تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 398 : فِطرٌ مُغرٍ

‘دارك؟’ تجلّى طيف دارك في مُخيّلة ديريك.

كان مُتوسط الطول، ومُمتلئاً بعض الشيء، وقوياً. لقد كان مُراهقاً مُتفائلاً ومَرِحاً، وطالما أشرق وجهه بِابتسامةٍ ودودة. وكان زميلاً له إبان دُروس المعارف العامة ورفيقاً في فِرقة الدورية.

بيد أنه عقب هذا الاستكشاف لِلمعبد شبه المُدمر لِـ ‹المنشئ الساقط›، غدا مُتحفظاً وبات يكتفي بالتبسم في وُجوه الجميع.

وما إن استرجع ديريك التبدلات التي طرأت على دارك ريجنس، حتى ارتعد فزعاً وشَعر بِقشعريرةٍ تسري في عُموده الفقري.

‘لِمَ قَصَدني باحثاً عني بغتةً؟ ألم يكن حريّاً به التوجه إلى منزله عقب إطلاق سراحه من الحجر الصحي؟’ وفي تِلك اللحظة، تواردت تساؤلاتٌ جَمّة في ذهن ديريك.

وفجأة، طرأ على ذهنه احتمالٌ ما.

‘أَهَلِ تُدرك الشيخة لوفيا أنني ساورتني الشُكوك حيال وُقوع أمرٍ غير مألوفٍ لهم، ولِذا أرسلت دارك لِلإيقاع بي؟’

صُعِق ديريك في بادئ الأمر واستبد به الرُعب. بيد أنه، وإثر ذلك مُباشرةً، ساوره شعورٌ بِأن الأمر لربما لا يخلو من بعض النفع.

لقد قال السيد ‹المشنوق›: «إن لم يتوفر جُمهورٌ مُلائمٌ لِلشهادة لِصالحك، فَلِمَ لا تستعين بالمُتجاوز الذي يُراقبك.» ‘والآن، الشخص الذي يضعني تحت المجهر يقبع في تِلك الزاوية. فإن بادر دارك بِمُهاجمتي بغتةً، فسيُفصح حتماً عن حقيقة أن ثمة خطباً جليلاً يعتريه!’

‘وبِهذه الطريقة، وحتى إن لم أستعن بِغرض السيد ‹العالم›، فلا زال بوسعي تسيير الأُمور بِسلاسة!’

أدار ديريك رأسه لِيرمق الخارج عبر النافذة.

وفي تِلك اللحظة، كانت وتيرة ومضات البرق قد بلغت أدنى مُستوياتها. ولم يكن يمضِ سِوى دقيقةٍ أو دقيقتين حتى يشق وميضٌ من البرق عنان السماء، مُضيئاً نصفها. وكان العالم بِأسره، وجُلّ أرجاء مدينة الفضة، يغرق في لُجّةٍ من الظلام الدامس في أغلب الأوقات.

ولو كان بِمُفرده، لَمَا عكف ديريك على البحث عن شمعةٍ لِإشعالها. فقد كان يستسيغ الاستلقاء بِهدوءٍ في فراشه وتأمل صُنوفٍ شتى من الأفكار.

وبطبيعة الحال، كان يُدرك أن هذا الأمر محفوفٌ بِمخاطر جَمّة في واقع الأمر. فإن غاب النور الذي يُبدد العتمة، فَلَرُبما بَرَزت الوحوش بغتةً، حتى في قلب مدينة الفضة. بيد أن ديريك كان بِنفسه ‹مُلتمس نُور›، ولِذا فقد كان مُجهزاً بِخاصية النور ولم يكن يهاب وُقوع أمرٍ مُشابه.

طَرَق! طَرَق! طَرَق! قَرَع دارك الباب لِثلاث مراتٍ أُخرى، وكأنه يحُثّ صاحب المنزل على فتحه.

‘لم يكن يتصرف على هذا النحو من قبل؛ لقد كان في غاية اللباقة…’ شعر ديريك بغتةً بِأسىً عميق.

استل شمعةً من صُندوقٍ خشبيٍّ ووضعها في مُنتصف الطاولة. ثُم فرك أصابعه، مُشعلاً لهباً ذهبياً.

أضاء اللهب الشمعة، لِيغمر الغُرفة بِتوهجٍ خافتٍ ودافئ، ورافق ذلك أريجٌ خفيفٌ ولاذع.

كانت الشُموع في مدينة الفضة تُصنع في الغالب من الشُحوم والزيوت المُستخلصة من أجساد الوحوش. وكانت تفوح منها روائح مُتباينةٌ بِسبب تباين أُصولها.

وعقب استنشاق نفسٍ عميق، مشى ديريك صوب الباب بِحذرٍ ويقظةٍ بالغةٍ وفتحه.

«ما الذي أخّرك كُل هذا الوقت؟» سأل دارك مُبتسماً.

«كُنت أبحث عن شُموع،» أجاب ديريك.

لم يجرؤ على إيلاء ظهره لِلطرف الآخر، وآثر المُشي جنباً إلى جنبٍ مع دارك. وبِرفقة زميله في الفصل ورفيقه في الفِرقة، سار عائداً إلى الطاولة واتخذ كُلٌّ منهما مَجلِسه.

«أترغب في تذوق بعضٍ من ثِمار ‹الهلاك› المُجففة حديثاً هذه؟» سأل دارك مُبتسماً وهو يفك حزام حقيبةٍ قماشيةٍ صغيرةٍ من خصره.

كانت ثِمار ‹الهلاك› تُعدّ من الأطايب النادرة جداً في مدينة الفضة. وكانت تُستخلص من نباتٍ يُدعى كرمة ‹دم الهلاك›، وهو صنفٌ من الكائنات الحية التي لا تفتقر لِلنور لِتنمو. بل كانت تنمو عبر امتصاص العُصارة من الجُثث المُتعفنة. وكانت تتسم بِنزعةٍ لِلهُجوم وتُعدّ من الوحوش الضعيفة والمألوفة إلى حَدٍ ما.

وكانت كُل كرمةٍ من كروم ‹دم الهلاك› تحوي حشداً من الثِمار السوداء بِحجم الإبهام، والتي يسع المرء التلذذ بِها مُباشرة. كانت هشةً وحُلوة المذاق، بيد أنها لم تكن كفيلةً بِسَدّ الرمق ولم تُوفر العُصارة الضرورية. بل كانت تُتخذ كوجبةٍ خفيفةٍ يوميةٍ فحسب. وكانت نِقاط الجدارة التي يُجنيها المرء من دوريةٍ واحدةٍ كفيلةً بِمُقايضتها بِعِدّة أكياسٍ ضخمةٍ منها.

«كلا، لا حاجة لِذلك.» هزّ ديريك رأسه بِحذر.

«حسناً إذن،» سكب دارك كومةً من الثِمار السوداء من الحقيبة، والتقط إحداها، ودسّها في فمه قبل أن يمضغها مُحدثاً جلبة.

استغرق ديريك في التفكير لِبرهةٍ وبادر بِالسؤال: «أَهَلِ اصطدمتم بِأي وحوشٍ في الأرجاء الكامنة تحت أرض المعبد؟»

كفّ دارك عن المضغ وأجاب مُبتسماً: «لقد كان هُناك حشدٌ لا بأس به منها، بيد أنها لم تكن بِذلك البأس الشديد. وقد أجهزنا عليها بيُسر. لقد دُمّر ذلك المكان مُنذ أمدٍ بعيد، ولِذا فمن المُرجّح أن الوحوش الضارية قد هجرته مُنذ زمنٍ طويل.»

توقف لِثانية، ثُم قال وانحنت زوايا فمه: «لقد عثرنا على بعض النباتات الغريبة في قاع المعبد. لقد بدت كالفِطر الذي درسناه في فُصول المعارف العامة. وكانت زاهيةً بِشكلٍ استثنائيٍّ وتبدو مُشهيةً للغاية.

«وقد ثبت أنها صالحةٌ لِلأكل. ويسعها أن تجلب ارتقاءً في روحانية المرء وتُعزز من بُنيته الجسدية. وإن طُهيت مع لحم الوحوش المَشويّ، فإنها ستبعث أريجاً تعجز المُخيّلة عن إدراكه.»

وبينما كان يتحدث، استل غرضاً يتخذ هيئة فِطرٍ بِحجم كف اليد من حقيبةٍ قماشيةٍ صغيرةٍ أُخرى. كان جِذعه أبيض حليبياً، وقُبعته حمراء بلوريةً زاهية. كما كان مُرصعاً بِبُقعٍ ذهبيةٍ داكنة.

ومُجرد رُؤية النبات كان كفيلاً بِدفع ديريك لازدراد ريقه، وكأنه كان يتضور جوعاً لِأيامٍ طِوال.

وتحت ضوء الشمعة الخافت، كان لِهذا الغرض الفاتن الذي يُشبه الفِطر بريقٌ مُغرٍ يسيل له اللُعاب بِصُورةٍ لا تُقاوم.

«هذه واحدةٌ لك.» ابتسم دارك بِدفء.

«حسناً، حسناً…» كاد ديريك أن يُقدم على ذلك في التوّ واللحظة حينما التقط النبات الذي يُشبه الفِطر لِيحشوه في فمه، بيد أنه في نهاية المطاف، أجبر نفسه على فتح فمه والقول: «سأُجربه غداً.»

لم ينبس دارك بِبنت شفةٍ أُخرى. بل دفع الفِطر أمام ديريك وواصل التهام ثِمار ‹الهلاك› خاصته.

وبِصعوبةٍ بالغة، أشاح ديريك بِنظره عن «الفِطر» وسأل: «أَهَلِ ظفرتم بِأي اكتشافاتٍ إبان هذه الحملة الاستكشافية؟»

«أجل!» توقف دارك عن تناول وجبته الخفيفة وقَبَض على ثمرة ‹هلاك› سوداء، وأجاب بِجديةٍ مُفرطة: «لقد عثرنا على حشدٍ من الجداريات، سلسلةٌ مُتصلةٌ من الجداريات. هل تذكر ذلك التمثال في المعبد؟»

«أجل.» اختلس ديريك نظرةً إلى «الفِطر» وأومأ برأسه. «صليبٌ عملاقٌ رُبِط به رجلٌ عارٍ وهو مُعلقٌ رأساً على عقب، وقد لُطّخ سطحه بِعنايةٍ بِكمياتٍ هائلةٍ من الدماء.»

عبث دارك بِثمرة ‹الهلاك› في يده وقال: «تُنبئنا الجداريات المُكتشفة حديثاً أن مُشيّدي المعبد كانوا يُؤمنون بِأن التمثال يرمز لِلرب الذي منشئ كُل شيء، الحاكم الكُليّ القُدرة والمعرفة. لقد آمنوا بِأن الرب لم ينبذ هذه الأرض، بل أسدى إلينا العون عبر تَحَمّل الجُزء الأعظم من خطايانا حينما حلّت الكارثة الكبرى؛ ولِذا، استحال من وضعيةٍ مُستقيمةٍ إلى الوضعية المقلوبة، ومن السير بِحُريةٍ إلى التسمير على الصليب ونزف الدماء نيابةً عنا.

«إن نِعمة الرب لا تُحد. نحن لسنا بالمنبوذين، بل نَحنُ المُختارون الأثيرون لديه. ولولا أن الرب قد تَحَمّل خطايانا وأراق دماءه نيابةً عنا، لَكانت مدينة الفضة قد دُمِّرت مُنذ أمدٍ بعيد. ولَكان البشر قد مُحوا من الوُجود مُنذ زمنٍ طويل!»

‘بيد أنه، وفي العالم الخارجي، في مملكة لوين حيث يقطن السيد ‹المشنوق›، والآنسة ‹عدالة›، والآخرون، ليس ثمة لعنات، ولا ظلامٌ دامس، ولا وحوشٌ تتربص في غياهب العتمة… نحن لسنا المُختارين الأثيرين لديه…’ دحض ديريك ذلك في قرارة نفسه بصمت.

«وإن كان هذا محض حقيقة، فما علينا سِوى استبدال الرُموز والاسم المُبجل المُقابل إبان الطقس، وسيسعنا الظفر باستجابة الرب مُجدداً…» استرسل دارك، واصفاً الجداريات الكامنة تحت المعبد ومُفصحاً عن تخميناته. ومع استمرار ذلك، وجد ديريك مُشقةً مُتزايدةً في مُقاومة غواية «الفِطر».

‘كلا، إياك وأن تلتهمه! إن أكلته، فقد ينتهي بي المطاف كحال دارك والآخرين، وأتلوث بالكلية بِفساد ‹المنشئ الساقط› وأغدو مُؤمناً مُتعصباً… وحتى إن كان ثمة من يُراقبني، فلن يلحظوا أي أمرٍ مُريب…’ استشعر ديريك موجةً من الرُعب تُحتم عليه الإقدام على فِعلٍ ما لِلانعتاق من هذا المأزق.

‘أأطرد دارك وأُعيد له «الفِطر»؟ بيد أن هذا يُعادل التخلي عن هذه الفُرصة… فُرصة…’ انساق بصر ديريك بِغريزته لِيستقر على لهب الشمعة الأصفر الذي كان يحترق في هُدوء.

«سأُحضر لك كوباً من الماء.» سارع بِاسترجاع الخُطة التي ناقشها مع السيد ‹المشنوق› ونهض واقفاً بِرباطة جأش.

أومأ دارك برأسه بينما قذف بِثمرة ‹هلاك› سوداء بِحجم الإبهام في فمه، يعلكها مُحدثاً جلبة.

وبينما كان ديريك يسكب الماء، تعمد إبطاء حركاته، وطأطأ رأسه، وتلا الاسم المُبجل لِلسيد ‹الأحمق›. وفي النهاية، قال: «خادمك المُخلص يرجو عنايتك.

«أبتهل إليك لِتقبل قرابينه.

«أبتهل إليك لِتُشرّع أبواب مملكتك.»

ووش! (صوت عاصفة)

هبّت عاصفةٌ قويةٌ داخل الغُرفة بينما كانت قُوة الطبيعة، التي تولّدت تحت تأثير التعويذة، تُشَكّل أمواجاً جليّة.

وفي الآن ذاته، رفع دارك، الذي كان قد التقط لتوّه ثمرة ‹هلاك› سوداء، رأسه بغتةً ورمق ديريك، الذي كان يُواجهه من الجانب.

«ما الخطب؟»

ودون أن يُجيبه، قَبَض ديريك بِإحدى يديه على ‹فأس الإعصار› ودسّ الأُخرى في جيبه الخفيّ، مُزيلاً جدار الروحانية المُحيط بالصُندوق الحديدي من الخارج.

رمق ديريك دارك بِنظرةٍ تفيض باليقظة والحذر، لِيُبصر تعابير وجه زميله ورفيقه في الفِرقة تكفهرّ بينما بَرَزت آثارٌ حمراء زاهيةٌ في عينيه الزرقاوين!

وفي يده، تخلت ثمرة ‹الهلاك› بِصُورةٍ غريبةٍ عن سوادها الخارجي واستحالت إلى ما يبدو كلونٍ لحميٍّ شاحب.

لم تكن تِلك ثمرة ‹هلاك›، بل كانت إصبعاً، إصبعاً دموياً، إصبع إنسان!

لقد كانت كومة ثِمار ‹الهلاك› المُستقرة على الطاولة تتألف من أصابع بشرية!

كما تبدل مظهر «الفِطر» الزاهي الألوان. لم يَعُد بِذلك الجمال، ولم يَعُد يفيض بِبريقٍ مُشهٍ. لقد كان فروة رأسٍ مُخضبةٍ بالدماء وعليها شعرٌ أسودٌ قصير!

حدّق دارك في ديريك، وفتح فمه، وانبعث صوته بارداً وتائهاً.

«ما الذي كُنت تفعله؟»

باكلاند، شارع مينسك رقم 15.

وما إن طَرَق مسمع كلاين، الذي كان قد دَلَف إلى عالمه الدافئ تحت لِحافه، ما بدا وكأنه ابتهالٌ من ‹الشمس› الصغير، حتى جاهد لِلنهوض من فراشه واستحضر جداراً روحانياً. ثُم خطا أربع خُطواتٍ عكس عقارب الساعة وصعد إلى ما فوق الضباب الرمادي.

وجلس في المقعد المُخصص لِـ ‹الأحمق›، ولم يتعجل في تفحّص طلب ‹الشمس› الصغير. بل استحضر بطاقة ‹الإمبراطور المظلم›، وبدلاء التماثيل الورقية، وسائر الأغراض لتستقر أمامه على الطاولة البرونزية الطويلة بِنسقٍ مُرتبٍ بِعناية.

وبِناءً على خُطة ‹المشنوق›، فإن المشهد الذي سيستثير فيه ‹الشمس› تحور عُضو فريق الاستكشاف سيقع إبان طقس قربان. وبِهذه الطريقة، وحينما يُسدل الستار على الأمر، سيكون من اليسير جداً إخفاء الغرض، الذي استُعير من ‹العالم›، من المَشهد، طامساً بِذلك كافة الأدلة. وعقب ذلك، يسعهم إلقاء كُل اللائمة على آمون!

أما بِالنسبة لِلسيد ‹الأحمق›، فقد وافق كلاين على طلب ‹الشمس› الصغير بِتبسيط الطقس بِنبرةٍ تخلو من الاكتراث. وكُل ما كان يتعين القيام به هو الخُطوات الجوهرية.

وفي تِلك اللحظة، كان يترقب اكتمال مُقدمة الطقس لِيتسنى له الاستجابة.

التالي
398/819 48.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.