تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 336 : عائلة إبراهيم

‘باستثناء ‹المفتاح السيد› وساعة الجيب الفضية المُرصعة بالألماس اللذين استولى عليهما اللص، لا زال هذا المكان على حاله تماماً كما أبصرته في حُلمي…’ جال كلاين ببصره في الأرجاء وأبصر قُدوراً حديديةً سوداء، وجِراراً زجاجية، وحوامل مصابيحٍ برونزيةٍ تحمل شُموعاً انطفأت مُنذ أمدٍ بعيد.

أنبأته ‹رؤيته الروح›وإدراكه الروحي أن هذه كُلها مُجرد أغراضٍ عاديةٍ للغاية. ولم تكن تحمل أدنى أثرٍ لِبريقٍ روحانيّ.

‘همم، بيد أنه، ومُقارنةً بِما مضى، ثمة شيءٌ إضافيّ…’ مَدّ كلاين يده اليُسرى المُتوارية خلف قُفازٍ أسود ولمس سطح الطاولة الطويلة.

وسُرعان ما تلطخت أصابعه بِغُبارٍ جليٍّ للعيان.

وعقب تفتيشٍ دقيقٍ وإجراء بضع عِرافاتٍ مبدئية، أخفق كلاين في العُثور على أي غُرفٍ سريةٍ أو مقصوراتٍ خفية؛ ولذا، وجّه جُلّ اهتمامه نحو دفتر المُلاحظات البُنيّ.

وبينما كان يُقلّب صفحاته بِحذر، وقع بصره على مُحتوى الصفحة الأولى.

«سيُخَلّد هذا في سجلات صُعود عائلةٍ ملعونة!

«أبتغي حفر كُل نُقطةٍ جوهريةٍ في ذاكرتي! أيها الأسلاف القادمون، أرجوكم احفظوا كُل كلمةٍ خططتها هُنا!»

‘… يا للأسف أنك فقدت السيطرة ولَقِيت حتفك بعد لحظاتٍ فحسب من تجرعك لِجرعة المتسلسلة التاسعة. ولن يبقى مجد عائلة إبراهيم التليد سِوى حِبرٍ على ورق…’ سخر كلاين في قرارة نفسه وواصل القراءة، مُقلّباً الصفحات بِسُرعة.

لقد اعتزم أخذ دفتر المُلاحظات معه ما إن يستوثق من قيمته، ولم يكن يبتغي المُكث هُنا لِفترةٍ أطول.

«نحن، عائلة إبراهيم، كُنا نُعدّ من أعتى النبلاء إبان الحقبة الرابعة، وكُنا الركيزة الأساسية لِدعم سُلحاكم تيودور. وفي ذلك العصر، سَواءً أكانت عائلة أوغسطس في لوين، أو عائلة أينهورن في فيسَاك، أو عائلة سورون في إنتيس، أو عائلة كاستيا في فينابوتر، فقد كانوا جميعاً يتطلعون إلينا بتبجيل.

«وللحق يُقال، لم يكونوا بالضُعفاء في ذلك الحين، بيد أننا كُنا الأشد بأساً!

«وحتى عائلة أنتيغونوس وعائلات زاراتول ذائعة الصيت كانت أضعف منا شأناً.

«ولسوء الطالع، تبدد مجد عائلتنا في غِمار ‹حرب الأباطرة الأربعة›. وتوارى السلف بيثيل عن الأنظار في تِلك الحرب التي خاضت الحاكمة غِمارها بِأنفُسهم. ولَقِي كُل مُتجاوزي المُتسلسلات العُليا المُتبقين حتفهم.

«ومُنذ ذلك الحين، رزحت عائلة إبراهيم خاصتنا تحت وطأة لعنةٍ مُروعة. وقد سعت أجيالٌ تلو أجيالٍ من الأسلاف لِبعث مجد عائلتنا مُجدداً، بيد أنهم، ودون أي استثناء، قد انزلقوا جميعاً إلى هاوية الجُنون وفقدوا السيطرة. وقد ألمّ ذلك بِبعضهم قُبيل بُلوغهم مرتبة مُتجاوزٍ من مُتسلسلاتٍ عُليا أو عند المُتسلسلتين السابعة والثامنة.

«وكل حالةٍ من فقدان السيطرة تجلب معها كارثةً تُهدد عائلتنا بالفناء التام. فالمَلعونون يتناسون اسم العائلة المَحفور في عُروقهم ويُلحقون الأذى بِسائر أفراد العائلة بِلا هَوادة. لقد استحالوا إلى وحوشٍ بالفعل!

«وبُغية الحِفاظ على بقاء العائلة، اتخذت عائلة إبراهيم قراراً مُؤلماً بالعُزوف عن العيش تحت سقفٍ واحد. وبدلاً من ذلك، تفرّقت إلى عائلاتٍ صغيرةٍ هاجرت إلى شتى بِقاع القارة الشمالية. وبِهذه الطريقة، حتى وإن فَقَد أحدهم السيطرة وشرع في اقتراف مجزرة، فإن نَسْلهم لن ينقطع جراء ذلك.

«كان والدي يهاب اللعنة، لذا آثر أن يحيا كشخصٍ عادي. ولولا أن بريق اسم عائلتنا لا زال يتلألأ، لَمَا باح لي بِهذه الأُمور البتة.

«أبتغي تدوين هذا الأمر. وأرغب في حَفره في عقلي. أُريد أن أتذكر دوماً مَجد عائلة إبراهيم وما ألمّ بها من فواجع.»

‘كُل جيلٍ من المُتجاوزين سيفقد السيطرة حتماً ودون أي استثناء؟ إن لعنة عائلة إبراهيم لَأشد رُعباً حتى من تِلك التي تُرخي بِسُدولها على مدينة الفضة… مهلاً، يُفترض أنهم ينتمون جميعاً لِمسار ‹المُبتدئ›. أيعقل أنهم طَرَق مسمعهم نداء الاستغاثة الذي أطلقه السيد ‹باب›؟ هذا… هذا ليس نداء استغاثة؛ إنه جلياً لعنةٌ تسلب الأرواح!’

‘بيد أنه، وبناءً على ما وصفته الآنسة ‹ساحر›، فإنها لم تستمع لِتلك الهذيانات الوهمية إبان القمر البدر لأنها غدت ‹مُبتدئة›، بل جراء استخدامها لِلسوار المُلتف حول مِعصمها. وعقب ذلك، لم يَعُد بوسعها الفكاك من تِلك الهذيانات سَواءً ارتدته أم لا.’

‘فما السّر وراء ذلك بالنسبة لِمُتجاوزي عائلة إبراهيم؟ لربما لا تَمُتّ اللعنة لِلسيد ‹باب› بِصِلة؟’

‘حسناً، لقد أشار دفتر المُلاحظات إلى أن سلف عائلة إبراهيم ، بيثيل إبراهيم، قد توارى عن الأنظار في حرب الأباطرة الأربعة. أيعقل أن يكون هو السيد ‹باب›؟ أَهَلِ نُفِي من عالم الواقع، وتاه في غياهب الظلام، وبات أسيراً لِعاصفةٍ هوجاء؟’

‘ومن المُحتمل أن أيسر هدفٍ لِالتماس العون منه سيكون بلا ريبٍ أحفاده من ذات النَسْل والذين يسلكون ذات مسار المُتجاوزين بيد أنهم في مُتسلسلةٍ أدنى نسبياً. ويا للأسف، ولأن كُل المُتجاوزين ذوي البأس قد لَقُوا حتفهم، فإن نداءاته لا تجلب سِوى لعنةً على العائلة دامت لِما يربو على الألف عام، وكادت أن تَمحو عائلة إبراهيم من الوجود بالكلية…’

‘أهذا هو السّر وراء إلمام السيد ‹باب› العميق بِتاريخ الحقبة الرابعة وتفاصيل حرب الأباطرة الأربعة؟’

‘وإن صدقت شُكوكي، فلا يسعني سِوى أن أهتف:’

‘إن عائلة إبراهيم لَعائلةٌ بائسةٌ بحق!’

‘لست أدري ما إذا كانت الأُمور التي باح بها مالك دفتر المُلاحظات قد طالها التحريف جراء انقضاء ما يربو على الألف عامٍ وتشتت شمل العائلة، مما قد يُفضي إلى تناقُضات… في حرب الأباطرة الأربعة، أَهَلِ انخرطت الحاكمة حقاً في غِمار المعركة بِأنفُسهم؟’ قطّب كلاين جبينه قليلاً، وطَفِقت سُرعته في تقليب الصفحات تزداد أكثر فأكثر.

«… والدي، الذي آثر أن يحيا كشخصٍ عادي، استسلم في نهاية المطاف لِمرضه. وقد شكّل هذا فاجعةً كُبرى لِوالدتي، ولم تلبث طويلاً حتى لحقت به.

«وهذا يعني أنني قد غدوتُ حُراً.

«بيد أن ما يُدمي قلبي هو أن والدي قد كتم عني الكثير من الأُمور المُتعلقة بالمُتجاوزين لِيَحول دون وُلوجي في هذا الدرب الملعون. يتعين عليّ أن أسعى لِلتواصل معهم بِنفسي واستيعاب خباياهم.

«ومن حُسن الطالع أنه لم يُخالف أوامر شيخ العائلة. فقد سلّمني على فراش موته وصفات جُرعات ‹المُبتدئ›، و‹سيد الحيل›، و‹المُنجم›.

«وسأُدوّن الوصفات الثلاث لِئَلا أنساها.

«المتسلسلة التاسعة. ‹المُبتدئ›…

«المتسلسلة الثامنة. ‹سيد الحيل›…

«المتسلسلة السابعة. ‹المُنجم›…»

وعقب مُطالعة ذلك، رفع كلاين حاجبيه قليلاً، وشعر بأن رحلته هذه الليلة قد كُلّلت بالنجاح، وأنه لم يُهدر رصاصة التطهير عبثاً.

وبطبيعة الحال، لا زال يتعين عليه الصُعود إلى ما فوق الضباب الرمادي لِلاستوثاق من أصالتها.

‘المُنجم… يبدو أن مسار ‹المُبتدئ› يضم هو الآخر وظيفةً تَمُتّ لِسلسلة العِرافة بِصِلة… وفي هذه الحالة، لربما كان أحد تخميناتي السالفة أقرب إلى الصواب. فَلَرُبما كان مسارا ‹الرائي› و‹المُبتدئ› قابلين لِلتبادل في المُتسلسلات العُليا…’ أومأ كلاين برأسه قليلاً وواصل تقليب الصفحات.

ورغم أنه قد تيقّن بالفعل من قيمة المُلاحظات، إلا أنه لم يكن يرغب في مُغادرة المكان في الوقت الراهن.

قراءة ممتعة، ولا تنسَ الصلاة والسلام على النبي ﷺ.

فلو أوردت الصفحات القليلة الأخيرة من الدفتر أن ثمة غرضاً ما قد خُبّئ في بقعةٍ ما، فسيتعين عليه العودة مُجدداً لا محالة. ولمّا كان الأمر كذلك، فَلِمَ يتكبد كُل هذا العناء؟

وبينما كانت الصفحات تتقلب، أدرك كلاين بِصورةٍ تقريبيةٍ تاريخ المُتجاوزين الخاص بِهذا الحفيد من عائلة إبراهيم.

فبعد وفاة والديه، شرع في مُحاولة إرساء صِلاتٍ مع دوائر عُلوم التصوف لِجمع المعلومات حول جُرعات المُتسلسلات وابتياع مُكوّنات المُتجاوزين المُقابلة.

وبعد عامين من الجُهد المُضني، وتدوين الكثير من المعارف في عُلوم التصوف التي لم يَتَسنّ له الاستوثاق منها بعد، أفلح أخيراً في مُبتغاه وحضّر جُرعة ‹المُبتدئ›.

وفي خواتيم دفتر المُلاحظات، دوّن قائلاً:

«بناءً على ما استقيته من معارف في عُلوم التصوف، فإن تداخل عالم الأرواح وعالم الواقع يبلغ ذروته في ليلة القمر البدر. وتِلك هي اللحظة التي تبلغ فيها روحانية المرء أوجها، وهي أيضاً اللحظة المُثلى لِتجرع الجُرعة والارتقاء.

«سأغدو ‹مُبتدئاً› بِحلول القمر البدر القادم!

«يتعين عليّ أن أشتد عُوداً، خُطوةً بِخُطوة، لِأبعث مجد عائلة إبراهيم التليد من جديد!

«وما إن أبلغ المُتسلسلة السابعة، سيتسنى لي التواصل مع شيوخ العائلة وفقاً لِلقواعد التي أرسوها.

«أنا أُلمّ بِوسيلة التواصل جيداً، ولِذا فهذا سِرٌّ لا ينبغي تدوينه.»

‘تتجرع جُرعةً لِترتقي بِنفسك إبان القمر البدر؟’ بُهِت كلاين لِبرهة. ولم يتمالك نفسه من النقر على صدره أربع مراتٍ باتجاه عقارب الساعة لِرسم قمر الدم القرمزي.

«عسى أن تغفر لك الحاكمة جهلك.»

أدرك كلاين بضبابيةٍ السّر وراء فُقدان الرجل لِلسيطرة في مَكانه!

وبناءً على تخمينه، فإن اللعنة التي أرّقت مضجع عائلة إبراهيم لِما يربو على الألف عام كانت على الأرجح ذات صِلةٍ بنداء استغاثة السيد ‹باب› إبان القمر البدر.

وذلك الوغد قد آثر في واقع الأمر تجرع جُرعة ‹المُبتدئ› في ليلة القمر البدر.

وفي هذه الحالة، كان من المُرجح جداً أن تطرق مسمعه تِلك حاكمَمْهَمات الوهمية في حين لم يتبدد تأثير الجُرعة بعد، وكانت روحانيته في حالةٍ من عدم الاستقرار المُفرط.

ونتيجةً لِذلك، انفجر بـ«بام»…

‘من حُسن الطالع أن «هورناسيس… فليغريا…» التي طرقت مسمعي في ذلك الحين لم تكن مُميتة…’ تنهد كلاين بغير وعيٍ منه.

ثُم طرأت على ذهنه غرابة ‹المفتاح السيد› وساوره حدسٌ غامض.

‘إن تبلور ‹المفتاح السيد› لا ينبع من تكثف خاصية مُتجاوزي ‹المُبتدئ› فحسب، بل يستمِدّ جُذوره أيضاً من هذيانات السيد ‹باب› الوهمية. ولِذا، فإن المُعضلة التي تبرز بين الفينة والأُخرى والمُتمثلة في ضلال حامله لِطريقه تغدو بالغة الخطورة. فغالباً ما تُقحم حامله في مواقف لا تُحمد عُقباها!’

‘ويُمكن اعتبار هذا ضرباً من ضُروب اللعنات!’

‘وبأخذ كُل الأمور في الحُسبان، فإن احتمالية أن يكون السيد ‹باب› هو سلف عائلة إبراهيم، بيثيل، لَواردةٌ جداً.’

‘فيووو…’ زفر كلاين أنفاسه حينما تيقن من انعدام أي معلوماتٍ تُشير إلى كنوزٍ مُخبأة. فأخذ دفتر المُلاحظات البُنيّ وغادر القبو.

وبينما كان يُسقط صافرة آزيك النُحاسية، عاد أدراجه عبر ذات المسار الذي سلكه لِبلوغ المكان. وحينما بَلَغ الشُرفة، رفع يده اليُسرى وفرقع أصابعه.

فاشتعلت أعواد الثقاب المُتناثرة على السُّلَّم بِضوءٍ قرمزي.

وسُرعان ما انطفأت، مُخلّفةً وراءها آثار حُروقٍ طفيفةٍ فحسب.

وعقب أن سلك طريقاً مُلتوياً عَبْر حي إيست بورو لِلتخلص من تنكره، قفل كلاين عائداً إلى شارع مينسك قُبيل مُنتصف الليل.

صعد إلى ما فوق الضباب الرمادي واستعان بالتنقيب الروحي لِلاستوثاق من أصالة الوصفات الثلاث.

وسُرعان ما سعى لِاستحضار طيف ‹العالم› الوهمي قُبالته على الطاولة الطويلة والمُبقعة.

كان كلاين يَهُمّ بالتحكم به حينما رفع يده بغتةً وصفع جبهته.

‘لقد كاد الأمر أن يغيب عن بالي!’

‘لقد اصطحبتُ ‹العين حالكة السواد› معي إلى عالم الواقع…’

وعقب تكبده كُل هذا العناء، جعل ‹العالم› يبرز في القصر المهيب وبَدّل المشهد المُحيط لِيبدو كغرفةٍ عادية.

ثُم جعل ‹العالم› يتخذ وضعيةً تفيض بالتقوى وهو يقول بصوتٍ أجشّ: «أيها ‹الأحمق› الذي لا ينتمي لِهذا العهد…

«أرجو أن تُبلغ الآنسة ‹ساحر› بأنني قد ظفرتُ بالفعل بِوصفة جُرعة ‹سيد الحيل›.

«وأحدوني الأمل في أن يسعها مُقايضتها بِأغراضٍ من ميدان ‹الشمس› تتسم بالفاعلية في التطهير وطرد الأرواح الشريرة. وإن لم تتكافأ القيمة، فأنا على استعدادٍ لِتعويض الفارق بِجنيهاتٍ ذهبيةٍ إضافية.»

وعقب التحكم بِـ ‹العالم›، حوّل كلاين المشهد إلى كُرةٍ من الضوء وبثّها إلى النجمة القرمزية التي ترمز لِـ ‹الساحر›.

لقد حُفِر في ذاكرته جلياً أنه في المرة السالفة التي سعت فيها الآنسة شيو للبحث عن شخصٍ لِيُعاونها في التطهير وطرد الأرواح الشريرة، كانت الآنسة ‹ساحر› حاضرةً أيضاً!

التالي
336/819 41.0%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.