الفصل 335 : استكشاف شارع فيردي
كانت ‹شيطانة المتعة› هي المتسلسلة السادسة من مسار ‹الشيطانة›. وقد ظفر كلاين بوصفتها المُكتملة إبان وساطته الروحية مع السيدة شارون. ورغم أنه كان من العسير في العادة استرجاع التفاصيل الدقيقة، وكان يُعول على عون عِرافة الأحلام لِاستعادة الذاكرة، إلا أن مُجرد سماع المُكوّن الأساسي كان كافياً لِبعث شعورٍ بالأُلفة في نفسه ودفعه لربط الخيوط ببعضها.
ولم يتمالك نفسه من اختلاس نظرةٍ إلى المُشتري، مُتيقناً من ذُكورته من خلال لون بشرته، وبُنيته، وصوته، وملامح وجهه التي لم يُخفها القناع.
‘المتسلسلة التي تسبق ‹شيطانة المُتعة› هي ‹الساحرة›. وبغض النظر عن جنسهم، فما إن يجتازوها، سيستحيلون جميعاً إلى نساء. ومن الجليّ أن هذا الشخص ليس كذلك… إنه لم يغدُ ‹ساحرةً› بعد، فلِمَ يسعى لابتياع المُكوّن الأساسي لِـ ‹شيطانة المُتعة›؟ همم… أيعقل أنه يعمد إلى ابتياعها لِصالح شخصٍ آخر؟ أهو حليفٌ لـ ‹ساحرةٍ› ما أم تابعٌ مُخلص؟’
‘بيد أنه، وبوصفها منظمةً سريةً عريقةً نسبياً، لا يُفترض بـ ‹طائفة الشيطانة› أن تفتقر للمُكوّنات المُقابلة. وبطبيعتهم، كان من المألوف أن يستعينوا بخصائص المُتجاوزين التي يُخلّفها الأعضاء السابقون لِتحضير الجُرعات… أَهَلِ انقطعت صِلة ‹الساحرة› التي تقف خلف المُشتري بالمُنظمة؟’
ومع توارد هذه الأفكار، راود كلاين دافعٌ مُلِحٌّ لِتقفي أثره.
غير أنه، وعقب تفكيرٍ مَلِيّ، صَرَف النظر عن هذه الفكرة. وبغض النظر عن الكيفية التي يسعه من خلالها الالتفاف على التدابير الاحترازية لـ ‹عين الحكمة› وتحديد مسار الطرف الآخر، فإن مُجرد جهله بوضع الطرف الآخر، وافتقاره للوقت لِإجراء عِرافة، كان كافياً لِيدفعه لاختيار الانصياع لنداء قلبه.
‘وماذا لو لم تكن هُناك ‹ساحرةٌ› واحدةٌ فحسب، بل مُتجاوزٌ أشد بأساً بكثير؟’
‘وعلاوةً على ذلك، فإن ارتقاء ‹الساحرات› إلى ‹شيطانة المُتعة› يُعدّ أمراً حميداً. فالأُولى ستجلب الكوارث وتُلحق الأذى بحشدٍ غفيرٍ من الأبرياء، بيد أنه ما إن يرتقين إلى الأخيرة، ستنحصر غايتهن في المُتعة. وبِعبارةٍ أبسط، سيغدو المُجتمع أقل عُرضةً للخطر…’ تمتم كلاين في قرارة نفسه.
كانت ‹غدة حرير عنكبوت الأرملة السوداء البالغ› تُعدّ بالفعل مُكوّناً للمُتجاوزين باهظ الثمن ونادراً نسبياً. لقد كان شأنها شأن الغدة النخامية المُتحورة لِـ ‹الصياد ذي الألف وجه› وخاصية ‹الظل المكسو ببشرة إنسان› اللتين كان كلاين ينشدهما للارتقاء إلى المتسلسلة السادسة. لقد كانت تكلفتها تُعادل تقريباً نصف قيمة منزلٍ في العاصمة، ولذا لم يظفر المُشتري بِردٍ يُثلج صدره.
وبِعبارةٍ أدق، لم ينبس أحدٌ بِبنت شفة.
وخيّم الصمت على أجواء التجمع حتى بادر ‹العطّار› البدين بِبيع الأدوية التي جلبها معه.
وعقب تجاربه السالفة، حظي بِعددٍ لا بأس به من الزبائن الدائمين. وفي غُضون أقل من ثلاث دقائق، كان قد باع كُل ما جادت به جُعبته وجنى ما يربو على الخمسين جنيهاً نقداً.
وحينما أعلن ‹عين الحكمة› خِتام التجمع، غادر كُل مُشاركٍ عبر مَمَرّاتٍ مُتباينةٍ بِترتيبٍ مُختلفٍ وعلى فتراتٍ مُتباعدة.
وكان كلاين في المُنتصف، وما إن بَلَغ شارعاً منعزلاً، حتى نزع تنكره وانطلق مُباشرةً صوب حي إيست بورو، لِيبلغ شارع النخلة السوداء في تِلك الليلة الباردة التي تفوح منها الروائح الكريهة. وفي طريقه، ابتاع جِراباً يُعلق تحت الإبط. ثُم ولج شُقته المُستأجرة المُؤلفة من غرفةٍ واحدة.
ودون أن يمنح نفسه فُسحةً من الراحة، استل مُسدسه وفتح الصُندوق المعدني الذي يحوي رصاصات المُتجاوزين. ثُم أخرج رصاصتيّ تطهير، ورصاصتيّ صيد شياطين، ورصاصة طرد أرواحٍ شريرة. ثُم لَقّمها واحدةً تلو الأُخرى في مخزن المُسدس.
واتخذ وضعيةً، مُختبراً شعوره وما إذا كان يسعه إطلاق النار بِصُورةٍ طبيعية. ثُم دَسّ كلاين المُسدس في جِراب إبطه وانهمك في تحضيراتٍ أُخرى.
فعلى سبيل المِثال، تفحص ‹العين حالكة السواد› القابعة في عُلبة السجائر الحديدية لِيرى ما إذا كان ثمة ما يُثير الريبة. كما وضع صافرة آزيك النُحاسية في الصُندوق المعدني الذي يحوي الرصاصات، وبِمُعاونة مسحوق الليل المُقدس، منشئ جداراً روحانياً مُحكماً التصق بسطح الصُندوق، مُتِمّاً بذلك حجب الصافرة النُحاسية العتيقة والمُتقنة الصُنع.
وعقب الاستوثاق من أشكال ومواضع التمائم الثلاث، صعد كلاين إلى ما فوق الضباب الرمادي لِإجراء عِرافة. ثم اعتمر قُبعته وخرج مُجدداً.
كانت وجهته هي شارع فيردي رقم 32 القابع جنوب الجسر. لقد كانت تِلك البقعة التي عثر فيها اللص على ‹المفتاح السيد›!
فَلَرُبما تواجدت خيوطٌ تقود لِوصفة ‹المُبتدئ› أو أغراضٌ ذات صِلةٍ هُناك. لقد كان مكاناً لطالما طمح كلاين في استكشافه، بيد أنه ساوره الشك في أن الرجل الذي لَقِي حتفه بِطريقةٍ مأساويةٍ قد استحال إلى مخلوقٍ أشبه بِالأرواح الغاضبة. ولم يجرؤ على اتخاذ أي خُطوةٍ حتى ابتاع رصاصات التطهير.
فالساحر لا يُؤدي عرضه قط وهو يفتقر للاستعداد!
وقُبيل أن يتوقف قطار الأنفاق البُخاري—وسيلة النقل الأكثر اقتصاداً—عن العمل، بَلَغ كلاين المنطقة الواقعة جنوب الجسر قبل أن ينتقل إلى عربةٍ عامةٍ ويبلغ تُخوم شارع فيردي.
لقد كان الليل قد أرخى سُدوله بالفعل، وكان رذاذٌ باردٌ يغمر باكلاند. وبالكاد كان ثمة مُشاةٌ في الشارع، وكان ضوء المصابيح الغازية يبدو ضبابياً عبر السائل المُتراكم على الزجاج، مما أضفى على كُل شيءٍ طابعاً حُلْمِياً.
طاف كلاين حول المنطقة وراقب وضع المنزل رقم 32. ثُم مشى إلى جانبه، وتسلّق إلى الطابق الثاني، وولج بيُسرٍ إلى جوف هدفه من باب الشُرفة الذي بدا جلياً أن اللص السالف قد عجز عن إيصاده.
لم يصطحب معه ‹المفتاح السيد›، خشية أن يُثير الغرض تفاعلاً مُتسلسلاً غير مألوفٍ هُنا.
كان تخطيط المنزل عادياً للغاية. مَمَرٌّ يربط بين الشُرفتين ويخترق الطابق الثاني بِرُمته. وكانت هُناك غُرف نوم، وحمام، وغُرفة تشميس، وغُرفة نشاطٍ تصطف على الجانبين.
ومُستعيناً بضوء القمر القرمزي المُتسرب من الشُرفة، أبصر كلاين أن كافة الأبواب كانت مُشرعة. وكانت صنوفٌ شتى من الأغراض مُتناثرةً على الأرض في فوضى عارمة.
‘لا بد وأن هذا من صنيع اللص السالف. فلم يسعه أخذ كُل الأغراض، لذا لم يكن أمامه سِوى البحث عن أثمنها… بيد أنه، وبحيازته لِـ ‹المفتاح السيد›، لم تكن به حاجةٌ لِفتح الأبواب…’ تفقد كلاين الغُرف، واحدةً تلو الأُخرى، باحثاً عن أشياء قد تَمُتّ بِصِلةٍ لِعُلوم التصوف.
وبعد انقضاء فترةٍ من الزمن لم يُدرك مداها، بَلَغ كلاين، المُرتدي لِقفازاتٍ سوداء، السُّلَّم دون أن يُكلّل مَسعاه بأي نجاح.
وما إن خطا خُطوتين إلى الأمام، حتى بَرَز طيفٌ أمامه بغتةً!
كان الطيف مُلتصقاً بالجدار عند زاوية السُّلَّم، ومُولياً ظهره لِكلاين. وكان شعره الأسود كثيفاً لِدرجةٍ كادت أن تُغطي عُنقه.
ولم يتسنّ لِكلاين، الذي كان قد فعّل ‹رؤية الروح› خاصته مُنذ أمدٍ بعيد، حتى الوقت لِلمُراقبة، إذ تحرك الطيف بغتةً!
أصدر عُنقه صريراً وهو يُدير رأسه بينما ظلّ ظهره مُواجهاً للطابق الثاني!
وفي خِضَمّ إضاءة القمر القرمزية الضبابية، والضعيفة، والوهمية، كانت عينا الطيف جاحظتين من مَحجريهما، وتفيضان رُعباً.
ثود! ثود! (صوت ارتطام مكتوم)
هوت مُقلتا العينين على الأرض.
بام!
وانفصل رأس الطيف عن عُنقه وارتطم بالسُّلَّم الخشبي.
‘لقد فارق الحياة مُنذ أمدٍ بعيد؛ فهو يفتقر لِأي بريقٍ روحاني…’ راقب كلاين المَشهد وأصدر حُكمه برباطة جأش، وكأن ما جرى للتوّ لم يكن سِوى مسرحيةٍ هزلية.
لقد خَمّن من تفاصيل ثياب الرجل السوداء الرثة وعدد الغُرف المُشرعة في الطابق الثاني، وخَلُص إلى أن هذا كان لصاً آخر، أحد أُولئك الذين زاروا المنزل عقب اللص السالف.
ولسوء الطالع، لم يكن بِذلك القدر من الحظ.
‘أيعقل أن ‹المفتاح السيد› كان في واقع الأمر يُكبل «الخطر» هُنا، وحينما سُلِب، أُطلِق العنان لِلفوضى العارمة؟’ استل كلاين مُسدسه، وضبط المخزن على وضعية الإطلاق، وجهّز المُسدس. وخطا صُعوداً على السُّلَّم نحو الجُثة.
جثا على ركبتيه وتفحصها بِإيجاز، بيد أنه لم يعثر على أي شيءٍ سِوى حقيقة أن عُنقه قد لُوِي.
وبعد بُرهةٍ من التفكير، استقام كلاين في وقفته ونزل السُّلَّم بِحذر. ورغم أنه كان يخطو على سُلَّمٍ خشبي، إلا أنه لم يُحدث أي صرير.
خُطوةٌ واحدة، خُطوتان، ثلاث خُطوات. وعقب نُزوله السُّلَّم، بَلَغ الطابق الأرضي.
وأمامه مَمَرٌّ يربط بين الجانبين. وكان ضوء القمر القرمزي يتسلل لِيَرسم ملامح الشُرفة. وكانت الأبواب على كِلا جانبي المَمَرّ مُشرعةً على مِصراعيها، كاشفةً عن مَشهدٍ فوضويٍّ لِأغراضٍ مُتناثرة. ولم تكن هُناك غُرفة جلوسٍ، أو غُرفة طعامٍ، أو مطبخٍ هُنا.
لقد كان هذا هو الطابق الثاني!
لقد نزل كلاين من الطابق الثاني، لِيجد نفسه عائداً إلى الطابق الثاني!
وطيلة هذه العملية، لم يلحظ أي أمرٍ خارجٍ عن المألوف!
لم يستسلم كلاين للذعر بل استدار ببطء. وخلفه، كان هُناك سُلَّمٌ يُفضي إلى الأسفل!
‘بِعبارةٍ أُخرى، فإن قُدرتي الاستثنائية لا يسعها مُقاومة غزو قُوى المُتجاوزين خاصتي سِوى عبر استخدام قُوى المُتجاوزين كالأحلام والوساطة الروحية، أو أن أُدرك أن البيئة التي أمكث فيها لا تنتمي لِعالم الواقع… سأظل عُرضةً لِتأثير الهلوسات…’ أخرج كلاين عُلبة الثقاب خاصته واستل بضعة أعوادٍ بيده التي كانت تَقْبِض على المُسدس.
وواصل نُزوله، مُلقياً بعود ثقابٍ كُل بضع خُطوات.
ومُجدداً، بَلَغ كلاين زاوية السُّلَّم وأبصر الجُثة الهامدة ورأسها مفصولٌ عن جسدها.
وفي هذه اللحظة، لفحت عاصفةٌ باردةٌ مُؤخرة عُنقه، مما جعل شعر رأسه ينتصب.
با!
فرقع كلاين أصابعه، فاندلع لهبٌ أحمرُ من خلفه، مُحلّقاً صوب السقف.
وبدت تِلك النيران كوحشٍ يُكشر عن أنيابه ويُلوّح بمخالبه، بيد أنها لم تُضرم النار في أي شيء.
كان كلاين يَهُمّ بالاستدارة والنظر مُستعيناً بِـ ‹رؤية الروح› حينما تجمّد جسده بغتةً، وكأنه قد هوى في بحيرةٍ مُتجمدةٍ في قلب الشتاء.
ولم يتمالك نفسه من الارتجاف بينما كانت يده اليُسرى تمتد ببطءٍ نحو عُنقه وهو «يكبحها» عُنوةً.
وفي تِلك اللحظة، تنهد كلاين بِخُفوت.
أجبر يده اليُسرى على الوُلوج في جيبه، وأزال الجدار الروحاني، وفتح الصُندوق المعدني الذي يحوي الرصاصات.
ثُم قَبَض على صافرة آزيك النُحاسية، واستلها، وهزّها، وقذفها في الهواء فوق السُّلَّم!
وفي لمح البصر تقريباً، استشعر أن البُرودة والتصلّب قد تبددا من جسده.
وفي إدراكه الروحي، وثبت كُتلةٌ شريرةٌ وباردةٌ ككلبٍ يلهث وراء كُرةٍ وانقضت على صافرة آزيك النُحاسية!
ابتسم كلاين، ورفع يده اليُمنى، وصوّب نحو الصافرة النُحاسية، وضغط على الزناد. وقال بِصوتٍ خافت: «وداعاً.»
بام!
انطلقت رصاصة التطهير الذهبية الباهتة وارتطمت بِدقةٍ بِذلك الجِسم البارد والمُبهم.
ودوّت صرخةٌ تقصم الظهور بينما رَسَمت ألسنة اللهب الذهبية طيف إنسانٍ في الهواء!
وتحت وطأة النور الساطع والدافئ، تلاشت كُل البُرودة والشر بِسُرعةٍ فائقة.
كلانغ! (صوت رنين)
هَوَت صافرة آزيك النُحاسية على الأرض، وارتدت لِمراتٍ عِدّة، وتدحرجت إلى غُرفة الجلوس في الطابق الأول.
وحينما جال كلاين ببصره في الأرجاء، أبصر أن الأمور قد غدت مُتباينةً بِشكلٍ ملحوظٍ الآن. فعلى سبيل المِثال، لم يكن رأس الجُثة مفصولاً عن جسدها. بل كان قد خنق نفسه بيديه.
‘هِه، إن الأمور لَتغدو يسيرةً حقاً حينما تكون على أُهْبَة الاستعداد…’ ضحك كلاين بِخفوتٍ ونزل السُّلَّم مُجدداً. وأفلح في بُلوغ الطابق الأول والتقط صافرة آزيك النُحاسية. ثم لوّح بها مرتين لِيرى ما إذا كانت هُناك أي أرواحٍ غاضبةٍ أو أطيافٍ أُخرى هُنا.
وعقب الاستوثاق من انعدام أي مُعضلاتٍ أُخرى، عقد العزم على التوجه مُباشرةً إلى القبو.
وبينما كان ينزل درجات السُّلَّم ويخترق الباب، وقع بصره على الصورة التي عاينها في عِرافة حُلمه. لقد أبصر دفتر المُلاحظات البُنيّ يستقر على الطاولة الطويلة.

تعليقات الفصل