وقبل أن يُتم جُملته، صرخ مصاص الدماء من القبو آمراً إياه بالكف عن تفكيره هذا، محذراً من أن لعنةً ستحل به إن فعل ذلك بسليلٍ من نبلاء العرق الدموي. ثم تراجع بسرعة مهتزاً وصاح بأنه سيتحدث، وسيكشف عن أصل «المفتاح السيد».
قهقه كلاين بخفوت وشكره على تعاونه.
أجاب مصاص الدماء بتذمر حانق، واصفاً صديق ذلك العجوز القذر بأنه يقيناً ليس رجلاً طيباً. وتساءل بمرارة كيف انتهى به المطاف، وهو سليل العرق الدموي الذي لم يفعل سوى التسلل للمشفى لسرقة زجاجات الدم، حبيساً في هذا المكان، مُجبرًا على سماع ترانيم «إنجيل الحياة» الذي يطن في أذنيه كالذباب.
في الحقيقة، لو كنتَ حقاً كما تدعي واصطدمتَ بي، لأكتفيتُ بمنحك تحذيراً لا غير. لكن سوء حظك أوقعك في هذه الكاتدرائية، وقادك في طريق كاهنٍ كان فيما مضى يستبيح الدماء ويستلذ بالقتال، قبل أن يغدو عابداً تائباً. لا يمكنك لوم سوء حظك إلا لأن الأب أوترافسكي، مع تعافيه، لن يؤذيك، بل سيُبقيك إلى جانبه على أقصى تقدير.. هكذا حدث كلاين نفسه في صمت.
صمت مصاص الدماء في القبو لثوانٍ ثم قال إنه قبل شهر تقريباً، ذهب لمشفى حي الجنوب لسرقة الدم فصادف لصاً. كان اللص ينوي دخول القسم المالي بالمشفى لكنه ضل طريقه، وفتح باب بنك الدم لينتهي به الأمر بين يدي مصاص الدماء. كان يستخدم ذلك «المفتاح السيد»، وأخبره أنه عثر عليه حين سطا على منزل معين، ونال معه ساعة جيب مرصعة بالألماس كانت في القبو.
في البداية، ظن اللص أن المفتاح يخص غرفة أو خزنة معينة، وبعد محاولات عدة، وجد أن المفتاح يفتح كل الأبواب، وهو ما مَثل مفاجأة لا تُصدق للص. وبعد نجاحات متلاحقة، قبض عليه مصاص الدماء وصادر مفتاحه. وأنهى حديثه لاعناً المفتاح الذي لم يتوقع أنه يتسبب في ضلال الطريق.
هذا يطابق المشهد الذي رأيته في تنبؤي.. ومع ذلك، هل ثمة لعنة على المفتاح السيد؟ المالك السابق اعتُقل لأنه ضل طريقه، والمالك الذي قبله قُبض عليه متلبساً لأنه ضل طريقه أيضاً.. ربما عليَّ حقاً إلقاؤه في الفضاء فوق الضباب الرمادي وإخراجه عند الحاجة فقط، لكن ذلك سيكون عسيراً وقد يتسبب في تأخير بعض الشؤون.. كبح كلاين تعابير وجهه وسأل بتمهل عما إذا كان اللص قد ذكر أين سرقه.
تمتم مصاص الدماء متسائلاً إن كان كلاين يشك في ذكائه، مؤكداً أنه سأله عن ذلك. وأخبره أن المكان يقع في المنطقة جنوب الجسر، جادة ريفرباي رقم 48. وزعم أنه كان يخطط لتفقد المكان حين قبض عليه الأب أوترافسكي، منهياً إجابته بطلب ألا يزعجه أحد بعد الآن.
لم يرحل كلاين لمجرد نيله الإجابة، بل أخرج ببطء عملة نحاسية من فئة نصف بنس، وتمتم بخفوت متسائلاً إن كان يكذب.
وبعد تكرار العبارة سبع مرات، أظلمت عينا كلاين وقذف العملة في الهواء، مراقباً دورانها قبل أن تستقر في كف يده. كانت الصورة للأعلى، مما يشير إلى إجابة إيجابية.
بعبارة أخرى، كان مصاص الدماء يكذب!
وصف اللص يتوافق تماماً مع ما رأيته في تنبؤي، فهما يؤكدان بعضهما البعض.. لا بد أن مصاص الدماء كذب بخصوص العنوان الدقيق! نظر كلاين إلى الأب يوترافسكي وقال بضحكة خافتة إنه يكذب.
وطفق كلاين يفكر في سبب كذبه. رأى أنه سيكون من الرعونة أن يفرغ غضبه وينتقم منه وهو غير ضالع في الأمر، كما أن ذلك سيضر بموقفه. لذا استنتج أنه يستخدم هذه الطريقة لطلب العون؛ فذاك العنوان قد يخص أحد رفاقه. وتساءل إن كان الأب ينوي زيارة المكان.
ساد الصمت القبو بغتة. وبعد ثوانٍ، ضحك مصاص الدماء متسائلاً إن كان من الطبيعي أن يكذب لينتقم من كلاين الذي هدده للتو، مدعياً أنه لم يرد إخباره بتلك السهولة.
أستطيع سماع مدى القوة التي تبذلها لتحافظ على هدوئك.. ابتسم كلاين وتساءل عن الإجابة الحقيقية، مهدداً بإرسال العنوان للكنائس الثلاث والادعاء بصلته بجرائم القتل المتسلسلة إن استمر في الكذب.
تنهد مصاص الدماء وهو يصر على أسنانه واصفاً البشر بالخساسة، ثم قال إن المكان يقع جنوب الجسر، شارع فيردي رقم 32.
قذف كلاين العملة مرة أخرى، وجاءت النتيجة بأن مصاص الدماء لا يكذب هذه المرة.
يبدو أن مصاصي الدماء لا يملكون القدرة على التدخل في التنبؤ.. همم، عليَّ التأكد من ذلك فوق الضباب الرمادي عند عودتي.. وضع كلاين يده على صدره، وواجه الباب الحجري الثقيل وانحنى.
«شكراً لك على تعاونك».
أجاب مصاص الدماء من القبو بحدة: «هِمف!».
وبينما استدار كلاين ليرحل، صرخ مصاص الدماء فجأة طالباً منه أن يتذكر أن اسمه هو إيملين وايت.
تساءل كلاين لِمَ عليه تذكر اسمه، فهو لا ينوي إنقاذه. فمن غير إعداد، ودون ميزة الأرض، لن يكون نداً للأب أوترافسكي، كما أن الأخير يملك غرضاً غامضاً لنقل الدم.. همم، أيمكن أن رفاق هذا المصاص سيعرضون مكافأة، وهو يرجو مني بيع هذه المعلومة؟ اعتارت كلاين دهشة عابرة قبل أن يخرج من كنيسة الحصاد دون نطق كلمة.
بعد العثور على مكان منعزل، فك البندول الروحي الملفوف حول معصمه الأيسر وشرع يتنبأ عما إذا كان عليه زيارة شارع فيردي رقم 32 في تلك اللحظة. وجاءه الجواب بوجود بعض الخطر، لكنه لم يكن كبيراً.
ثمة خطر معين.. أين يكمن الخطر؟ وما نوعه؟ حلل كلاين الموقف بعناية، شاعراً بالريبة في أن التلميذ الذي مات جراء فقدان السيطرة قد تحول إلى وحش طيفي بسبب ضغينته الشديدة، ولعله وحش قوي نسبياً.
لكن هذا ليس صواباً؛ فذاك اللص خرج يقيناً بالمفتاح السيد دون مواجهة أية مشكلة. أيمكن أن يكون الخطر في موقع سري آخر داخل المنزل؟ فكر كلاين وقرر أن الأفضل هو الذهاب فقط عندما يكون مستعداً بما يكفي، ليتجنب الوقوع في مواجهة عدوٍ يعجز عن التعامل معه بقواه الحالية.
على أقل تقدير، عليَّ الانتظار حتى أبتاع رصاصات قادرة على تطهير أطياف الأشباح.. أومأ برأسه قليلاً.
وبعد هذا التفكير، وبدمجه مع معركته السابقة مع الأب أوترافسكي الذي كان من رتبة فارس الفجر، شعر كلاين فجأة أنه يستطيع استنتاج القاعدة الأولى للساحر: «لا تقدم عرضاً أبداً دون إعداد!»
وإلا فثمة احتمال كبير لوقوع خطأ ما.. أضاف كلاين في سره.
صباح الثلاثاء، بعد إعداد الزبدة وتحميص شريحتين من الخبز، لم يعجل كلاين بالأكل. فتح الباب واسترد صحيفة اليوم من صندوق البريد.
لمح رسالة داخل الصحيفة، فسحبها ونظر إلى المظروف وهو يعود إلى غرفة الطعام.
إنها من ستيوارت.. يبدو أنه أتم تحرياته الأولية. أومأ كلاين برأسه قليلاً، وفتح المظروف، وهز الورقة، ثم جلس إلى طاولة الطعام يقرؤها.
زعم ستيوارت أن المشتبه بهما لم يظهرا أي علامة على سلوك شاذ؛ فأحدهما انغمس في متجر البقالة يحمي زوجته وأطفاله ويعيش حياةً خاوية، بينما كان الآخر مشغولاً بوظائف مؤقتة شتى ويكدح للحفاظ على حياته. لم يكونا نزقين، ولم تكن لديهما رغبة في القتال، كما لم يغلقا على نفسيهما في غرفة.
وفي ختام الرسالة، تذمر ستيوارت من الحالة المزرية في حي الشرق، وأقسم على ادخار ما يكفي من المال ليتجنب الانحدار للسكن هناك عند كبره.
لقد رددتُ على الرسالة بإيجاز حين رأيت أن ستيوارت لم يُكشف أمره، شاكراً إياه ومؤكداً أني سأشاركه ما أصل إليه إن ظهرت خيوط أخرى. لم يكن كلاين يرغب في أن يتعمق ستيوارت في القضية، وإلا فقد يستشعر الشيطان الخطر ويقضي على أي تهديد كـامن مسبقاً.
وضع كلاين ريشته وورقته جانباً، والتقط قطعة من الخبز المدهون بالزبدة وقضى إفطاره بتمهل مع كوب من الشاي الأسود والصحيفة.
وخلال ذلك، شعر بشيء من الندم لعدم وجود إشارة إلى قرب انعقاد تجمع المتجاوزين الذي ينظمه السيد العجوز عين الحكمة.
تنهد كلاين محدثاً نفسه بأن وجود هذا الشيطان قد أثر بجدية على حياة المتجاوزين في باكلاند. ورجا أن يلاحظ السيد إيزنغارد ستانتون تلميحه ويصل لنتائج مثمرة؛ فهو يقيناً يجب أن يكون متجاوزاً «مُعترفاً به» من قِبَل السلطات.. وضع كلاين الصحيفة جانباً والتقط منديلاً ليمسح فمه قبل أن يحزم أمره للرحيل.
كانت خطته لليوم قد أُبرمت منذ الأسبوع الماضي. سيزور المتحف الملكي لحضور معرض روزيل التذكاري!
…
في حي الإمبراطورة، في الفيلا الفاخرة للكونت هول.
كانت أودري ترتدي فستاناً رقيقاً من الدانتيل وتتوشح برداء من الفراء ناصع البياض، منتظرة خادمتها الشخصية، آن، لتساعدها في ارتداء قبعة ناعمة مزينة باللآلئ وبرقع رقيق من الشبك.
وبجوارها، جلست سوزي وقد رُبطت عقدة حول عنقها.
سألها الكونت هول وهو يهبط الدرج، ممرراً يده على شاربه الدقيق: «أميرتي الصغيرة الجميلة، إلى أين تنوين الذهاب؟».
أجابت أودري بعينين تلمعان: «أبي، أنوي حضور معرض روزيل التذكاري».
يمكنني إلقاء نظرة على المذكرات الأصلية للإمبراطور روزيل، وإيجاد فرصة للحصول على بعضها من أجل السيد الأحمق.. هكذا أضافت في سرها.
تمتم الكونت هول متسائلاً لِمَ تذهب اليوم، محذراً من الزحام والفوضى التي ستعم المكان. ثم أردف بأنه سيطلب من أحدهم التنسيق مع كنيسة حاكم البخار والآلات؛ فبعد انتهاء المعرض الرسمي، سيفتحون الأبواب خصيصاً لها ولأصدقائها لنصف يوم، ليتسنى لها التجول بهدوء ودون إزعاج. وأكد أنها إن رغبت في معاينة أي شيء عن كثب، فيمكنها مناقشة ذلك معهم مباشرة.
رفعت أودري طرف فستانها وانحنت برقة قائلة:
«في هذه الحالة، يبدو الأمر أفضل بكثير. يمكنني تصفح المذكرات في هذا المعرض مباشرة.. شكراً لك، أيها الكونت هول الوسيم~»

تعليقات الفصل