الفصل 380 : إسدالُ الستار
انبطح كابيم على الأرض، يتلوى من فرط الحكة والألم المُبرح، وتمنى لو كان بوسعه أن يُمزق نفسه إرباً في مكانه لِيتحرر من براثن هذا العذاب الجهنمي.
ثُم، وقع بصره على موجةٍ قرمزيةٍ من النيران التي اجتاحت المكان في لمح البصر، وطَرَق مسمعه دويّ انفجارٍ يصُم الآذان.
خال أن هذه اللحظة الأخيرة ستستطيل لِتبدو وكأن لا نهاية لها، وأنها ستُتيح له استرجاع كُل الذكريات السعيدة حينما كانت زوجته وأطفاله لا زالوا إلى جواره. وخال أنه سيشعر بالارتياح لأنه لن يُضطر لِتكبد هذا التعذيب الذي يفوق الوصف بعد الآن، بيد أنه في تِلك اللحظة، تدفق رُعبٌ مُفرطٌ ورغبةٌ عارمةٌ في البقاء على قيد الحياة من أعماق قلبه. ولم تُسعفه تِلك اللحظة حتى لِاسترجاع ما يُدعى بالذكريات قبل أن يطغى عليه ألمٌ لا يُطاق لِيَهْوِي بعدها في لُجّة ظلامٍ دامس.
بوم!
تطايرت نوافذ غُرفة الطعام إرباً، وتناثرت معها شظايا طوبٍ وأنقاضٍ لا تُحصى، فضلاً عن ألسنة اللهب المُستعرة التي استمرت في الامتداد إلى الخارج.
وأُطيح بالحُراس الذين كانوا يجوبون هذه المنطقة في التوّ واللحظة. أما أُولئك الذين حالفهم الحظ بالنجاة من الارتطام، فقد كابدوا طنيناً في آذانهم. وطَفِقت أجسادهم تترنح، أو تتعثر، أو تهوي على الأرض.
وأبصروا أن ما يربو على نصف الجدار الخارجي لِغُرفة الطعام قد تهاوى وأن النيران بدت وكأنها تطفو في مُنتصف الهواء.
وطَرَق مسمع قاطني الشارع بِأكمله وضُباط الشرطة المَسؤولين عن الأرجاء المُحيطة دويّ انفجارٍ هائلٍ في آنٍ واحد، مما أثار في نُفوسهم الحيرة والفزع.
وفي غُرفة الطعام، وقف كلاين المُتدثر بِدِرعٍ أسود والمُتَوّج بِتاجٍ أسود، يغوص في لُجّة النيران الحمراء ويستمتع بِالعواصف العاتية التي ولّدتها الموجات الانفجارية دون أن يرتد له طَرْف.
لقد تبدد قدرٌ لا بأس به من الغازات السوداء المُحيطة به، بل وحتى جسده الروحي قد كابد بعض الضرر، بيد أنه لم يكن بالخطب الجلل البتة.
وإلى جوار طاولةٍ مُنقلبة، أطاح الانفجار بِـ باركر وكابيم إلى إحدى الزوايا، وتهشمت رُؤوسهما وتفحمت أجسادهما.
كان سطح أجسادهما لا زال يضطرم بِنيرانٍ هادئة، وكان سائر الخَدَم يُكابدون ذات المآل.
وفي المنطقة المُقابلة لِلموقد، اصطدمت كاتي، التي أخفقت في تفادي حاكمُجوم في الوقت المُناسب، بِالجدار ثُم هَوَت على الأرض. كان جسدها مُشَوّهاً ومُلطخاً بالدماء، وتناثرت آثارٌ مُتفحمةٌ جَمّة على بشرتها. ولم تتبقَّ قِطعةٌ واحدةٌ من بشرتها لم يمسّها سُوء.
لم تكن قد فارقت الحياة بعد، بيد أنها فَقَدت وعيها جراء جُروحها البالغة. ورغم ذلك، استمرت في السُعال بينما كانت تتلوى في تشنجات، مُستنشقةً كَمياتٍ هائلةً من النيران العالقة.
كما كابد السوط الأسود ضرراً مُماثلاً. وبَرَزت شُقوقٌ عِدّة على سطحه، واشتعل شطرٌ صغيرٌ منه. ولم تنجُ أيٌّ من رصاصات المُتجاوزين التي كانت تحوزها من وطأة الانفجار.
لم تَعُد كاتي قادرةً على القتال.
أما هاراس فقد تدحرج في الوقت المُناسب لِحماية أجزاء جسده الحيوية، بيد أن جسده كان لا زال مكسواً بالكثير من الدماء واللحم المُتفحم.
وترنح حتى استقام واقفاً، لِيتبين أن ظهره، وربطة شعره، وساقيه كانت تضطرم بِنيرانٍ حمراء.
وغدا تنفسه أشد عُسراً، وتكبّد جسده إصاباتٍ بالغةً نسبياً.
بيد أن هذا كان كافياً لِلبُرهان على صلابة وبأس جسده. أو بِعبارةٍ أدق، إثر ارتدائه لِلقُفاز الحديدي الأسود، غدا جسده صلباً بِما يكفي، وبُنيته قويةً بِما يكفي!
غير أن هذا كان ضِمن حُدود توقعات كلاين.
ولِمَا كان يعجز عن تقييم قَدْر الضرر الذي يسع خصمه تكبده، فقد بالغ في تقدير بُنية عدوه إبان وضعه لِلخُطة.
وبِطَرَف عينه، أبصر هاراس أن كلاين لم يمسه أي سُوءٍ تقريباً. فتقلّصت حدقتاه وسارع بِمَدّ يده اليُسرى والإشارة نحو ذلك الاتجاه. وقال بِصوتٍ خفيض: «نفي!»
ومُجدداً، أخفق كلاين في المُقاومة ودُفِع بعيداً كقُصاصة ورقٍ في مهب إعصار. وحلّق خارج غُرفة الطعام. وفي الردهة بالخارج، وعقب الاشتعال الخاطف، كانت النيران قد خمدت بالفعل. وكانت موجةٌ أُخرى من الكوارث تتشكل جراء السُّلَّم الخشبي، بيد أن الضرر هُنا لم يكن بالغ الجَسامة لِأن القوة التدميرية لِلانفجار قد «اُحتُجِزت» في غُرفة الطعام.
اغتنم هاراس هذه الفُرصة، واستدار بغتةً وركض خارجاً دون أن يلتفت إلى الوراء.
ورغم أن ألسنة اللهب التي كانت تكسو جسده كانت لا زالت تضطرم، إلا أنه لم يُهدر أي وقتٍ لِلتعامل معها.
لقد كان يُدرك جلياً أنه في حالةٍ يُرثى لها وأنه يقف على شفا حُفرةٍ من فُقدان السيطرة. وعلاوةً على ذلك، فإن تأثيرات السُم ستبلغ أوجها عما قريب. وبِاقتران هذين العاملين، لم يعتقد بِأنه يحظى بِأي فُرصةٍ لِقهر المُتسلل. وسيكون الأمر سِيان حتى وإن حظي بِعون مُتجاوز المُتسلسلة السابعة، بليز، عند مدخل القبو!
كان هاراس على يقينٍ بِأنه لو طال أمد هذه المعركة، فإن المآل الأوحد الذي يترقبه هو تفاقم تأثير السُم أو فُقدانه لِلسيطرة جراء جُروحه!
وما إن حسم أمره بِالفرار، حتى فَقَد أي اهتمامٍ بِـ كاتي، التي كانت لا زالت على قيد الحياة.
وحينما أبصر كلاين، الذي كان قد ثَبّت جسده لتوّه تحت تأثير «النفي»، هذا المشهد. سارع بِرفع رأسه، وفتح فمه، وأطلق صرخةً تعجز الآذان البشرية عن التقاطها!
هُمّ!
شَعر هاراس بِموجةٍ من الدُوار، وتوقفت قدماه لِبرهة. وطَفِقت بشرته، التي كانت لا زالت في حالةٍ جيدةٍ نسبياً، تكتسي بِبُثورٍ شفافةٍ وكثيفة. لقد كانت هذه إحدى العلامات المُبكرة لِفُقدانه لِلسيطرة.
بيد أنه استعاد عافيته بِسُرعةٍ وواصل اندفاعه المَجنون، فاراً من المِساحة العُشبية لِلقصر.
‘إنه لَيستعصي على القتل حقاً…’ لم يقتفِ كلاين أثره، درءاً لِأي طارئ.
لقد تذكّر أن غايته الأسمى هي إنقاذ الضحايا وليس إبادة هؤلاء المُتجاوزين المُنحطين.
والأهم من ذلك، أنه كان قد استنزف قدراً هائلاً من طاقته وتكبد جُروحاً بالغة. فإن شرع في مُطاردته، فَلَرُبما يعجز عن ردع هُجوم هاراس المُضاد والمُستعر.
با!
فرقع كلاين أصابعه وأطلق رصاصةً هوائية.
ارتطمت الرصاصة بِرأس كاتي، واضعةً حداً لِمُعاناتها.
وإثر ذلك مُباشرةً، استدار كلاين وحلّق صوب مدخل القبو.
كان بليز، ذو اللحية الكثة، يُراقب الوضع في الخارج، بيد أنه لم يجرؤ على مُغادرة موقعه خشية أن يغتنم مُعاونو المُتسلل الفُرصة لِاقتحام القبو.
وفي هذه اللحظة بالذات، كان يَقْبِض على بُندقيةٍ بُخاريةٍ عالية الضغط وقد فَعّل ‹رؤية الروح› خاصته. لقد استبد به الرُعب جراء الدويّ الهائل وغدا مُتوتراً بِشكلٍ غير مألوف.
وإثر ذلك مُباشرةً، أبصر الطيف المهيب يُحلّق نحوه، ودون أي تردد، رفع بُندقيته وضغط على الزناد.
بام!
انبعث ضبابٌ أبيض من فُوهة البُندقية، وانطلقت رصاصةٌ ذهبيةٌ باهتةٌ ذات طرفٍ حادٍ إلى الأمام بِسُرعةٍ فائقة.
كان كلاين على أُهْبَة الاستعداد ولطالما ساوره حدسٌ بِذلك. وكان قد رسم مَساراً مُقوساً صغيراً قُبيل أن يُطلق بليز النار.
اخترقت الرصاصة البهو، وتجاوزت الباب الأمامي، ومضت إلى الخارج.
وفي الآن ذاته، اندفع بليز خارجاً من غُرفة الحراسة، قابضاً على بُندقيته البُخارية عالية الضغط واتخذ وضعيةً هُجوميةً بينما كان يتحرك بِسُرعةٍ صوب الباب.
لقد كان على يقينٍ بِأن المُتسلل، الذي تمكن من الإيقاع بِـ هاراس، وكاتي، وباركر، سيقوى على الإجهاز عليه بيُسرٍ أيضاً. وعلاوةً على ذلك، فإن جلبةً ضخمةً كهذه لا بُد وأنها قد استرعت اهتماماً بالغاً. ولم يكن يملك الجزم بِأن ‹المُعاقبين المُفوّضين› لن يقصدوا المكان لِاستكشاف الأمر. ولِذا، لم يكن أمامه من خيارٍ سِوى الفرار!
أطلق كلاين مُجدداً صرخةً خفية، مما جعل بليز يشعر وكأن أحدهم قد هوى على رأسه بِمِطرقة. ورأى النُجوم تتراقص أمام عينيه بينما انحدرت بضع قطراتٍ من الدماء من طرف أنفه.
بيد أن هذا لم يحل بين بليز وبين الفرار. فعقب إطلاقه النار على كلاين لِإعاقته، كان يركض بالفعل نحو البهو، مُتعثراً صوب الباب.
تردد كلاين لِبرهة، ثُم صَرَف النظر عن المُطاردة والقتال. وأغلق الصِمام الرئيسي، وتوجه إلى مدخل القبو، وفرقع أصابعه مِراراً وتكراراً.
بام! بام! بام!
انطلقت الرصاصات الهوائية صوب الجُدران الخفية، مُفككةً تعويذة ‹الاحتجاز› تدريجياً.
ولقد كان هذا أيضاً أحد الدوافع التي حدت بِكلاين لِلتجرؤ على إحداث انفجار غازٍ واستخدام ‹قارورة السُم البيولوجية›. ففي ظل تأثيرات تعويذة ‹الاحتجاز› الخاصة بِهاراس في القبو الكامن تحت الأرض، وما دام حاكمُجوم لم يكن مُباشراً، فلن يُساوره أي قلقٍ حيال إلحاق الأذى بِغير قصدٍ بِتلك الفتيات المسكينات.
دَمّر الأقفال وحلّق إلى داخل القبو، واهتدى أولاً إلى الزنزانة التي أُسِرت فيها ديزي بِناءً على الإلهام الذي استقاه من مَشاهد عِرافته السالفة. ثُم استوثق من أنها لم تُكابد أذىً بالغاً وأنها لا زالت تقوى على الحركة.
ثُم، استحال جسده إلى وهمٍ وذاب في الباب المعدني.
كريك! كريك! كريك! (صوت صرير أبواب)
انفتحت الأبواب الحديدية القابعة على أحد الجوانب بِسُرعة، واحداً تلو الآخر، وكأن طيفاً خفياً كان يركض لِفك أقفالها.
كريك! كريك! كريك!
وعقب الفراغ من أحد الجوانب، كرّر الأمر ذاته مع الجانب الآخر.
استبد الفزع بِـ ديزي والفتيات الأُخريات جراء الانفجار الذي وقع في الخارج. وبعد بُرهة، دُهِشت حينما ألفت أن باب زنزانتها قد انفرج لِسببٍ استعصى عليها فهمه. ورغم ذلك، لم يَلِج أحد. وساورها شعورٌ بِأنه يسعها المُغادرة في أية لحظة.
استجمعت بعض الفتيات، اللواتي لم يخضعن لِأي ترويضٍ لِأنهن اختُطِفن مُؤخراً، شجاعتهن، ونهضن، وسعين لِلركض صوب مَخرج القبو.
وعبرن البهو الذي لحق به دمارٌ طفيفٌ جراء الانفجار، وغادرن القصر المُشتعل الذي كانت حالته تزداد سُوءاً، راكضاتٍ بِسُرعةٍ مُتزايدةٍ صوب الحُرية.
وحينما بلغن الشارع، طرأت على ذهن ديزي والفتيات الأُخريات فكرة الالتفات إلى الوراء.
وبِالنظر إلى الوراء، بالكاد تسنى لهن تبين طيفٍ مهيبٍ ينتصب شامخاً فوق المبنى الشرير. كان يتدثر بِدِرعٍ أسودٍ كامل، ويعتمر تاجاً أسود.
ووش!
طَفِقت العِباءة المُنسدلة خلف الطيف ترفرف في صمت.
وبينما انحفر هذا المشهد في ذاكرتهن، قَصَدن كاتدرائيةً قريبةً في ظل افتقارهن لِلثقة في الشرطة.
وحينما عاد كلاين أدراجه إلى غُرفة الطعام المُشتعلة والتي يعبق فيها الدُخان، ألفى أن خصائص المُتجاوزين الخاصة بِـ باركر وكاتي قد طَفِقت تلوح للتوّ ببوادر الظُهور.
تفقّد الأغراض التي كانا يحملانها واستوثق من أن جُلّها قد دُمِّر. بل وحتى أموالهما قد تفحمت بالكلية.
وثب كلاين إلى الطابقين الثاني والثالث، باحثاً بِسُرعةٍ عن أي خيوطٍ ذات صِلة.
لم يسعَ لِاستخدام الوساطة الروحية، إذ كان يفتقر لِلوقت. واصطحابهم إلى ما فوق الضباب الرمادي لم يكن يتوافق مع مُتطلبات «إسدال سِتاره».
‘إن كان حتى زعيمٌ بسيطٌ قد أُجبِر على الحِفاظ على «السرية»، فمن المُؤكد أن هذه الشخصيات البارزة ستكون لها «قيودها» الخاصة. إنهم ليسوا مُرشحين مُلائمين لِإجراء الوساطة الروحية كما يحلو لي. وعلاوةً على ذلك، فإن سلسلة الإجراءات المطلوبة سلفاً مُرهقةٌ للغاية، ومُعقدة، ولا تتلاءم مع الموقف الراهن الذي أجد نفسي فيه…’ أنهى كلاين تحقيقه خاوي الوفاض، بيد أنه التقط رُزمةً من بطاقات التاروت.
وعاد أدراجه إلى غُرفة الطعام المُدمرة والمُتفحمة، واستل كافة بطاقات الأركانا الكُبرى من رُزمة التاروت ومشى صوب جُثة كابيم.
ثُم، انتقى خِصّيصاً اثنتين منها ونثر ما تبقى على جسد كابيم.
وعقب الفراغ من ذلك، غطى عينيّ كابيم بِبطاقتي التاروت اللتين انتزعهما خِصّيصاً. وكانتا مَقلوبتين لِتُظهرا وجهيهما الرئيسيين.
وبِحُلول ذلك الوقت، كانت خصائص المُتجاوزين الخاصة بِـ باركر وكاتي قد بَرَزت.
…
وبعد انقضاء عشرات الثواني، تجلّى بابٌ وهميٌّ مكسوٌّ بِرُموزٍ مُعقدةٍ في مُنتصف الهواء خارج القصر.
انفرج الباب دون أي صوت، وخطا منه رجلٌ وسيمٌ يتدثر بِبِدْلَةٍ أنيقة. لقد بدا وكأنه في العقد الخامس من عُمره—ناضجٌ ويتمتع بالوقار.
وكان يحظى بِزوجٍ من العُيون الذهبية، وبِلمحةٍ واحدةٍ من وجهه، صوّب نظره نحو غُرفة الطعام الغارقة في أتون النيران.
وفي هذه اللحظة، هبّت عاصفةٌ قوية، وحلّق طيفٌ بِسُرعةٍ فائقة.
لقد كان رجلاً مُسناً يعتمر قُبعةً ناعمة. وكانت عيناه الفضيتان تفيضان بِجديةٍ غير مألوفة. وكان يتدثر بِرداءٍ أسود طُرِّز عليه شعار ‹سيد العواصف›. ولم يكن سِوى الكاردينال لِـ ‹كنيسة سيد العواصف›، رئيس أساقفة باكلاند، ‹مُغني تعاويذ الحاكم›، آيس سنيك.
«ما الذي أتى بك إلى هُنا؟» سأل آيس بِصوتٍ عميق.
كانت أي أُمورٍ تمتّ لِلمُتجاوزين بِصِلةٍ في حي شيروود تقع ضِمن نِطاق صلاحيات ‹كاتدرائية ريح القُدس›، ولِذا كان يحق له طرح هذا السؤال.
اكتست ملامح الرجل الوسيم بِبعض الكآبة وهو يُجيب: «أنا أقطن في الجوار.»
لقد كانا على مَقربةٍ من حي ويست بورو.
لم ينبس الاثنان بِبنت شفةٍ أُخرى. وهبطا على الأرض في آنٍ واحدٍ وولجا موقع الانفجار. واندلع إعصارٌ عنيفٌ وكنس ألسنة اللهب، قاذفاً إياها صوب النافورة الاصطناعية في الخارج.
وبدا وكأن الرياح تنبض بالحياة والذكاء بِمُفردها.
وحينها، أبصر طيفا نصفيّ الحاكم كاتي، التي أُصيبت في رأسها وتفحم لحمها، وباركر، الذي كان مُشتبكاً مع شخصٍ آخر بينما انهار رأسه وتصدع. كما أبصرا كابيم، الذي كان مُغطىً بِبطاقات التاروت، فضلاً عن بطاقتي الأركانا الكُبرى على وجه مُهرب البشر.
لقد كانتا بطاقتي «الحُكم» التي تُصوّر ملاكاً ينفخ في بُوقٍ عظيم، و«الإمبراطور» المُتدثر بِالدِرع والمُتَوّج!
وفي الآن ذاته تقريباً، استشعر الكاردينال سنيك والرجل الوسيم أمراً ما وأدارا رأسيهما لِيرمقا الخارج.
فاكتشفا طيفاً مهيباً يتدثر بِدِرعٍ أسود وتاجٍ أسود يقف على سطح المنزل المُجاور لِلقصر.
أومأ الطيف بِرأسه قليلاً، ورُفِعت عِباءته.
ثُم، ودون أي سابِق إنذار، توارى عن الأنظار، تحت أنظار مُتجاوزيّ المُتسلسلات العُليا مُباشرةً.

تعليقات الفصل