تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 329 : علاماتُ مخالب

منطقة جسر باكلاند، حانة ‹قلوب الشجعان›.

شدّ كلاين قُبعته على رأسه، مُحكماً حمايته لِمحفظته القابعة في الجيب الداخلي لِسترته العمالية ذات اللون الأزرق الرمادي. وطاف حول الزبائن المُتحلّقين حول حلبة المُلاكمة ومضى قاصداً منصة الساقي.

وفي طريقه، جال ببصره في الأرجاء ولم يلمح أي أثرٍ لِتاجر أسلحة السوق السوداء، كاسبارس كالينين.

‘إما أنه يلعب الورق أو البلياردو…’ أومأ كلاين برأسه في قرارة نفسه، واتخذ مَجلِساً عند المنصة، وقال للساقي: «نصف بنصف.»

لقد رمق أحدهم وهو يرتشف هذا الصنف من المشروبات الكُحولية في المرة السالفة، وساوره شعورٌ بأنه قد يروق لِذائقته.

‘على أقل تقدير، سيكون أفضل من جعة الشعير الخالصة…’ تمتم كلاين في سرّه.

رفع الساقي نظره واختلس إليه نظرةً عابرة.

«أي نوعين من الكُحول تبتغي مزجهما؟ الخيارات المُتباينة تقتضي أسعاراً مُتباينة.»

«المُعتاد؛ النوع المُعتاد يفي بالغرض.» ففي المرة السالفة التي أبصر فيها أحدهم يرتشفه، كان ذلك الشخص قد استعان بِأردأ أنواع الكُحول. ولم تتجاوز تكلفة كأس ‹النصف بنصف› بِرُمته بنسين ونصف.

«أربعة بنسات ونصف.» راقب الساقي كلاين وهو يَرُصّ العملات النُحاسية على المنصة ثم عاد لِينهمك في المزج. وقال بصورةٍ عابرة: «أأنت هُنا من أجل كاسبارس؟ لم يَعُد له أثرٌ هُنا؛ لقد سُلِبَت تجارته منه.»

«هاه؟» لم يدر بخلد كلاين أن يتلقى إجابةً كهذه.

وقبل أن يتسنى للساقي الرد، ضحك رجلٌ ذو فمٍ بارزٍ يقف إلى جواره وقال: «أجل، لقد طردنا كاسبارس شَرّ طردة!

«هِه، كيف لِرجلٍ عجوزٍ أعرج مِثله أن يُدير تجارةً كهذه؟

«وإن كانت لك أي حاجة، فلا تتردد في اللجوء إلينا. ابحث عن زعيمنا.»

‘أهي حرب عصابات؟’ تبادر هذا التخمين إلى ذهن كلاين بغير وعيٍ منه، وعقد العزم على رفض عرض الرجل.

بيد أنه سُرعان ما طرأت على مُخيّلته احتماليةٌ أُخرى.

‘أيعقل أن تكون ‹مدرسة الفكر الوردية› قد عمدت إلى استئجار عصابةٍ لِقمع كاسبارس بُغية إجبار ماريك والآنسة شارون على الاندفاع نحو شِراك فخّهم؟’

‘أجل، إنه أمرٌ واردٌ جداً. فلطالما زاول كاسبارس عمله هُنا كتاجر أسلحةٍ في السوق السوداء لِردحٍ طويل؛ ومن المُؤكد أنه ليس بالشخص الذي يسهل طرده بِهذه البساطة. وقبل حين، وجراء سلسلة جرائم القتل، كانت الأجواء في باكلاند بِرُمتها مشحونةً بالتوتر، ولن تجرؤ ‹مدرسة الفكر الوردية› أو الفصائل السرية الأُخرى على التهور بِإزهاق الأرواح ومُمارسة الوساطة الروحية على ماريك والآنسة شارون، حتى وإن اهتدوا إليهما. فذلك سيُسفر عن إراقة دماءٍ غزيرة، ولِمَا كانوا لا يملكون سِوى نزرٍ يسيرٍ من المُشتبه بهم، ويستعصي عليهم الاستوثاق من امتلاك أي شخصٍ آخر لوسيلة تواصلٍ مع الآنسة شارون وماريك في الوقت الراهن…’ ابتلع كلاين الكلمات التي كادت أن تتفلت من شفتيه وسأل بدلاً من ذلك: «هل لي أن أطلع على الأسعار أولاً قُبيل أن أحسم أمري في الشراء؟»

لقد اعتزم مُراقبة الفصيل المُؤلف من أشخاصٍ عاديين والذين أحكموا قبضتهم على السوق السوداء في حانة ‹قلوب الشجعان›. فإن اكتشف أي أمرٍ مُريب، فيسعُه اتخاذه كصنيعٍ يُسديه لِكاسبارس، وشارون، وماريك.

وعلى أية حال، لم يكن كلاين يبتغي الانخراط في أي صِدام. وجُلّ ما رمى إليه هو المُراقبة عبر السُبل المُعتادة، لذا لم يكن هُناك ثمة مُخاطرةٍ تُذكر.

«أجل، المطلب الأوحد هو…» أدى الرجل حركة إغلاق سحّابٍ بيده أمام فمه البارز.

«لا ضير في ذلك.» وما إن أجاب كلاين، حتى أبصر كأس ‹النصف بنصف› يستقر أمامه، وكان الساقي قد جمع العملات النُحاسية بالفعل.

ودون أي نيةٍ لِإهداره، أمال رأسه وارتشفه. وطَفِق حاجباه يتقطبان شيئاً فشيئاً.

‘إنه لا يُضاهي توقعاتي البتة. نكهة الكُحول لاذعةٌ جداً، وطعم العنب باهتٌ للغاية…’ وضع كلاين كأسه جانباً واقتفى أثر الرجل لِيَلِج غرفة البلياردو الثالثة حيث اعتاد كاسبارس المكوث.

وحينما أوشك على بُلوغ الباب، طرأ على ذهنه أمرٌ بغتةً.

‘بِصفتی شخصاً يفتقر للمعرفة العميقة، حتى أنا يسعني التكهن بأن هذا مَحض فخ. لست أدري ما إذا كانت الآنسة شارون وماريك، اللذان كابدا المُطاردة لِفترةٍ طويلة، على درايةٍ بِذلك؟ من المُؤكد أنهما لن يبرزا في الصورة البتة…’

‘بيد أن كاسبارس على معرفةٍ بِما يربو على مُتجاوزٍ واحد. فهو يحظى بِصلاتٍ مع دوائر مُتباينةٍ من المُتجاوزين، ولربما أفلح في حشد مُعاونين آخرين. وهذا من شأنه أن يُضفي تعقيداً على الأمور.’

وفي تلك اللحظة، توقف الرجل ذو الفم البارز عند مدخل غرفة البلياردو، وكاد كلاين، الغارق في أفكاره، أن يصطدم به.

أشار الرجل إلى الداخل وقال: «إياك والتفوه بأي هُراءٍ لاحقاً. فزعيمنا لا يتمتع بِسِعة صدر.

«وكُل قاطني مِنطقة جسر باكلاند وحي إيست بورو يدركون هذه الحقيقة جلياً.»

«حسناً.» أومأ كلاين برأسه.

استدار الرجل ذو الفم البارز في رضاٍ ودفع باب غرفة البلياردو لِينفرج.

وما إن فُتح الباب، حتى أبصر كلاين طيفاً يتدلى في الهواء، ويتأرجح في رِقّة.

لقد كان رجلاً مُكتنز البُنية بِلحيةٍ كثة. وكان هُناك حبلٌ مُلتفٌ حول عُنقه، حبلٌ عُقِد بِعُقدةٍ مُحكمةٍ لا فكاك منها.

وكانت قدماه مُرتفعتين عن الأرض، وطَرَف لسانه بارزاً، ووجهه يكتسي بِحُمرةٍ مُحتقنة. وكانت ملامحه تطفح بالألم والمُعاناة.

«أيها الزعيم…» صرخ الرجل ذو الفم البارز في عدم تصديق.

‘وما إن يتبدد التوتر المُخيم على أجواء باكلاند، حتى يُبادر أحدهم باتخاذ خُطوة…’ أمال كلاين رأسه واختلس نظرةً إلى التابع، ثُم رسم شعاراً مُثلثاً مُقدساً على صدره بِوقار.

«عسى أن يظفر بالسّكينة في كنف الرب.

«وأرجو أن يُسفر ذلك عن تقويم طِباعه الحادة.»

لم يطرق مسمع الرجل ذي الفم البارز حتى ما تفوه به. بل صرخ بغتةً: «أيها الزعيم!

«جريمة قتل!

«لقد لَقِي الزعيم حتفه!»

تراجع كلاين خُطوتين إلى الوراء جراء الصوت المُدوّي والحاد، وفعّل أيضاً ‹رؤية الروح› خاصته لِيُلقي نظرةً مُتفحصةً داخل الغرفة. ولم يلحظ أي أمرٍ غير مألوفٍ سِوى كرات البلياردو المُتناثرة في كُل حدبٍ وصوب.

‘أَهَلِ اقترف أحد مُتجاوزي كاسبارس هذا الجُرم؟ وما الذي سيُقدم عليه الفصيل الذي نصب الفخ؟ هذا إن كان هُناك فخٌّ من الأساس…’ انسحب كلاين في هدوءٍ وتوارى بين الحُشود حينما اندفع أفراد العصابة الآخرون نحو الغرفة.

اختلس نظرةً سريعةً صوب مطبخ حانة ‹قلوب الشجعان›، وبعد بُرهةٍ من التفكير، توجّه نحوه واجتازه بأُلفةٍ بالغةٍ لِيبلغ الباب الخلفي.

وما إن دفع الباب الخشبي، الذي لم يكن بالغ الثِقَل، لِينفتح، حتى لفحت كلاين عاصفةٌ باردةٌ جعلته يرتجف.

وفي خِضَمّ العاصفة الباردة، فاحت رائحة دماءٍ باهتة.

أرهف السمع لِبرهةٍ بيد أنه لم يُبصر شيئاً. فاستل قطعةً نقديةً من فئة بنسٍ واحدٍ ودفعها بِظفره لِتُحلّق في الهواء.

وبددت الرياح صوت ارتطامها، ورمق كلاين القطعة النُحاسية المُستقرة في راحة يده، مُتيقناً من أنها تُظهر وجه الصورة.

أودع العملة في جيبه، وخطا إلى الأمام بِحذر، مُتّبعاً الوجهة التي أرشده إليها إدراكه الروحي.

ومشى صوب زاويةٍ عاتمةٍ تفتقر لِأي إضاءةٍ من مصابيح الشوارع. واشتدت رائحة الدماء بغتةً.

ومُستعيناً بِضوء القمر الخافت الذي كان يخترق الغُيوم بشق الأنفس، كاد كلاين أن يشهق فزعاً حينما أبصر ما كان يَقبع أمامه.

لقد كانت الأرضية هُنا مُتناثرةً بأفخاذٍ، ورُبَلٍ، وأحذيةٍ مُلطخةٍ بالدماء، وأضلاعٍ، وقلبٍ، وأذرعٍ، ومُقل عُيونٍ، وسائر أشلاء البشر. وتدلى من الجدار جُزءٌ من أمعاءٍ بلونٍ أحمر باهت. وكانت الخلفية بِرُمتها عبارةً عن بُقعةٍ ضخمةٍ بلونٍ أحمرٍ زاهٍ تتخللها علاماتٌ بيضاء حليبية.

وإزاء هذا المشهد، ساور كلاين شعورٌ وكأنه يقف في مسلخ، ُسلخٍ أُعِدّ خِصّيصاً لِلبشر.

‘أَيَخْشَى القاتل أن يغرق ‹صُقور الليل›، و‹المُعاقبون المُفوّضون›، والآخرون في لُجّة الفراغ؟ إن هذا لَمُبالغٌ فيه بِحَدٍ سيدفع الشرطة لِتحويل القضية إليهم في التوّ واللحظة…’ تمتم كلاين في مُخيّلته لِيُقاوم الانزعاج الذي بَعَثَهُ المَشهد في نفسه.

طاف حول بُقعة الدماء واقترب من الجدار المُقابل. ولِدهشته البالغة، أبصر عدداً لا بأس به من الخُدوش العميقة.

لقد بدا وكأن مِخلباً غليظاً وحاداً قد خَدَش العلامة بِعُنفٍ بالغ!

‘هذا المِخلب يُشابه ذلك الذي كان يمتلكه الكلب الشيطاني إبان تحوره. أيعقل أن يكون هُناك واحدٌ آخر؟ أيمكن ألا يكون قد فارق الحياة بعد؟ كلا، كلا، كلا، لقد أدركتُ كُنْه ما يجري…’ تجلّت الحقيقة لكلاين بغتةً.

‘لا بد وأن الفقيد هو المُتجاوز الذي أزهق روح زعيم عصابة الحانة. وقد أجهز عليه الفصيل الذي نصب الفخ…’

‘وبناءً على الوصف الذي أورده ‹الشمس› الصغير، لطالما ساورتني الشكوك بِأن الفصيل هو ‹مدرسة الفكر الوردية› لِأنهم يُحكمون قبضتهم على مسار ‹السجين›، والذي يُعدّ أيضاً مسار المُتحورين.’

‘وأحد أصناف المُتحورين كان المُستذئب!’

‘وهذا يتماشى تماماً مع الآثار المُتخلفة في مَسرح الجريمة الماثل أمامي.’

‘كما أنه يُبرهن بِشكلٍ غير مُباشرٍ على أن الآنسة شارون وماريك هُما مُنشَقّان عن ‹مدرسة الفكر الوردية›…’

تراجع كلاين بِهدوءٍ خارج المَسرح، خُطوةً تلو الأُخرى.

وفي خِضَمّ ذلك، استوثق من انعدام وُجود أي خصائص للمُتجاوزين. وبطبيعة الحال، كان من المُحتمل ألا تكون قد بَرَزت بعد.

ثم استدار وولّى شطره صوب شارعٍ آخر، مُعتزماً الإيعاز لأحدهم بِإبلاغ الشرطة، لِئَلا يبعث مَشهدٌ كهذا الرُعب في قُلوب العوام ويدفعهم للاعتقاد بأن وحشاً ضارياً قد تسلل إلى باكلاند.

ولِمَا كان يخشى التورط في مأزقٍ جراء الطمع، لم يتريث كلاين ترقباً لِاحتمالية بُروز خاصية مُتجاوزين.

وما إن بَلَغ نهاية الزُقاق، حتى أبصر بغتةً عربةً بُنيةً تقترب ببطءٍ في جُنح الليل.

لم تُواصل العربة سيرها إلى الأمام كسائر العربات الأُخرى. بل توقفت أمام كلاين مُباشرةً!

ضيّق كلاين عينيه مُتأهباً لِلقِتال. بيد أنه، وسواءً أكان ذلك حدسه الروحي كَـ ‹رائي› أو حِسّه القتالي كَـ ‹مُهرج›، لم يُصدر أيٌّ منهما تحذيراً له.

وفي هذه اللحظة، فُتِحت نافذة العربة، كاشفةً عن وجهٍ شاحبٍ تلوح عليه مسحةٌ من الجنون. وبدت عيناه البُنيتان وكأنهما تُخفيان خُبثاً عميقاً.

‘ماريك…’ تعرّف عليه كلاين في التوّ واللحظة.

لقد كان ماريك، رفيق الآنسة شارون الذي كان يقوى على توجيه الزومبي!

لم يكن يرتدي سِوى قميصٍ أبيض وصدريةٍ سوداء، ولم يبدُ عليه أي أثرٍ لِلخوف من البرد البتة. وأشار لِكلاين لِيستقل العربة.

ولِلحظةٍ من الزمن تردد كلاين، وقد راودته رغبةٌ في استخدام بندوله الروحي لِإجراء عِرافةٍ في موقعه ذاك.

وفي هذه اللحظة، بَرَز طيفٌ خلف ماريك. كانت تتدثر بِفستانٍ مَلكيٍّ أسودٍ مُعقد التفاصيل وتعتمر قُبعةً صغيرةً وناعمة. لقد كانت الآنسة شارون الشقراء ذات العينين الزرقاوين.

‘يسعها إلحاق الأذى بي بيُسرٍ إن رغبت في ذلك. فيمكنها البُروز مُباشرةً من الجدار القابع خلفي…’ فكّر كلاين لِبرهة، ثم تعمد خَطْو خُطوتين إلى الأمام بِلامبالاةٍ ظاهرة. وفتح باب العربة ودَلَف إلى الداخل، مُحتفظاً بِحذره.

وبعد أن اتخذ مَجلِسه، طَفِقت العربة تتحرك ببطء. ولم يكن من المُتيقن أين كانت وُجهتها.

«ما الذي قاد خُطاك إلى هُنا؟» سألت شارون ببساطة.

أجاب كلاين بصراحة: «كُنت أبتغي التواصل مع كِليكما وسؤالكما عما إذا كُنتما تحوزان على أي كُتبٍ في عُلوم التصوف. ومن الأجدر أن تكون ذات طابعٍ مُتعمق. فكما تعلمان، أنا أفتقر لِمثل هذه المعارف.»

واصل ماريك رمقه بِنظراتٍ تفيض بالخُبث وقال بصوتٍ خفيضٍ وأجشٍّ بعض الشيء: «نحن نحوز بالفعل على معارف جَمّةٍ فيما يخص عُلوم التصوف، من قبيل ‹كِتاب الأسرار› لِمَلِك الشامان كلارمان، بيد أنه، بِمَ يسعك مُقايضتها؟»

‘مَلِك الشامان؟ لِأي مسارٍ وأي مُتسلسلةٍ ينتمي هذا؟’ وبينما ومضت هذه الأفكار في ذهنه، تروّى كلاين في اختيار نبرته وقال: «يسعني مُقايضتها بِجنيهاتٍ ذهبية.

«أو هل تبتغيان شيئاً آخر؟»

رمقته شارون، الشاحبة بيد أنها كانت ذات ملامحٍ بالغة الرِقّة، وأجابت برباطة جأش: «العون.

«سنتخذ من عونك لنا ثمناً لِلمُقايضة.»

التالي
329/819 40.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.