الفصل 394 : مَشاهدٌ في عالم الأرواح
كان كلاين يُدرك جلياً السّر وراء رمق الآنسة ‹عدالة› له بِنظراتها. فبِناءً على إلمامها بِقضية لانيفوس، كانت على يقينٍ تامٍ بِأنه قد خاض صِراعاتٍ جَمّة، سواءً في العلن أو في الخفاء، بينه وبين ‹المنشئ الحق›، وأنه من البديهي أن يحوز على الأغراض المُقابلة لِذلك، ولربما حتى عدداً لا بأس به منها.
‘من الناحية المنطقية، لا غُبار على تفكيرها. وفي واقع الأمر، لقد تقاطعت سُبلي مع ‹المنشئ الحق› لِمراتٍ عِدّة، وأنا أحوز حقاً على غرضٍ يتوافق مع تِلك الأوصاف…’ تنهد كلاين في قرارة نفسه.
ولم يكن ثمة شكٌّ في ضرورة مُعاونة ‹الشمس› الصغير. فـ ‹الأرض المنبوذة من الحاكمة›، حيث تقبع مدينة الفضة، تعجّ بِالوحوش، مما يُتيح جمع العديد من المواد التي تُعدّ نادرةً في القارتين الشمالية والجنوبية. وعلاوةً على ذلك، فهم يحظون بِتاريخٍ مُتصلٍ لم تطله يد التحريف من قِبل أيٍّ من الحاكمة أو الكنائس. لقد بَاحوا بِأكثر القصص والأسرار موضوعيةً لِما قبل الكارثة الكبرى، وكانت المعارف المُرتبطة بِها بالغة النفاسة. وسواءً أكان ذلك من منظور كونه زعيماً لِنادي التاروت، أو بمُجرد النظر في مصالحه الشخصية، لم يكن كلاين يبتغي التخلي عن ‹الشمس› الصغير أو مدينة الفضة ما لم يكن الأمر ميئوساً منه بالكلية.
بيد أنه كانت هُناك أُمورٌ بعينها لم يكن من المُناسب لِلسيد ‹الأحمق› أن يبوح بها علانية.
وبينما كانت أودري ترمق السيد ‹الأحمق›، المُتدثر بِضبابٍ رماديٍّ كثيف، بِنظراتٍ تفيض بالترقب، فتح ‹العالم›، الذي لاذ بالصمت طوال هذا الوقت، فمه أخيراً.
«أنا أحوز على غرضٍ يحوي الفساد العقلي لِـ ‹المنشئ الحق›.»
لقد كان يُشير إلى ‹العين حالكة السواد› التي خلّفها ‹سيد الدمى الرشيقة› روزاغو وراءه.
‘غرضٌ يحوي الفساد العقلي لِـ ‹المنشئ الحق›؟’ فكر ألغر وهو يُرتب كلماته. «قد يُسدي هذا عوناً لِـ ‹الشمس›. فما إن يستشعر أعضاء فريق الاستكشاف أُولئك، الذين تشوهت أفكارهم ووُجهات نظرهم، البصمة العقلية لِـ ‹المنشئ الحق›، فمن المُرجّح جداً أن يتحوروا في أماكنهم في التوّ واللحظة.»
رمق ‹العالم› ‹الشمس› وضحك بِصوتٍ أجشّ.
«أيها الفتى، يسعني إعارتك ذلك الغرض، بيد أنه بِمَ ستقايضه؟»
وعقب أن لاح له بصيص أمل، تسابقت الأفكار في عقل ديريك، وتذكّر بغتةً ما جرى إبان التجمعات السالفة وسارع بالقول: «يسعني مُعاونتك في العُثور على خصائص ‹الظل المكسو ببشرة إنسان›، والغدة النخامية المُتحورة ودماء ‹الصياد ذي الألف وجه›. ويسعني أيضاً السعي لِلظفر بِوسيلة إزالة الفساد العقلي من غرضٍ خلّفه ‹هائج› (فاقد السيطرة) وراءه. وأيُّها أظفر به أولاً سأتخذه ثمناً لِلمُقايضة.»
ومن بين كُل الخيارات، كان ‹الظل المكسو ببشرة إنسان› هو الأيسر مُصادفةً نسبياً. لقد كان أحد أشد الوحوش رُعباً في غياهب الظلام.
وفي تِلك اللحظة، لم يُعِر ديريك مسألة تكافؤ المُقايضة أي اهتمام. ورغم أن إعارة غرضٍ مُلوثٍ بفساد ‹المنشئ الحق› لِمرةٍ واحدةٍ لم تكن لِتُعادل في قيمتها الشُروط التي طرحها، إلا أنه، وفي ظل الظُروف الراهنة، كان على استعدادٍ لِلصرّ على أسنانه وقُبول أي ثمنٍ باهظٍ قد يعرضه ‹العالم›. ولِذا، كان من الأجدر به المُبادرة بِإبداء صِدق نواياه.
أومأ ‹العالم› برأسه قليلاً.
«رائعٌ جداً، سألتمس عون السيد ‹الأحمق› لِإعارته لك.»
وبينما كان يتحدث، أظهر هيئة ‹العين حالكة السواد› وأضاف: «إنه يُعادل مُتجاوزاً من المتسلسلة الخامسة. وإن فقدته، فسيتعين عليك تعويضي عنه. وعلاوةً على ذلك، وما إن ينقضي هذا الأمر، احرص على إعادته إليّ.»
لقد كان هذا هو ما استعصى على كلاين البوح به بِصفته ‹الأحمق›. فلو أن كِياناً يُقارب مرتبة الحاكمة مِثله ظل يُلحّ في الحديث عن «التعويض» و«تذكر أن تُعيده إليّ»، لَانهارت المكانة التي أرساها لِنفسه بالكلية.
وبالإضافة إلى ذلك، أخذ كلاين في الحُسبان المخاطر الكامنة التي قد تبرز في المُستقبل.
فـ ‹العين حالكة السواد› وسائر الأغراض الأُخرى كانت جميعها أُموراً استخدمها في عالم الواقع. وإن قُدّر له أن يضم عُضواً جديداً يُلمّ بِهذا الأمر، فَلَرُبما تسنى لهم الاستوثاق من أُمورٍ بعينها بِناءً على هذه النُقطة. ولِذا، فإن إتاحة الفُرصة لِـ شيرلوك موريارتي لِيُعادل ‹العالم› كانت جلياً أفضل بكثيرٍ من أن يُعادل شيرلوك موريارتي ‹الأحمق›.
‘حينما تعجز قُوتك عن مُضاهاة مَكانتك، فلن يكون أمامي سِوى الارتجاف فزعاً، وكأنني أطأ جليداً رقيقاً أو أقف على شفا هاوية…’ تنهد كلاين في صمت.
ولمّا أبصر أن السيد ‹الأحمق› لم يرفض طلب ‹العالم›، ولم يُشر إلى أي مُعضلاتٍ قد تشوب الصفقة، تنفس ديريك الصعداء وسارع بالمُوافقة على كافة المطالب.
وفي الآن ذاته، غمر أودري سُرورٌ صادقٌ لِأجل ‹الشمس› الصغير.
استغرق ألغر في التفكير لِبرهةٍ قبل أن يزفر تنهيدة. ثُم قال لِـ ‹الشمس› بِنبرةٍ مُتزنة: «لا تُفرط في التفاؤل. فكيفية اقتناص هذه الفُرصة لا زالت تقتضي تنظيماً مُحكماً. بادئ ذي بدء، يتعين عليك انتقاء الوقت المُلائم، ودون أن تُلقي بِنفسك في التهلُكة، احرص على تواجُد عُضوٍ واحدٍ فحسب من فريق الاستكشاف بينما يطوقه عِدّة مُواطنين من مدينة الفضة، أو حينما يكونون جميعاً في حالة عزلٍ وختم… يتعين عليك الاستعانة بِجدارٍ من الروحانية لِختم الوعاء الذي يحفظ الغرض المُلوث سلفاً وألا تدع أحداً يلحظه. وبِذلك، سيسعك التحكم في مُجريات الأُمور… وعلاوةً على ذلك، عليك أن تُقلّب في ذهنك كيفية إخفاء ذلك الغرض عقب انقضاء الأمر. إياك وأن تدع المجلس السُداسي يكتشف أمره؛ وإلا، فلن تُفلح أبداً في تبديد الشُكوك التي تحوم حولك…»
‘إن لَقِي وغدٌ يسهل خِداعه كهذا حتفه، فسيكون من العسير عليّ الظفر بِأي معلوماتٍ إضافيةٍ حول ‹الأرض المنبوذة من الحاكمة› أو أسرار العُصور العتيقة…’ لم يجد ‹المشنوق› غضاضةً في عرض مُعاونته.
وبِفضل توجيهاته، تبلورت في ذهن ديريك تدريجياً خُطةٌ مُتكاملةٌ وبضع نِقاطٍ جوهريةٍ يتعين عليه وضعها في الحُسبان.
«أشكرك، أيها السيد ‹المشنوق›. أشكركم، أشكركم جميعاً،» أعرب عن خالص امتنانه لِكل عُضوٍ في التجمع. مما بَعَث في نفس أودري شعوراً بالرضا لِإقدامها على فِعلٍ حميد.
وبلغت مسألة ‹الشمس› خواتيمها عند هذا الحد، وفورس، التي عاينت كُل ذلك، طرأت على ذهنها فكرةٌ بغتةً.
مررت يدها في شعرها الطويل المُجعّد بعض الشيء وقالت: «أبتغي الإلمام بالعائلة التي يُدين لها مسار ‹المُبتدئ› بالولاء. وأنا على استعدادٍ لِمُقايضة ذلك بِأحد فُصول ‹مَشاهد في عالم الأرواح›. ورغم أن المُحتوى يُعدّ في ظاهره هذيانات حالم، إلا أن حشداً جَمّاً من الأُمور الموصوفة فيه قد ثبتت صحتها من خِلال تجاربي في وُلوج عالم الأرواح.»
لقد كان ‹مَشاهد في عالم الأرواح› أحد دفاتر مُلاحظات عُلوم التصوف التي خلّفتها السيدة أوليسا لها. لقد كان منطق المُحتوى مُفككاً، وسخيفاً، ومُجرد مُطالعته كانت كفيلةً بِإثارة الغيظ. بيد أنه، وحينما ولج جسدها عالم الأرواح وغادره لِثلاث مراتٍ لِدوافع شتى، أدركت فورس أن السجلات المُدونة في دفتر المُلاحظات لربما لم تكن مُجرد هذياناتٍ مَحضَة.
‘مَشاهد في عالم الأرواح؟’ مال كلاين لِلوراء قليلاً بينما كان يُحكم سيطرته على ‹العالم› لِيُجيب قبل ‹المشنوق›.
«أنا أُلمّ بالإجابة، ويسعني أن أمنحكِ بعض المعلومات المُقابلة بِالمجان.»
لقد كان يُدرك جلياً أن ‹المشنوق› يسعه أيضاً الإجابة على أسئلة ‹الساحر›.
‘من السُوء أن تُجابه مُنافسة؛ ولِذا يتعين عليك أن تُرفقها بِهدايا مجانية…’ سخر كلاين في قرارة نفسه بصمت.
«حسناً.» غمر فورس موجةٌ من الحُبور.
لقد اكتشفت أن نادي التاروت كان حقاً أرفع شأناً بِكثيرٍ من سائر دوائر المُتجاوزين الأُخرى التي انخرطت فيها سلفاً. فكثيرٌ من الأسئلة الشائكة كان يُمكن العُثور على إجاباتها هُنا.
وفي تِلك اللحظة، سأل ‹العالم› بِصوتٍ خفيض: «أترغبين في سماع الإجابة لِنفسكِ فحسب أم تودين أن يسمعها الآخرون أيضاً؟»
استغرقت فورس في التفكير لِبضع ثوان، ثُم باغتت أودري والآخرين بِإجابتها.
«اجهر بها هُنا فحسب.»
فمن منظورها، فإن الإجابات على أسئلتها الخاصة لم تكن لِتُسدي نفعاً كبيراً لِلآخرين، ولم يكن ثمة ضيرٌ في معرفتهم بِها، وإن كان السيد ‹العالم› قد أغفل أمراً ما، أو قدّم وصفاً مُبتسراً، وصادف أن أحدهم يُلمّ بالمُحتوى المُقابل، فحينها سيسعها استخدام ذات الفصل من ‹مَشاهد في عالم الأرواح› لِلظفر بالصورة الكاملة.
لقد ارتأت أن هذا كان الخيار الأنجع.
لم يُبدِ ‹العالم› أي اندهاشٍ وقال بِصوتٍ خفيضٍ وأجشّ: «في الحقبة الرابعة، كان مسار ‹المُبتدئ› يخضع لِسيطرة عائلة إبراهيم. ولاحقاً، امتد لِيشمل عائلة تامارا التي ارتبطت معها بِأحلاف مُصاهرةٍ لِفتراتٍ طويلة. وفي الحقبة الخامسة، وهي حقبتنا الراهنة، تحوز ‹نظام الثيوصوفيا (الحكمة السامية)› أيضاً على وصفتيّ جُرعتيّ ‹المُبتدئ› و‹سيد الحيل›. ويُشاع على نِطاقٍ واسعٍ أنهم يَمُتون بِصِلةٍ لِعائلتيّ إبراهيم وتامارا. وبطبيعة الحال، ثمة أيضاً من يُساورهم الشك في أن ‹نظام الثيوصوفيا› ليس سِوى واجهةٍ تتخفى خلفها ‹طائفة الشيطانة›.»
ولِمَا كانت الآنسة ‹ساحر› قد التقت بالفعل بِأعضاءٍ من عائلة إبراهيم، أضاف كلاين عَبْر ‹العالم›: «يُشاع أن عائلة إبراهيم قد كابدت لعنةً في سُلالتها طوال هذا الوقت. ولم يكن أمامهم من خيارٍ سِوى الإقامة بِمُعزلٍ عن بعضهم البعض درءاً لِلخطر.»
‘لعنةٌ في السُلحاكم؟’ اتسعت عينا فورس حينما تذكرت ما جابهته.
‘زوج السيدة أوليسا كان ينتمي لِعائلة إبراهيم، وذلك السيد لورانس هو أيضاً فردٌ من عائلة إبراهيم؟ أهذا هو السّر وراء قولها بِأنه ما دام المرء لا ينتمي لِلعشيرة، فلن يطاله أذى اللعنة. بيد أنني استخدمتُ السوار، وهو يعود لِعائلة إبراهيم؟’ ومُجدداً، نهش الندم روحها.
لقد كانت هذه هي المرة الأُولى التي يطرق فيها مسمع ألغر وأودري خبر لعنة سُلحاكم عائلة إبراهيم. وكان لِكلٍ منهما أفكاره الخاصة، لذا لم ينبس أحدٌ بِبنت شفةٍ لِفترةٍ وجيزة.
وبعد بُرهة، استنشقت فورس نفساً عميقاً وقالت: «أشكرك، أيها السيد ‹العالم›. لقد أجبت على أعظم سؤالٍ كان يُؤرّقني.
«سأنسخ الفصل الأول من ‹مَشاهد في عالم الأرواح› وعقب انفضاض هذا التجمع سأُقدمه كقُربانٍ لِلسيد ‹الأحمق›. هل يلقى هذا قُبولك، أيها السيد ‹الأحمق›؟»
‘‹الساحر› من نَسْل عائلة إبراهيم؟ لا غرو إذن أن جسدها يقوى على وُلوج عالم الأرواح ومُغادرته… من المُرجّح أنها تحوز على غرضٍ غامضٍ مُقابل…’ رمقها ‹المشنوق› بغتةً.
‘فورس من عائلة إبراهيم؟ أَهَلِ وُلدت في عائلةٍ عريقةٍ تعود جُذورها لِلحقبة الرابعة؟’ أومأت أودري برأسها وكأنها تُقلّب أمراً ما في ذهنها.
وعقب تلقيها رداً إيجابياً من السيد ‹الأحمق›، استرخت فورس وشرعت في الإفصاح عن رغبتها في ابتياع مُكوّنات المُتجاوزين—الكيس المَعِدي لِـ ‹آكل الأرواح› ودماء ‹أسماك مارلين أعماق البحار›. ولِسوء الطالع، لم يكن ‹الشمس› يخرج في دورياتٍ إبان هذه الفترة، لذا لم يكن يحمل في جُعبته شيئاً. أما ‹المشنوق›، فقد اكتفى بالإشارة إلى أنه يمتلك خيوطاً تقود إلى دماء ‹أسماك مارلين أعماق البحار›.
ولم يكن أحدٌ قد ظفر بِوصفة جُرعة ‹مُبارك الريح› بعد. ومن ناحيةٍ أُخرى، لم تكن أودري في عجلةٍ من أمرها لِابتياع وصفة ‹الطبيب النفسي› لِأنها كانت على وشك الانضمام لِـ ‹خيميائيي عِلم النفس›.
كان كلاين يعتزم في بادئ الأمر بيع خاصية مُتجاوز ‹المُستذئب› أو ‹قارورة السُم البيولوجية›، بيد أنه، وعقب تفكيره في مدى توافق الأخيرة مع حالة جسده الروحي والوضع المالي الراهن لِلأعضاء، صَرَف النظر مُؤقتاً عن تِلك الفكرة.
وسُرعان ما انقضت فقرة المُقايضات، وبلغ التجمع المرحلة التي يسع كُلٌّ منهم فيها مُشاطرة المعلومات التي طرقت مسامعهم.
جالت أودري بِبصرها في الأرجاء بِبُطءٍ وقالت بِابتسامةٍ خفيفة: «في الأُسبوع المُنصرم، وقعت قضيةٌ مُثيرةٌ للاهتمام في باكلاند. وبطلها يُدعى البطل القاطع الإمبراطور المظلم.»

تعليقات الفصل