الفصل 407 : العابدُ الحقيقي
في جوف كنيسة الحصاد.
أمال كلاين رأسه لِيختلس نظرةً إلى إملين وايت. ودون أن يُعكر صفو السكينة المُخيمة على المكان، تعمد خفض صوته وضحك، مُجيباً بِسؤالٍ في المُقابل.
«أَهَلِ تُعاني من ضائقةٍ مالية؟»
وما إن تفلتت الكلمات من شفتيه، حتى ساوره شعورٌ وكأنه يسأله عما إذا كان قد طَرَق مسمعه ذِكر شركة التسويق الهرمي، أمواي.
بُهِت إملين لِبرهةٍ قبل أن يسخر.
«إياك وأن تُهين نبيلاً من ‹السَنْغْوِين (مُصاصي الدماء الأصيلين)› بالمال!»
ابتسم كلاين ابتسامةً ساخرةً في التوّ واللحظة. ورمق الأب أوترافسكي، فارع الطول ومفتول العضلات، الماثل أمامه، وقال بِلامبالاة: «بِناءً على ما أعلمه، فإن تِلك الدُمى المَصنوعة يدوياً لا تُعدّ زهيدة الثمن. بل يُمكن وصفها بالباهظة، ولا سيما تِلك التي تُقارب الإنسان في طُولها.»
«…» فغر إملين فاهُ مُحاولاً الرد، بيد أنه عجز عن التفوّه بِبنت شفة.
وعقب بُرهةٍ من الصمت، تنحنح بِخفة، وتظاهر بعدم الاكتراث، وقال: «أفصح لي، ما هو الأمر الذي تنشد مُعاونتي فيه؟ أنا لستُ من طراز ‹السَنْغْوِين› الذي يستهوي الألغاز.»
لم يرمق كلاين مُصاص الدماء القابع إلى جواره. بل ابتسم وقال: «لديّ صديقٌ يوشك على الارتقاء. وهو بحاجةٍ لِجمع مُكوّنات المُتجاوزين المُقابلة لِذلك. أَتُرى يسعك مُدّ يد العون؟»
«أَتُشكك في قُدرات أحد ‹السَنْغْوِين›؟» قال إملين وايت بِغطرسة. «حتى وإن لم تكن بحوزتي، فيسعني أن أُكاتب وأستفسر من أصحاب الفخامة الأرفع مَقاماً.»
‘هذا تماماً ما أبتغيه…’ سارع كلاين بالرد بِسيلٍ من الكلمات: «الغدة النخامية المُتحورة لِـ ‹الصياد ذي الألف وجه› و100 مليلترٍ من دمائه. خاصية ‹الظل المكسو ببشرة إنسان› وخمس خُصلاتٍ من شعر ‹ناغا أعماق البحار›. ما دُمتُ قادراً على الظفر بِأيٍّ من هذه الأغراض، فسأدفع لك الثمن المُقابل. وكُلما قلّ السعر، تعاظمت مُكافأتك.»
لقد تعمد مُضاعفة عدد المُكوّنات التكميلية لِدرء أي خسائر.
وعقب سماعه لِهذا الوصف الذي خلا من أي تلعثُم، شعر إملين وايت بغتةً وكأنه قد وقع في شِراك فخٍّ من المُغالطات.
وهدّأ من روعه وقال: «إن تكلفة مُكوّنات المُتجاوزين لا تقل عن 100 جنيه، بينما تبلغ تكلفة المُكوّنات التكميلية 10 جنيهاتٍ على أقل تقدير. ورغم أنني أجهل مُستوى الأغراض التي تنشدها، إلا أنني على يقينٍ بِأنها ليست زهيدة الثمن أو شائعة. ولولا ذلك، لَمَا قصدتني لِتلتمس عوني.»
‘يا لك من نبيه…’ ضحك كلاين.
«اتفقنا!
وفي تِلك اللحظة، ساور إملين وايت شكٌّ عميقٌ بِأنه قد طلب نِزراً يسيراً.
ولِذا، أضاف: «أيها السيد المُحقق، ألديك أي خيوطٍ حيال كيفية إبطال الإيحاءات النفسية؟»
ولما أبصر كلاين أن الأب أوترافسكي كان مُنهمكاً في ابتهالاته عند المذبح الماثل أمامهما، أدار رأسه لِيختلس نظرةً إلى مصاص الدماء وقال: «أنا أحوز على السبيل الأيسر لِذلك.»
«وما هو؟» التمعت عينا إملين وايت الحمراوان.
«اقهر الأسقف أوترافسكي واسلبه ‹شمعة الرُعب العقلي›،» قال كلاين بِضحكةٍ خافتة. «وعقب لِقائك بِوالديك، يُفترض أن تحوزوا على القُوة اللازمة. ألا يقوى ثلاثةٌ من ‹السَنْغْوِين› على مُجالدة ‹فارس فجرٍ› واحد؟»
ارتعش ثغر إملين وتلاشت ملامح وجهه.
«لقد هُزمنا.
«عجزنا عن قهره…
«وكاد والداي أن يقعا في الأسر. إن ‹شمعة الرُعب العقلي› تِلك لَغريبة الأطوار حقاً…»
‘إذن فقد حاولتم بالفعل… وكادت العائلة بِرُمتها أن ترتد لِتغدو من أتباع ‹الأم الأرض›… أَهَلِ عجز ثلاثةٌ من ‹السَنْغْوِين› حتى عن قهر الأب أوترافسكي؟ بِمُعاونة ‹شمعة الرُعب العقلي› و‹ناقل الدماء›، أَهَلِ الأب أوترافسكي مُرعبٌ إلى هذا الحَدّ؟ أم أن مُصاصي الدماء بالغوا الضعف؟ بيد أن الشائعات كُلها تُجمع على أن مُصاصي الدماء يتمتعون بِبأسٍ شديدٍ نسبياً…’ قال كلاين في تفكّر: «إذن يسعك أن تخُطّ رسالةً وتلتمس عون أصحاب الفخامة من النُبلاء. لا يُفترض أن يفتقر ‹السَنْغْوِين› لِخُبراء ذوي بأسٍ شديد.»
أجاب إملين وايت بِملامح مُتبلدة: «لقد قوبل طلبي بالرفض.»
وفجأة، رمق كلاين بِنظرةٍ تفيض بالأمل.
«أيسعك قهر الأب أوترافسكي؟ أو هل يقوى صديقك على مُجالدته؟»
‘عقب ظفري بِـ ‹بُروش الشمس› و‹قارورة السُم البيولوجية› وهضمي لِجُلّ الجُرعة، خِلتُ في بادئ الأمر أنني سأقوى على قهر الأب أوترافسكي في حالة جسدي الروحي. بيد أن وصفك لتوّك قد زعزع يقيني. أَهَلِ ‹شمعة الرُعب العقلي› بِتلك الغرابة؟ من الجليّ أن هذا الطراز من الأغراض المختومة لَبارعٌ حقاً في كبح جماح الأجساد الروحية…’ هزّ كلاين رأسه بِعقلانية.
«هذا مُحال.»
وسارع بتغيير مسار الحديث.
«لِمَ قد يرفض أصحاب الفخامة النُبلاء من ‹السَنْغْوِين› طلبك؟ فبالنسبة لهم، لا يُفترض أن يكون هذا سِوى صنيعٍ يسير.»
استحال وجه إملين وايت إلى الشُحوب في التوّ واللحظة.
«إنهم يزعمون أن الأب أوترافسكي هو أحد عُبّاد ‹الأم الأرض›. ويأبون الانخراط في صِدامٍ مُباشرٍ معه. وهُم يعكفون على دراسة سُبلٍ لِإبطال الإيحاء النفسي. فعلى سبيل المِثال، هُم يتوغلون في أعماق بحر سونيا، وبحر الضباب، وبحر الهيجان، بحثاً عن التنانين التي طالما اعتزلت العالم مُنذ أمدٍ بعيد.»
وأضاف بِابتسامةٍ أبشع حتى من البُكاء: «وبِحُلول الوقت الذي يهتدون فيه لِسبيلٍ أو يعثرون على تنينٍ ضليعٍ في مِيدان النفس، لربما أكون قد غدوتُ بالفعل من أشد أتباع ‹الأم الأرض› إخلاصاً… لقد طَفِقْتُ أُدرك مدى نفاسة الحياة ومدى الحُبور الذي يبعثه الحصاد.»
‘عابدٌ لِـ ‹الأم الأرض›؟ الأب أوترافسكي هو أحد عُبّاد ‹الأم الأرض›؟ لا غرو إذن أنه يحوز على كُل هذه الأغراض الغامضة… وبِناءً على ما يبدو، فإن تحول قُرصانٍ ذي بأسٍ شديدٍ بغتةً لِعبادة ‹الأم الأرض› لم يكن بِالأمر البسيط…’ تنهد كلاين، وثُم استشعر بُرودةً تسري في أوصاله جراء خوفٍ عالق.
لقد كاد أن يُوافق على طلب إملين وايت بِمُحاولة قهر الأب أوترافسكي.
‘إن خُذِلت، فَلَرُبما يُزَجّ بي في القبو وأُجبر على الحبس الانفرادي. وإن ظفرتُ بالنصر، فَلَرُبما أجلب على نفسي سخط حاكم آخر، كلا—ليس ثمة سبيلٌ لِانتصاري. فمن المُؤكد أن عابد ‹الأم الأرض› يحوز على ورقةٍ رابحةٍ مُلائمة. ولولا أن الأب أوترافسكي كان يكبح جِماح شخصيته المُزدوجة، لَمَا تسنى لي قهره على الأرجح…’
وبِحِكمةٍ بالغة، آثر كلاين عدم الخوض في هذا الموضوع. ورمق الأب أوترافسكي مُجدداً وقال: «يسعك السعي لِلبحث عن مُنظمةٍ تُدعى ‹خيميائيو عِلم النفس›.»
‘وإلا، فسيتعين عليك الانتظار حتى تغدو الآنسة ‹عدالة›، عُضوة نادي التاروت خاصتنا، ‹طبيبةً نفسية›. وبِحُلول ذلك الوقت، فَلَرُبما تكون مُتردداً في التخلي عن إيمان ‹الأم الأرض›…’ أضاف كلاين في قرارة نفسه بصمت.
وبالنسبة له، كان الخِيار الأمثل هو أن ينضم إملين وايت هو الآخر لِـ ‹خيميائيي عِلم النفس›. وبِهذه الطريقة، إن جابهت الآنسة ‹عدالة› أي مُعضلاتٍ في المُنظمة، فبوسعه مُعاونتها بِمصادر أُخرى، ولن يُضطر كلاين دوماً لِاستدعاء نفسه، الذي كان يُمثّل الثالوث المُقدس لِـ ‹الأحمق›، وعابدٍ، ومُؤمن.
«‹خيميائيو عِلم النفس›؟ لم يطرق مسمعي هذا الاسم قَطّ.» هزّ إملين رأسه بِازدراء. «لا بُد وأنها مُنظمةٌ سريةٌ بَرَزت لتوّها.»
«لقد تأسست هذه المُنظمة مُنذ مائة أو مائتي عام، على أقل تقدير.» دحض كلاين زعمه.
«بالنسبة لِـ ‹سَنْغْوِين› يتمتع بِعُمرٍ مديد، فإن مائة أو مائتي عام تعني أنها قد بَرَزت لتوّها. فبين أصحاب الفخامة من النُبلاء، قد تدوم القيلولة لِقرنٍ كامل،» قال إملين وايت بِزهو.
ودون أن يُمهل كلاين لِلحديث، نظر إلى الأمام، وتنحنح، وقال: «أتعرف سبيلاً لِلتواصل مع تِلك المُنظمة؟»
كان كلاين يَهُمّ بِالإجابة بِأن ثمة رجلاً في مصحة مدينة تينغن يُدعى الدكتور داكستر جودريان، وهو عُضوٌ في ‹خيميائيي عِلم النفس›، بيد أنه ابتلع تلك الكلمات قُبيل أن تتفلت من شفتيه.
‘وفي ظل ترصد ‹المنشئ الحق› لي، فمن الأجدر ألا أُقحم نفسي مع أُناسٍ أو أُمورٍ في تينغن. فثمة خطرٌ لا يُستهان به لِلافتضاح، وما إن أُفتضح، ومع الجُنون الذي تتسم به ‹طائفة الشفق›، فمن المُؤكد أنهم لن يدعوا بينسون وميليسا وشأنهما…’ هزّ كلاين رأسه قليلاً وقال: «لم أسمع سِوى بِاسم هذه المُنظمة.
«يسعك أن تخُطّ رسالةً وتسأل سائر الـ ‹سَنْغْوِين›.»
خابت آمال إملين وايت وكفّ عن الخوض في هذا الموضوع. وأدار رأسه لِيرمق كلاين وقال: «يُخامرني شكٌّ بِأن صديقك الذي يوشك على الارتقاء ليس سِوى أنت.»
نظر كلاين إلى الأمام بِلامبالاةٍ وأجاب بِهُدوء: «أُهنئك، لقد أصبت كبد الحقيقة.»
«…» بُهِت إملين وايت. لقد كان هذا يُباين تماماً ما توقعه!
ولما لَحِظ كلاين تبدله، ضحك بِخفوت.
«أيها السيد وايت، إن المهنة الأشد مُلاءمةً لك ليست ‹عطّاراً› بل مُمثلاً.»
بُهِت إملين في بادئ الأمر، بيد أنه سارع بِرفع رأسه بِغطرسةٍ وقال: «أنا ‹سَنْغْوِين› نبيلٌ وعميق. ولا أُعوّل على مظهري لِكسب عيشي.»
‘أتظن أنني أُثني على وسامتك؟’ نهض كلاين بِبُطءٍ وضحك.
«كلا، بل أعني أنك تحظى بِموهبةٍ فذةٍ في الكوميديا.»
وبينما تجمدت تعابير وجه إملين وايت، شَقّ كلاين طريقه خارجاً إلى المَمَرّ وقال: «إياك وأن تنسى ما أوكلته إليك.»
…
ميناء بريتز، شارع وايت أوك (البلوط الأبيض).
استقلت فورس وول القاطرة البُخارية في الصباح الباكر وبَلَغت أكبر موانئ المملكة وأهمها. وكانت قد ابتاعت بالفعل تذاكر لِرحلة عودتها على متن قاربٍ والذي كان زهيد الثمن نسبياً.
وبينما كانت تستنشق هواء البحر، أبصرت فورس حشداً غفيراً من عُمال الرصيف البحري الذين كانوا يهرعون في عجلةٍ من أمرهم.
ففي مُنتصف كُل موسم، كان الميناء يغصّ بالعُمال المُؤقتين لقاء أُجورٍ لا بأس بها، وكان حشدٌ غفيرٌ من الفُقراء القاطنين في حي إيست بورو بباكلاند يشدون الرِحال مُترجلين وفي جماعاتٍ صوب الجنوب الشرقي، قاطعين مسافةً تربو على الـ 60 كيلومتراً. ولقد كان هذا هو ذات الصنيع الذي يُقدمون عليه إبان حصاد حشيشة الدينار.
‘الطُرق أوسع من طُرق باكلاند، وجودة الهواء لا بأس بها، بيد أنه أشد قذارةً نسبياً…’ جالت فورس بِبصرها في الأرجاء واهتدت لِجمعية الصيادين في مبنىً عتيق.
ودون كَبير عناء، التقت بِـ دوريان غراي في أحد المكاتب.
كان السيد مُتوسط البُنية، بِذراعين مُكتنزتين بِشكلٍ مُبالغٍ فيه. وكان شعره مُسرحاً بِعنايةٍ فائقة، مما يُباين تماماً جُلّ أعضاء الجمعية الذين كانت تسريحات شُعورهم تُشبه أعشاش الطُيور.
‘يُفترض أن يكون هو الآخر من أفراد عائلة إبراهيم…’ وعقب الإفصاح عن غاية زيارتها، ناولت فورس وصية لورانس، مُرفقةً بِدفتر المُلاحظات الغريب وخاصية المُتجاوزين التي تُشبه الماسة.
تسلّم دوريان الأغراض بملامح تُخالجها مشاعرٌ مُتضاربةٌ قُبيل أن يفضّ الوصية أولاً.
وبعد مُطالعتها بِتمعّن، رفع رأسه ورمق فورس بِجديةٍ بعينيه الزرقاوين.
«إن نُبلكِ وشرفكِ لَجديران بالثناء. أيتها الآنسة وول، سأحفر في ذاكرتي دوماً العون الذي أسديته لِـ أوليسا ولورانس.
«هل يسعكِ قُبول امتناني؟ أبتغي دعوتكِ لِتناول الغداء.»
«لا ضير في ذلك.» كانت فورس لا زالت تُقلّب في ذهنها كيف تُمضي الوقت قُبيل إبحار سفينتها.
سارع دوريان بِتوجيهها لِلانتظار في غُرفة الاستراحة المُجاورة، مُقدماً لها الشاي الأسود، والوجبات الخفيفة، والصُحف، والمجلات.
وعقب عودته إلى غُرفة المكتب، فتح السيد خزانةً خفيةً بِشيءٍ من التوجس واستل غرضاً.
لقد كانت كُرةً بلوريةً نقيةً تتألق بِبريقٍ ساطع.

تعليقات الفصل