الفصل 317 : معرض روزيل التذكاري
حي الغرب، جادة الملك رقم (2)، المتحف الملكي.
على الرغم من أنه لم يكن يوم عطلة، فقد امتد صف طويل عند الباب حين وصل كلاين. ووفقاً لما طالعه في الصحف والمجلات، كان يعلم أن خيارات الترفيه المتاحة للطبقة الوسطى في هذا العالم محدودة؛ فخلافاً لقراءة الصحف والروايات، والاستماع إلى الأوبرا، وممارسة التنس والسكواش، وحضور المسرحيات والمآدب، لم يكن أمامهم سوى ثلاثة خيارات: التنزه في المتنزهات، أو زيارة المعارض، أو الذهاب في عطلات. وبفضل تأثير الإمبراطور روزيل، غدت العطلات السنوية ظاهرة شائعة بالفعل.
في تمام التاسعة، دخل كلاين المتحف متبعاً مَن سبقه، مرتديًا قبعته الحريرية العالية، وممسكاً عصاه السوداء، ومتوشحاً معطفاً طويلاً بصفين من الأزرار. انقسم الزوار هنا، حيث قاد مرشدون مختلفون مجموعاتهم عبر ممرات متباينة.
تبع كلاين ونحو عشرين شخصاً آخرين امرأةً حسناء، وراحوا ينصتون لشرحها عن حياة روزيل. لم يكن لهذا أي قيمة بالنسبة لكلاين، الذي يُعد نصف مؤرخ، لذا غلبه السأم حتى طفق يتفقد موضع محفظته
وبما أن ثروته قد قفزت إلى تسعمائة واثنين وخمسين باونداً (جنيهًا)، وصار على بُعد خطوة واحدة من الألف، لم تعد محفظته تتسع لكل ذلك النقد، فكان يحمل معه جزءاً منه فحسب.
أما البقية، فلم يجد طمأنينة في تركها بالمنزل دون حماية، فألقى بها جميعاً في الفضاء فوق الضباب الرمادي.
وبينما هم يسيرون، دخلوا قاعة العرض الأولى. قالت المرشدة بحماس: «سيداتي وسادتي، هذه هي المقتنيات اليومية للإمبراطور روزيل. انظروا، ذاك لحافه المخملي، وتلك هي الأواني الزجاجية الذهبية التي كان يحتسي فيها خمره. وذاك هو المِرحاض الذي كان يستخدمه؛ أول مِرحاض بالمعنى الحديث».
حتى المِرحاض الذي استخدمه يُعرض هنا؟ شعر كلاين بشيء من الشفقة تجاه روزيل فجأة. ثم نظر إلى المِرحاض المزود بنظام شطف خلف الجدار الزجاجي، فرآه يتلألأ بوهج ذهبي، ويبدو أن طبقة من رقائق الذهب تغطي سطحه، وقد نُقشت عليه أنماط فنية مبالغ فيها.
يا لَفداحة البذخ.. هكذا تلاشت شفقة كلاين تجاه روزيل في لمحة بصر.
كانت ثياب روزيل اليومية تفصلها عن المِرحاض طبقة زجاجية فحسب، بما في ذلك أكمام القمصان، والقمصان ذات الياقات المزركشة، وغيرها. وبدا واضحاً أن المرشدة معجبة للغاية بثقافة الملبس في إنتيس.
وبعد قاعة المقتنيات اليومية، جاء عرض للنسخ الأصلية من الوثائق الهامة التي أصدرها روزيل، بما في ذلك القانون المدني وآثار تاريخية أخرى بالغة القيمة. وفي تلك اللحظة، أشارت المرشدة إلى خزانة عرض وقالت: «هذه إحدى المذكرات التي خلفها الإمبراطور روزيل، وقد استخدم فيها رموزاً غامضة من ابتكاره لم يتم فك شفرتها حتى يومنا هذا. يعتقد الكثير من المؤرخين وعلماء الآثار أن هذه الملحوظات تحتوي على أسرار الإمبراطور روزيل الأقل شهرة. وبصفتي امرأة رومانسية، لدي تخميناتي الخاصة؛ فربما كانت هذه رموزاً اتفق عليها مع أكثر امرأة أحبها، فكان يكتب عنها، لكنهما لم يستطيعا يقيناً أن يجتمعا أبداً».
تصلحين لكتابة الروايات.. هكذا فكر كلاين بينما اختلج طرف فمه. ثم اتجهت عيناه إلى المفكرة المفتوحة في خزانة العرض، ورأى عليها تلك اللغة الصينية المبسطة التي يألفها تماماً.
«السادس من مارس. سُحقاً، كدت أُصاب بالإمساك من طعام هذا المكان!»
«السابع عشر من مارس. أهكذا هنَّ سيدات إنتيس منفتحات؟ أأنا من غازلها أم هي من غازلتني؟ أجد الأمر غريباً فحسب».
«الثاني والعشرون من مارس. آن أوان اختيار الدين. فمن جهة ثمة كنيسة الشمس المتوهجة الأبدية، ومن جهة أخرى كنيسة الحرف اليدوية. خياري لا ريب فيه؛ المجد لك يا حاكم كل الآلات! يوماً ما، سأجعل كنيسة الحرف اليدوية تغير اسمها إلى كنيسة الآلات».
إنها حقاً رومانسية للغاية.. إمساكٌ رومانسي.. لا بد أن هذه تدوينة كتبها الإمبراطور روزيل في أيامه الأولى، وهي تخلو من أي معلومات قيمة.. بل إن خطه أقبح من خطي.. هكذا أشاح كلاين بنظره متمتماً. وبالطبع، لم يرَ سوى الصفحتين المفتوحتين، ولم يدرِ ما الذي تخفيه بقية الصفحات.
تساءل كلاين عن التدابير الأمنية هنا، وما إذا كانت ثمة فرصة للتسلل وتقليب الصفحات. نظر حوله فرأى عدداً لا بأس به من رجال الأمن. لعله يوجد متجاوزون من كنيسة حاكم البخار والآلات، هكذا حدث نفسه وهو يتبع المرشدة ويندمج مع الحشد، ليدخل قاعة العرض التالية التي سُميت «روزيل الرقيق».
«هذه هي رسالة الحب الأولى للإمبراطور روزيل، وهذه أول قصيدة حب صاغها؛ “عندما تشيخين”». كانت المرشدة تنظر إلى المخطوطة في خزانة العرض بعينين تلمعان.
يا لَلخساسة! إن تابوت ييتس لم يعد بالإمكان إيصاده! لم يملك كلاين إلا أن يسخر في سره.
استمرت المرشدة في الشرح بنبرة ملؤها الإعجاب: «هذا سوار صنعه بيده، وهذه هي المخطوطة الأصلية لروايته…». حاول كلاين جاهداً ألا تتغير تعابير وجهه، لكنه آمن يقيناً بأن الإمبراطور روزيل، الذي كان «حِرفياً» في تسلسله المتجاوز، كان بارعاً يقيناً في مهاراته اليدوية.
قالت المرشدة بنبرة وادعة: «هذا هو كتاب التعليم الأساسي الذي حَسَّنه لتعليم أطفاله، فجعل لكل كلمة صورة مقابلة.. وكانت تلك لعبة ابتكرها لأطفاله، تشبه شطرنج إنتيس، لكنها لسبب ما لم تشع.. وهذه هي قطع البناء التي اخترعها؛ كانت أيضاً لأطفاله…».
أليس هذا هو الشطرنج الصيني اللعين.. وعلاوة على ذلك، فإن شركة “ليغو” تريد تحصيل رسوم الترخيص منك! لم يجد كلاين بُداً من الابتسام ليخفي مشاعره الأخرى. وبنظرة واحدة، رصد امرأة فارعة الطول، يتجاوز طولها المتر والسبعين سنتيمتراً، واقفةً أمام خزانة العرض هذه. كان للمرأة شعر كستنائي يتدلى حتى خصرها، وقوام متناسق ببراعة؛ لم تكن نحيفة ولا ممتلئة. كانت ترتدي فستاناً من الدانتيل يمنحها هالة الفتيات اليافعات، لكنها كانت ترتدي قبعة سوداء قديمة الطراز، ويتدلى منها برقع من الشبك يحجب وجهها. وقفت أمام خزانة العرض وأطالت النظر في المقتنيات دون أن تبرح مكانها، حتى عندما تبع كلاين والآخرون المرشدة إلى القاعة التالية، ظلت هي في مكانها وكأنها غُرست هناك.
بعد المرور بعدة قاعات أخرى، أشارت المرشدة نَحوَ الأمام وقالت: «ما سترونه الآن هو إعادة تجسيد لمكتب الإمبراطور روزيل. بالطبع، هو جزء منه فحسب». وبينما هي تتحدث، دخل كلاين والآخرون القاعة فتبدت أمامهم مساحة واسعة. كانت تشبه المكتبة إلى حد كبير، بصفوف من الرفوف بارتفاع طابقين، وتستند إليها سلالم، وبينهما ممرات تؤدي إلى فضاء ثلاثي الأبعاد من الكتب.
رسمت المرشدة صورة حية قائلة: «يمكنكم تخيل كيف كان صاحب هذا المكان يصعد السلم ويهبط بحثاً عن الكتاب الذي يبتغي قراءته…». عارضها كلاين في سره، موقناً أن روزيل كان سيرسل خدمه يقيناً للبحث عن الكتاب، ولن يفعل ذلك بنفسه.
وفي منتصف صفوف الرفوف، كانت هناك مكاتب وكراسٍ ومنارات نحاسية وما شابه، وكلها محمية تحت أغطية زجاجية تحجبها عن العالم الخارجي. وبنظرة واحدة، وجد كلاين كومة من المخطوطات التي غلب عليها اللون الأصفر. لم تكن المخطوطات منشورة، فكان بالإمكان رؤية محتوى الصفحة الأولى فحسب.
لقد كان رسماً لغرض مستطيل الشكل مع وصف دقيق: «هذا تطبيق محمول ومصغر للتلغراف. من خلاله، يمكن للمرء الاتصال بالشخص الذي يحمل الغرض نفسه وتلقي المعلومات وتبادلها، بل ويمكن التحدث معهم مباشرة. يتطلب هذا تحديداً أفضل للمواقع، وأظن أننا يمكننا بجرأة توجيه أنظارنا نَحوَ السماء؛ فلا توجد عوائق في السماء، مما سيسمح بإرسال الإشارات بشكل أفضل».
أيها الإمبراطور، لم تترك حتى الهاتف المحمول في حاله.. لم يملك كلاين إلا أن يضع كفه على وجهه. وفي تلك اللحظة، قدمت المرشدة كومة المخطوطات قائلة إنها تسجل أفكار الإمبراطور روزيل الرائعة، واختراعاته التي لم يسعفه الوقت لتحويلها إلى واقع، وتسجل أمجاد ما تملكه حضارتنا البشرية من قدرات!
لم يلتفت كلاين لهذا الثناء، بل طفق يتفحص الأشياء الأخرى بتمهل. وفجأة، لاحظ علامة كتاب (فاصل) في كتاب مجلد على المكتب. كان الجزء البارز من العلامة يظهر رسماً يبدو وكأنه من تخطيط طفل بشكل عشوائي.
الإمبراطور روزيل ليس بارعاً في الرسم.. وبينما كان كلاين يسخر في سره، تذكر شيئاً؛ لقد موّه روزيل ذات مرة «ورقة تجديف» على هيئة علامة كتاب ووضعها داخل كتاب معين! أيمكن أن تكون هذه هي؟ راقب كلاين بتمعن لثوانٍ، لكنه لم يجد شيئاً يثير الريبة.
هذا صحيح؛ فقد ذكر من قبل أن أوراق التجديف تملك خصائص مضادة للتنبؤ ومضادة للعٍرافة. في الظروف العادية، لا سبيل لاكتشاف فرادتها.. لو كان من السهل التعرف عليها، لكانت كنيسة حاكم البخار والآلات قد أخذتها منذ زمن بعيد.. أشاح كلاين ببصره وبدأ يتفحص الكتب الأخرى، فاكتشف أن الكثير منها يحتوي على علامات كتب، وكانت هذه العلامات بأشكال متباينة.
تروى لبرهة، وباستخدام قدرة المهرج على التحكم في عضلات وجهه، سأل بفضول: «أهذه هي الكتب التي قرأها الإمبراطور روزيل من قبل؟ عذراً، أقصد، أهذه هي الكتب الأصلية؟».
أومأت المرشدة برأسها مؤكدة: «نعم، هذه كلها مقتنيات من مكتب الإمبراطور روزيل في ذاك الزمان. وهي تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، الكتب والمخطوطات وعلامات الكتب والمنارات وزجاجات الحبر.. لكن الكثير منها تدمر خلال النزاعات العديدة».
أومأ كلاين برأسه ودرس علامات الكتب مرة أخرى. لقد ذكر روزيل في مذكراته أنه سيضع ورقة التجديف في كتاب غاية في القيمة لكي لا يخطر ببال أحد أن أثمن ما في ذاك الكتاب هو علامة كتاب مغمورة.. حسناً، أي من هذه الكتب يُعد ذا قيمة؟ بدأ كلاين يستبعد الكتب وهو يستذكر التفاصيل المكتوبة في المذكرات.
«العصر المجيد»، لا يبدو كذلك..
«تاريخ مملكة إنتيس»، لا يبدو كذلك..
«جغرافيا القارة الشمالية»، ربما يكون هذا، لكن الاحتمال ضئيل..
«مبادئ الآلات البخارية المطورة»، لا يختلف عما سبقه..
مَسح كلاين الكتب واحداً تلو الآخر، حتى توقفت عيناه فجأة على كومة المخطوطات الأولى التي رآها. كانت تلك التي تسجل أغراضاً من الأرض أراد روزيل اختراعها لكنه افتقر إلى الظروف المواتية. كانت هناك علامة كتاب فيها أيضاً، وعليها رسم يصور روزيل بملابس الإمبراطور الملكية.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل