تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 399 : المُلوثون بالفساد

في منزل عائلة بيرغ في مدينة الفضة.

رمق ديريك فروة الرأس المُخضبة بالدماء، واسترجع بغتةً ما كانت تبدو عليه آنفاً. لقد كانت «فِطراً» فاتناً ومُغرياً، لِدرجة أنه كاد أن يعجز عن كبح جِماح نفسه لِابتلاعه.

أما ثِمار ‹الهلاك›، التي قاسمها دارك إياها والتي كانت تُصدر أصوات قرمشةٍ هشةٍ حينما تُقضم، فلم تكن سِوى قِطعٍ دمويةٍ من أصابع بشريةٍ تكسوها بشرةٌ شاحبةٌ بعض الشيء!

وفي تِلك اللحظة، كابد ديريك تشنجاً عنيفاً في مَعِدته، قُبيل أن يتدفق سيلٌ من الحُموضة إلى حُنجرته.

وقاوم رغبته في التقيؤ، وسارع بإنشاد سطرٍ من كلمات الترتيلة بِصوتٍ أجشّ: «يا رب، نسألك أن تهبط بِمملكتك على هذه الأرض. سيتبدد أعداؤك، وسينعم أتباعك بِالحُبور!»

لقد كان هُناك مسحةٌ من الدفء والقُدسية في الترتيلة، وشعر ديريك بِتلاشي كُل ما يُكابده جسده من إعياء. كما غدت روحانيته مُفعمةً ومُنبِضةً بالحياة.

واشتد عُود شجاعته، وقُدرته، ورشاقته بِشكلٍ جليٍّ بفضل هذه الترتيلة.

لقد كانت تِلك قُوى المُتجاوزين لـ ‹المُنشد› من المُتسلسلة التاسعة.

رمق دارك زميله السابق في الفصل ورفيقه في الفِرقة وهو يُنشد، وطَفِقت تعابير وجهه تكتسي بالكآبة والقتامة أكثر فأكثر. وباتت طريقة حديثه تبتعد شيئاً فشيئاً عن المألوف البشري.

«ما ذلك الشيء على جسدك…

«ما ذلك الشيء على جسدك؟

«ما ذلك الشيء على جسدك!»

وفجأة، تمددت ثياب دارك في شرائط مُنتفخة، وكأن عُشاً من الأفاعي السامة يتلوى تحتها.

ووش! (صوت تمزق) اخترقت شرائط لحمٍ دمويةٍ الثياب السوداء الضيقة، وكان سطحها مكسواً بِبشرةٍ خشنةٍ يُغطيها الشعر.

وطَفِقت شرائط اللحم تتلوى وتتخبط نحو الخارج، مُحيلةً دارك لِيبدو كقنفذٍ دمويٍّ مُغطىً بالفَرْو!

ومع صوتِ أزيزٍ خفيف، اندفعت شرائط اللحم صوب ديريك، الذي كان لا زال مُتسمراً في مَكانه الأصلي.

بيد أن ديريك كان عُضواً في فِرقة الدورية وسبق له أن عاين حشداً لا بأس به من الوحوش، لذا لم تُثِر هذه الحالة فزعه كثيراً.

لوى خصره، ورفع ذراعه، ولوّح بِـ ‹فأس الإعصار› الذي كان يَقْبِض عليه بالفعل في يده.

أوف! (صوت ضربةٍ مكتومة)

هوى ‹فأس الإعصار› على بضع شرائط لحمٍ دموية، شاطراً إياها إلى نصفين مُباشرةً ومُسقطاً إياها على الأرض.

بيد أنه، ولِمَا كان الوقت «ليلاً» في مدينة الفضة، لم تُسفر هذه الضربة عن أي برق. وطَفِقت المزيد من شرائط اللحم الدموية تندفع إلى الأمام، مُلتفةً حول ‹فأس الإعصار› مِراراً وتكراراً بينما كانت تتشبث به بِعنادٍ مُطلق.

ولمّا أبصر ديريك أنه لا سبيل لاسترداد سلاحه، التمع نورٌ نقيٌّ بغتةً في عينيه. لقد بدا وكأن شمسين مُصغرتين قد هبطتا إلى الغُرفة، بينما كانت يده الأُخرى تَقْبِض على شيءٍ وتقرّبه من فمه وأنفه وكأنه يبتهل.

ودون أي صوت، هبط عمودٌ ناريٌّ من النور النقيّ من السماء، مُرتطماً باللحم الدموي الذي التَفّ لِيُشكّل كُرة.

أطلق دارك صرخةً عجز عن كبحها، وهَوَت العديد من شرائط اللحم الدموية على الأرض، مُتفحمةً وسوداء.

وتلّوت، مُتخبطةً وكأنها تنبض بالحياة.

لم تعد الروحانية الكامنة في هذه الشرائط الدموية من اللحم خاضعةً لِسيطرة مالكها الأصلي، وشيئاً فشيئاً، اندمجت مع قُوة الطبيعة المُستخلصة من تعويذة طقس القربان، لِتُشكّل «موجةً» ورديةً يزداد سُطوعها تدريجياً.

واندفعت هذه «الموجة» نحو لهب الشمعة الأصفر الباهت، مما أسفر عن تضخم النور بغتةً، مُشكّلاً باباً وهمياً وغامضاً.

لقد كان ديريك قد رسم الرمز السريّ لِلسيد ‹الأحمق› سلفاً على الشمعة!

لقد أُعِدّ كُل هذا سلفاً.

وكُل هذا قد شَكّل طقس قربانٍ بسيطٍ بيد أنه مُتكامل!

كاتشا! (صوت تحطّم)

وبينما تهشم المقعد، انقضّ دارك على ديريك وهو يُلوّح بِشرائط اللحم الدموية. ولم تَلُح أي علاماتٍ لِلخوف أو التوتر في عينيه، بل لم يكن ثمة سِوى أنقى وأشد الشهوات اتقاداً.

وفي هذه اللحظة، استجاب كلاين، الذي كان يقبع فوق الضباب.

ومع صوت صرير، انفرج الباب الوهميّ المكسوّ بِأنماطٍ غريبةٍ شتى لِيُشكّل شقاً ضئيلاً.

وخلف الشق، كان هُناك ظلامٌ دامسٌ تقبع فيه ظلالٌ شفافةٌ لا تُحصى تعجز الكلمات عن وصفها.

وعالياً فوق هذه الظلال، كانت هُناك سبعة أنوارٍ نقيةٍ بِألوانٍ مُتباينةٍ تطوي بين طياتها معارف لا تنضب.

وفوق ذلك البهاء، امتد ضبابٌ رماديٌّ أبيضٌ بِلا آفاق، وفوقه، انتصب قصرٌ عتيقٌ يُطلّ على الضباب الرمادي.

وفجأة، وثب ظلٌّ من زاويةٍ عاتمة، مُغطياً دارك الذي كان الأقرب إليه.

وتطوّقت كافة شرائط دارك الدموية المُتخبطة بِسائلٍ لزجٍ وحالك السواد، وبدا وكأنه قد استحال إلى قِطٍّ زُجّ به في كيسٍ مُعتم.

لم يتوقف الظل، بل سُرعان ما امتد عَبْر الأرض، مُندفعاً صوب ديريك، الذي كان قد راوغ لِيتخذ موقعاً آخر، وصرخ بِصرامة: «توقف! ما الذي تبتغي الإقدام عليه!»

صلِّ على النبي ﷺ، فالذكر يجمّل الوقت.

وبِصفته مُراقباً، كانت خُطته المبدئية تقتضي المُراقبة من على الهامش وتوثيق الشُذوذ المُقابل. ولم يكن لِيُبادر باتخاذ أي خُطوةٍ لِاستيقاف الطرفين الغريبين إلا حينما يستعصي السيطرة على الموقف.

بيد أنه حينما أبصر الباب الوهمي المكسوّ بالرُموز الغريبة ينفرج عن شق، استبد به الرُعب جراء المشهد العميق، والغامض، والنائي، والمهيب في الداخل. وساوره يقينٌ غريزيٌّ بِأن هذا يَمُتّ بِصِلةٍ لحاكم شريرٍ مُرعب، ولِذا، لم يكن أمامه سِوى اتخاذ تدابير مُتسرعة، مُصدراً أوامره في مسعىً لِإجهاض مُحاولات ديريك بِالقوة لِإقامة قربانٍ لِذلك الكِيان.

غير أن ديريك كان قد انتقى موقعه سلفاً لِيكون أبعد ما يُمكن عن الظل؛ ولِذا، وبِغية استيقاف الفتى الذي استحوذ عليه آمون الغامض، كان لِزاماً على المُراقب «الظليّ» أن يتجاوز دارك ريجنس أو يُسقطه أرضاً أولاً.

بيد أن خياره وقع على الأخير. نظراً لِلشُذوذ الجليّ في حالة دارك. فإن إيلاء ظهره لِهذا الكِيان كان لِيُعدّ حماقةً مُطلقة.

واغتناماً لِهذه الفُرصة، استل ديريك الصُندوق الحديدي من جيبه الخفيّ وقذف بِه صوب الباب الوهمي الذي استحضره لهب الشمعة، صوب الشق الذي كشف عن مشهدٍ سحريّ.

وما إن توارى الصُندوق الحديدي عن الأنظار، حتى أُوصِد الباب، المكسوّ بالرُموز والخصائص الغريبة، بِـ «كلانغ» (صوت انغلاقٍ مُدوٍّ)، قُبيل أن يتلاشى بِسُرعة.

وفي تِلك اللحظة، تذكّر ديريك كلمات السيد ‹المشنوق›، وتعمّد ليّ عضلات وجهه واندفع بِشراسةٍ صوب «الظل».

وقُبيل أن يُغطيه «الظل»، سعل بغتةً بِعُنفٍ وغطى فمه بيده قبل أن يهوي على الأرض.

وانبعث الظل الحالك السواد وغلّفه بالكلية.

واستعادت الغُرفة صمتها، بيد أنه كان هُناك الآن «شَرنقتان» سَوْداوان ضخمتان على الأرض.

وبعد بُرهة، تراجع السائل اللزج والحالك السواد لِيتشكل كظلٍ مُجدداً.

ومع «الشَرنقة»، بَرَز طيفا ديريك ودارك مرةً أُخرى.

كان الأول مُمدداً هُناك فاقداً لِلوعي، بيد أن دودةً صغيرةً وغريبةً ذات اثنتي عشرة حلقةً شفافةً قد سقطت من يده. أما الأخير فقد استحال بالفعل إلى كُتلةٍ من اللحم، تتلوى وتُزمجر بينما تتأهب لِلهُجوم.

وفي خِضَمّ هذا الموقف، لم يكن أمام المُراقب من خيارٍ سِوى ادخار بعضٍ من قُوته وتغليفه مُجدداً، مُستعيناً بِـ «سائله» الأسود الشبيه بالظل لِيطوّق دارك ريجنس، الذي كان قد استحال إلى وحش.

واختلس المُراقب نظرةً إلى الأصابع الشاحبة المُتناثرة وفروة الرأس المُخضبة بالدماء ذات الشعر الأسود القصير، ولم يتمالك نفسه من استنشاق نفسٍ عميق. ومُستعيناً بِقُوى المُتجاوزين خاصته لِلتحكم في الظلال بالخارج، منشئ أمواج مدٍ وجزرٍ لِإبلاغ الزعيم القابع في جوف البُرج المُدبّب.

وعقب الفراغ من ذلك فحسب، تفحص حالة ديريك بِعنايةٍ وأبصر الدودة الشبه شفافة والغريبة.

«هذا… أَهَلِ النُسخة المُستنسخة التي أخفاها آمون في جسد ديريك قد فارقت الحياة؟» تمتم المُراقب في دهشة.

وبينما كان يسترجع شُذوذ دارك، والتحور المُرعب، و«الفِطر» و«ثِمار ‹الهلاك›»، طَفِق يُكوّن فكرةً تقريبيةً عما جرى.

لربما كان آمون عدواً لدوداً لِلعقل المُدبر الذي يقف خلف فساد دارك. وبُغية إحباط مكيدة الطرف الآخر، كان آمون على استعدادٍ لِلتضحية بِنُسخته المُستنسخة. إن زيارة ديريك لِميدان التدريب لِمُراقبة فريق الاستكشاف وإبلاغه الزعيم عنهم كانتا كِلتاهما مُحاولاتٍ من آمون لِلإجهاز على عدوه دون أن يُفضح أمره.

وكان العقل المُدبر خلف فساد دارك قد لَحِظ شُذوذ ديريك، فأرسل دارك لِإحكام السيطرة عليه. وكانت فروة الرأس المُخضبة بالدماء والأصابع بِمثابة أدواتٍ لِبُلوغ غايته.

وبينما كان يُقلّب الأمر في ذهنه، وافق المُراقب بغتةً على مخاوف الزعيم—إن نهاية العالم أو فاجعةً أشد هولاً توشك أن تحلّ بِمدينة الفضة. ولهذا السبب، كانت مدينة الفضة تُجابه مِراراً وتكراراً أحداثاً غريبةً وكِياناتٍ غامضةً تتربص في غياهب الظلام.

في غُرفة الزعيم بالبُرج المُدبّب.

سرد «الظل» كُل ما جرى بِحذافيره.

أومأ كولين إيلياد، ذو الشعر الذي غزاه الشيب والوجه المكسوّ بالنُدوب، برأسه بِرِقّةٍ عقب الإصغاء لِلسرد.

«ديريك أو حريٌّ بي القول، آمون، قد أعدّ العُدة سلفاً حقاً.

«الشمعة المنقوشٌ عليها الرمز، الغرض الشرير الذي من شأنه فضح مُعضلة دارك، وتذرّع ديريك بِسكب الماء لِيهمس بابتهال، فضلاً عن إرسال الغرض في نهاية المطاف في طقس قربان—كُل هذا يُشير ضمناً إلى أن الموقف بِرُمته قد تطور وِفقاً لِخُطته.

«يبرز سُؤالان. أولهما، إلامَ يُشير الرمز الخفيّ على الشمعة؟ إلى آمون بِنفسه أم إلى الحاكم الذي يقف خلفه؟ ثانيهما، لِمَ يبدي آمون استعداده لِفضح شُذوذ فريق الاستكشاف على حساب نُسخته المُستنسخة؟ أَيُعزى ذلك لِكونه العدو اللدود لِلعقل المُدبر؟ فَلِمَ مكث إذن في مدينة الفضة لِاثنتين وأربعين سنة؟

«أيعقل أنه قد تنبأ بِهذا الأمر سلفاً، ولِذا فقد اجتمع خِصّيصاً بِفريق الاستكشاف قبل اثنتين وأربعين سنة وزرع نُسخته المُستنسخة فيهم لِإحباط خُطط ذلك العقل المُدبر؟ أَهَلِ ترقب لِاثنتين وأربعين سنةٍ من أجل هذه اللحظة اليتيمة؟»

وعقب سماعه لِأسئلة الزعيم، قال المُراقب «الظليّ» بغتةً وقد انجلت له الأُمور: «لربما كان الأمر كذلك!

«يا صاحب الفخامة، أمعن التفكير في الأمر. لِمَ قد يترقب آمون في أناةٍ لِاثنتين وأربعين سنةٍ قُبيل أن يدفع أُوديل لِفُقدان السيطرة في حين أن ديريك كان سجيناً إلى جواره؟ يُعزى ذلك إلى أن الوقت المُتنبأ به كان يلوح في الأفق، وكان في أمسّ الحاجة لِلانتقال إلى شخصٍ حُرٍّ يسعه الالتصاق به لِإحباط خُطط ذلك العقل المُدبر!»

«هذا صحيح… لقد انصب جُلّ تفكيرنا على ما يُميز ديريك عن غيره، وغفلنا عن التوقيت،» أجاب زعيم مدينة الفضة كولين في تفكّر.

سارع المُراقب «الظليّ» بالقول: «يا صاحب الفخامة، أرجو أن تُوعز بِعزل كافة أعضاء فريق الاستكشاف في التوّ واللحظة. فمن المُؤكد أن ثمة خطباً يعتريهم! وعلاوةً على ذلك… الشيخة لوفيا، ثمة احتماليةٌ لا يُستهان بها بِأنها قد تلوثت بالفساد هي الأُخرى!»

قطّب كولين جبينه وقال: «قُبيل أن تُبلغني بِهذا الأمر، وحتى قبل أن يخرج دارك، قصدتني لوفيا وأفضت لي بِأنها تُساورها الشُكوك بِأن أعضاء فريق الاستكشاف لربما تلوثوا بِشيءٍ ما. وأشارت باقتراحها أن نُراقبهم في خفاء، وإن اقتضت الضرورة، نُكلّفهم بِحراسة ضريح الشيخ هويك المقلوب.»

كان هويك هو الزعيم السابق لِمدينة الفضة، وقد شيّد لِنفسه ضريحاً. وعقب ذلك، استقر في ذلك الضريح، وطَفِق بُروزه يقل شيئاً فشيئاً. وفي نهاية المطاف، أُوصِدت الأبواب، واستحال فتحها مُجدداً.

«الشيخة لوفيا قد أتت على ذِكر شُذوذٍ مُنذ أمدٍ بعيد؟» سأل المُراقب «الظليّ» في دهشة.

وعقب تلقيه إجابةً إيجابية، تمتم في قرارة نفسه، وقد خالجه مزيجٌ من الشك والارتياح: «من الحَمِيد أن الشيخة لوفيا لا تُعاني من أي مُعضلات…»

«… لقد أوعزتُ بِالفعل لِبعض الأشخاص بِعزل أعضاء فريق الاستكشاف، بيد أنه لا يسعنا إغفال أي احتمالاتٍ أُخرى.» زفر الزعيم كولين تنهيدة. «دَعْ آيفلور تقصدني. سأستجوب ديريك بيرغ بِرفقتها.»

التالي
399/819 48.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.