تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 383 : العودةُ إلى الديار

كادت أودري أن توقن بِأن هذا لَمن صنيع عابد السيد ‹الأحمق› حينما طَرَق مسمعها وصف ذلك المشهد المألوف.

وشعرت بغتةً بانغماسٍ عميق، ومُشاركةٍ وجدانية، وزهوٍ يغمر قلبها.

‘لقد كان مُهرب بشرٍ تلطخت يداه بِالدماء والشرور… بطاقة ‹الحُكم› تُمثّل القصاص العادل الذي طاله بِاسم العدالة. أَهَلِ كان الحُكم هو الشنق، أم قطع الرأس، أم الحرق على الخازوق؟ يُفترض أن تكون بطاقة ‹الإمبراطور› رمزاً لِهُوِيّته… أَهَلِ هذا هو العابد الذي تسلل إلى المتحف الملكي واستولى على بطاقة ‹الإمبراطور المظلم›؟’ أطلقت أودري العنان لِمُخيّلتها لِبرهة.

لقد كانت تعتزم الإلحاح في السؤال لِلظفر بِمزيدٍ من المعلومات والتفاصيل الدقيقة، بيد أنه، ومن تعابير وجه والدها، ونبرة صوته، ولون مشاعره، أدركت أنه لا زال يجهل حقيقة ما يجري. ولِذا، لم يكن أمامها سِوى كبح جِماح فُضولها وعقدت العزم على سؤال صديقها المُقرب، كانس ليرسن، من الـ ‹إم آي 9› (المخابرات العسكرية).

‘ورغم أن سؤالي لِـ كانس مُباشرةً حيال الأمر سيتوافق مع صورتي في هذا الصدد، إلا أنه سيظل مُفاجئاً إلى حَدٍ ما. كما أنه سيتعارض مع مَقامي كنَبِيلة. همم… سأُوعز لِـ آني بِتجهيز بضع دعواتٍ لِحفل شاي ما بعد الظهيرة، وسأبعث بها مُنفصلةً إلى غلينت، وكانس، وموراي، وكريستين، وجين، والآخرين… جُلّهم يُكنّون شغفاً بِعُلوم التصوف، لذا سيسترعي انتباههم شخصٌ يُعرف بِـ ‹البطل القاطع الإمبراطور المظلم›. وبِتوجيهٍ مني، سيسعهم مُعاونتي في طرح أسئلةٍ جَمّةٍ كان لِيَشق عليّ طرحها… لقد حُسِم الأمر…’ استعادت أودري تركيزها وطَفِقت تقضم إفطارها.

لقد كانت تُؤمن بِأن عُباد السيد ‹الأحمق› لم يكونوا لِيُجهزوا على كابيم بِمُجرد الرغبة في مُعاقبة الشر فحسب، إذ أن ذلك لا يتوافق مع هُوِيّته ومكانته. وبطبيعة الحال، لو كانت أودري لا زالت تِلك الفتاة الساذجة التي انضمت لتوّها إلى نادي التاروت قبل بضعة أشهر، لَكانت قد ارتضت بِتفسيرٍ كهذا بلا ريب؛ ولولا ذلك، لَمَا اختارت بطاقة ‹العدالة› كرمزٍ لها.

وعقب مُشاركتها في تجمعاتٍ عِدّة ومُعاينتها لِأمورٍ جَمّة، شعرت بِأنها قد نضجت كثيراً ولم تعد تِلك الفتاة البريئة. لقد أيقنت أن ثمة دوافع أشد أهميةً وجوهريةً تكمن وراء هذا الأمر، كحاكم شريرٍ أو مُنظمةٍ سريةٍ تورط معها كابيم.

‘أحدوني الأمل في أن يجود عليّ كانس بِمُعلوماتٍ ذات نفع،’ فكرت أودري في ترقب.

شارع مينسك رقم 15. كان كلاين يتلذذ بِتناول الخُبز الأبيض مع المُربى ويُقلّب صفحات صُحف اليوم.

«ماذا؟ خزنة؟» وبينما كان يقرأ، كاد أن يغُصّ بِريقه.

‘لم أكن أنا… لم أفعل… كُفوا عن التفوه بِحاكمُراء…’ وفي مُخيّلته، دحض كلاين على الفور، ولِثلاث مرات، الوصف الذي زعم استيلاءه على كُل ما تحويه الخزنة.

لقد كان الموقف عسيراً، وبُغية الظفر بِخيوط، جُلّ ما فعله هو التوغل في الخزنة لِيرى ما إذا كانت تحوي أي وثائق هامةٍ أو أدلةٍ رغم عُثوره عليها. لم يأخذ أي شيء، وسُرعان ما غادر الخزنة ومضى إلى غُرفةٍ أُخرى.

وبطبيعة الحال، فإن كلاين، في حالة جسده الروحي، كان قد كابد بعض الضرر أيضاً جراء انفجار الغاز، مما أدى إلى تقلص إجمالي وزن الأغراض التي يسعه حملها بِشكلٍ كبير. لم يكن في الخزنة سِوى سبائك ذهبية، ومُجوهرات، وسندات ملكية أراضٍ ومنازل، وتُحفٌ أثرية، وأغراضٌ أُخرى، والتي إما كان من العسير عليه حملها، أو استعصى عليه إيجاد سبيلٍ لِـ «غسلها» (تبييضها).

‘لربما يحوز على بقعةٍ مُخصصةٍ لِلنقد فحسب، بيد أنني، ولسوء الطالع، لم أعثر عليها، ولم أملك من الوقت ما يكفي لِلبحث عنها…’ تمتم كلاين في قرارة نفسه بصمت، مُتيقناً من أن المُحققين اللاحقين هُم من تقاسموا كُل مُحتويات الخزنة.

رمق الصحيفة، وارتشف جُرعةً من شاي سيب الأسود، وزفر أنفاسه بِبُطء. وابتسم في قرارة نفسه.

‘البطل القاطع الإمبراطور المظلم… يروق لي هذا اللقب…’

وعقب الإفطار، ارتدى كلاين مِعطفه الأسود المُزدوج الصدر وقُبعته النصف عالية، وقَبَض على عصاه السوداء الصلبة. وفتح الباب وغادر شارع مينسك قاصداً زُقاق الفأس المكسور على تُخوم حي إيست بورو.

لقد كانت تِلك هي البقعة التي توارت فيها ديزي عن الأنظار.

وبعد أن رسم خُطوط خُطته بالأمس، وقُبيل شُروعه في عمليته، كان قد تعمد القيام بِرحلةٍ إلى زُقاق الفأس المكسور لِلبحث عن الخيوط بِجدية. طَرَق أبواب المنازل المُجاورة واستفسر عما إذا كانوا قد لمحوا أي فتياتٍ يُشبهن ديزي.

ورغم أن كلاين لم يكن يُؤمن بِأن المُتجاوزين الرسميين سيظنون أن عائلةً فقيرةً تقوى على استئجار «بطلٍ قاطع» يتمتع بِقُوةٍ تُضاهي المُتسلسلة السادسة على أقل تقدير، وكان على يقينٍ بِأن الاحتمال الأرجح هو توجيه التحقيق نحو الأسرار التي تورط فيها كابيم، مُدعماً بِـ «من كان يتقصى أثر كابيم مُؤخراً»، وسائر التحقيقات المُحيطية، إلا أنه آثر بِحذرٍ تقديم عرضٍ مسرحيٍّ وبذل قُصارى جُهده لِتأدية الدور بِأكمله. ‘ماذا لو فَقَد أحدُ المُتجاوزين المُنفذين لِلقانون صوابه واعتزم إجراء تحقيقٍ مبدئيٍّ في هذا الصدد؟’

‘قد تحوز بعض العائلات على بعض المُدخرات وتتمكن من استئجار مُحققين آخرين. وإن احتمالية الاشتباه بِشخصٍ طيب القلب مِثلي قَبِل القضية بالأمس فحسب لَتُعدّ ضئيلةً للغاية. وما دُمتُ بمنأىً عن الشُبهات، فلن يعمدوا لِمُقارنة أدائي بِقضية لانيفوس السالفة… وعلاوةً على ذلك، فإن ‹صقور الليل› هُم من تولوا زمام الأُمور سلفاً وحظوا بِمُعاونةٍ من القسم الخاص في الجيش. أما قضية كابيم فقد وقعت في حي شيروود، لذا فإن من سيتولى القضية هُم على الأرجح ‹المُعاقبون المُفوّضون›. ولن يكون التواصل بين المجموعتين بِتلك السلاسة… همم، كاتي وباركر ينتميان لِمسار ‹الحَكَم›. لستُ أدري ما إذا كان الجيش سيتدخل…’ وبِصفته أحد ‹صقور الليل› السابقين، كان كلاين يحظى بِإلمامٍ كافٍ بِطُرق عمل مُختلف المُنظمات الرسمية، وأساليب عملهم، وعاداتهم في التحقيق.

‘بِعبارةٍ أبسط، أنا أحوز على قُدراتٍ فذةٍ لِمُناهضة التحقيق…’ أطلق كلاين ضحكةً ساخرةً من نفسه وهو يستقل عربة.

لقد كان بصدد مُواصلة تحقيقه في قضية اختفاء ديزي.

ففي نهاية المطاف، لم يكن سِوى مُحققٍ خاصٍ عاديٍّ أخفق في الاستوثاق مما إذا كان اختفاء ديزي يَمُتّ بِصِلةٍ لِـ كابيم.

وفي التاسعة صباحاً، عادت ديزي أدراجها إلى الشُقة المُستأجرة المُتهالكة تحت حِراسة ضابط الشرطة المسؤول عن الحي.

وإلى جانب بضع فتياتٍ مسكيناتٍ مِثلها، نُقِلْنَ إلى شتى الكاتدرائيات في حي شيروود ليلة البارحة وخضعن لِلاستجواب المُناسب. وتضمن ذلك ما عاينّه إبان فرارهن، وما أبصرنه حينما التفتن إلى الوراء، وأين يقطنّ، وما هي أوضاع عائلاتهن، وما إذا كُنّ يعرفن أي أصدقاءٍ يتسمون بالغرابة، وما إلى ذلك.

وأجابت ديزي، التي كانت لا زالت ترزح تحت وطأة الذُعر والخوف المُتبقي، على الأسئلة بِصدق.

وعقب ذلك، لم يقصدها أحدٌ مُجدداً.

غطّت في نومها طيلة الليل وأُعيدت إلى حي إيست بورو في الصباح الباكر، حيث سُلِّمت لِضابط الشرطة ذي الملامح الشرسة الذي طالما ألفته.

وفي طريقها، لم تجرؤ ديزي على النُطق بِبنت شفة. ارتجفت رُعباً، ولم يغمرها الشعور ببعض الطمأنينة إلا حينما ولجت الشُقة التي تقطن فيها.

وما إن خطت عَبْر الباب، وقبل أن يتسنى لها العُثور على والدتها وشقيقتها وسط الثياب المُبللة المُعلقة، طَرَق مسمعها صرخة.

«ديزي!»

توقفت فريجا عما كانت تفعله، وكظبيٍ رشيق، اندفعت عبر الثياب المُعلقة في الهواء والأغراض المُتناثرة عشوائياً على الأرض. وهرعت صوب الباب وعانقت شقيقتها بِقُوة.

ثُم أفلتت يدها، وبينما كانت الدموع تنهمر على وجنتيها، رمقت ديزي بِمزيجٍ من المُفاجأة السارة والقلق.

«أأنتِ بِخير؟

«إنه لَأمرٌ رائعٌ أن تعودي أخيراً!»

ونهضت ليف أيضاً من خلف حوض الغسيل. ومسحت يديها بِثيابها وسألت وهي تفرك عينيها: «ديزي، أين كُنتِ في غُضون الأيام القليلة المُنصرمة؟»

وفي تِلك اللحظة، قاطعها ضابط الشرطة: «لقد تعرضت للاختطاف. ونحن من أنقذها.»

«أشكركم، أشكركم! أنتم عـ-عظماءٌ جداً!» ذرفت ليف الدموع واستخدمت صفةً عشوائية.

سعل الشُرطي بِخفةٍ وقال: «هذا واجبنا… أَهَلِ صادفتُم أي شخصٍ غريبٍ في غُضون الأيام القليلة المُنصرمة؟»

بُهِتت ليف لِثانية. وتحدوها الآمال في ألا تتورط في أمورٍ جَمّةٍ أو تقع في أي مأزق، قالت: «كلا، لم نفعل حقاً.»

لوّح الشُرطي بيده وقال: «تَوَخّي المزيد من الحذر في المُستقبل! وإياكُنّ وسُلوك طُرقٍ مُختصرةٍ ومهجورةٍ مُجدداً!»

ولم يطق صبراً على الرُطوبة ومزيج الروائح، فاستدار وغادر.

رمقت ليف ابنتها مُجدداً. وخطت بِخُطىً واسعةٍ نحوها ومسحت يديها بِجانب ثيابها قبل أن تُعانق ديزي.

«من الجيد أنكِ عُدتِ. من الجيد أنكِ عُدتِ…» تمتمت من بين دُموعها، دون أن تسأل عما إذا كانت ديزي قد كابدت أي أذى.

استرخت ديزي وطَفِقت تنشج.

وإلى جوارها، كانت فريجا تبكي هي الأُخرى. ومَدّت ذراعيها وعانقت والدتها وشقيقتها على التوالي.

وبكت الثلاث لِبعض الوقت قبل أن يفترقن.

مسحت ليف عينيها مُجدداً وقالت: «اغسلي الثياب أولاً؛ لا زال هُناك الكثير منها.»

أومأت ديزي، التي أُنقِذت لتوّها، برأسها وسُرعان ما انغمست في عملها المُضني.

ولم يتسنّ لِـ ليف أن تسأل أخيراً إلا عند الظهيرة، بينما كُنّ يقضمن خُبزهن الأسود ويرتشفن ماءً عادياً بالكاد يُمكن اعتباره شاياً: «ديزي، أَهَلِ كابدتِ أي أذى؟»

هزّت ديزي رأسها.

«لقد اكتفوا بِضربي لِبضع مراتٍ فحسب.»

«هذا رائع! أَهَلِ أنقذتكِ الشرطة؟ لقد أبدى مُحققٌ طيبٌ استعداده لِلمُعاونة في البحث عنكِ بالمجان بالأمس، وها أنتِ تعودين أدراجكِ اليوم. آه، إنه لا زال يحتفظ بِدفتر مُفرداتك،» ذكرت فريجا بِصُورةٍ عابرة.

وقالت ليف، التي كانت مُتأهبةً بالفعل: «سأُوعز لِكولر العجوز بِاسترداده وإبلاغ المُحقق بِعودتكِ لِئَلا يُرهق نفسه في هذا الأمر. ومَهما يكُن من أمر، يتعين علينا شُكره مُجدداً.»

شعرت ديزي بالارتياح وهي تُجيب على سُؤال شقيقتها: «كلا، لم تكن الشرطة. لقد وقع انفجارٌ مُباغت، وانفرجت الأبواب التي كانت تُبقينا حبيساتٍ بِصُورةٍ غريبة، فاكتفينا بالركض إلى الخارج. بيد أنني أبصرت نبيلاً أو سيدةً على السطح.

«كان يتدثر بِدِرعٍ أسود، وخوذةٍ تُشبه التاج، وعِباءة. ووقف هُناك يُراقبنا في هُدوء. ولم يعمد أيٌّ من أولئك الأشرار لِإيقافنا أو مُطاردتنا.»

وبِصفتها مُوجهةً في المدرسة المجانية، كان جلياً أن ديزي تحوز على حصيلةٍ من المُفردات تفوق والدتها، ليف، بِأشواط.

«شخصٌ يتدثر بِثيابٍ كهذه هو من أنقذكِ؟» أجابت ليف في دهشة. وإلى جوارها، انتظرت فريجا الإجابة بِفُضول.

أومأت ديزي برأسها بِجديةٍ وقالت: «أجل، إنه يـ-يُشبه ما يتغنى به الشُعراء…

«بطل!»

‘بطل…’ قلّبت فريجا الكلمة في ذهنها، وعيناها تلتمعان كالنُجوم.

وفي غُرفةٍ سريةٍ ما، كانت زُمرةٌ من الأشخاص تعكف على مُقارنة قضية لانيفوس بِقضية كابيم بِعنايةٍ مُستعينين بالمعلومات التي وُضِعت بين أيديهم بينما كانوا يبحثون عن أوجُه الشبه بين الدوافع وأساليب التنفيذ.

«لا يسعنا الربط بين الأمرين البتة. القاسم المُشترك الأوحد بينهما هو الشر، أو بِعبارةٍ أدق، هزيمة الشر. لقد أرسى مالك بطاقة التاروت دعائم العدالة،» هتف أحدهم.

«يُمكن الجزم بِأن القضيتين لم تتورط فيهما ذات الشخصية. فالبون الشاسع في القوة جليٌّ للعيان، وما يبرعان فيه أشد تبايناً. ورغم أنه من المُحتمل أن تكون مُتسلسلتهما قد ارتقت، إلا أن قاتل كابيم كان طرازاً من الأطياف، أو شخصاً يقوى على التبديل إلى حالة المُتسلسلة. وهذا ليس بِالأمر الشائع.» حظي تحليل شخصٍ آخر بِتأييد الغالبية.

ولِذا، خَلُص الشخص الذي دعا لِلاجتماع إلى: «قضيتان، شخصان مُتباينان، بيد أنهما كِلاهما ألقيا بِبطاقات تاروت. لربما كان الأخير يقترف جريمةً تقليدية (مُحاكاة)، وإن كان الأمر كذلك، فيسعنا توجيه أنظارنا صوب الأشخاص الذين على درايةٍ بِقضية لانيفوس. والاحتمالية الأُخرى هي وُجود مُنظمة!

«مُنظمةٌ تتخذ من بطاقات التاروت رمزاً لها!»

التالي
383/819 46.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.