تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 411 : تقاطرُ الزائرين

‘يبدو أنه من سُلحاكم بالام… مُحاضرٌ جامعي… إنه السيد آزيك حقاً، وليس شخصاً آخر يُشاطره ذات الاسم…’ ومُستعيناً بِالمعلومات التي أدلى بها كولر العجوز، تيقن كلاين بِشكلٍ قاطعٍ من أن المُستهدف بِالمُكافأة كان هو النَسْل المُشتبه به لِـ ‹الموت›، آزيك.

‘وهُنا تكمن المُعضلة. مَن هو هذا الشخص أو المُنظمة التي تتقصى أثر السيد آزيك؟’

‘أَهي ‹الأسقفية الروحانية› التي تتمثل غايتها الأسمى في بَعْث ‹الموت› من جديد؟ أم إينس زانغويل الذي يستهوي لعب دور العقل المُدبر من خلف الكواليس؟’

‘من المُستبعد أن يكون الأخير. فـ إينس زانغويل يحوز على الغرض المختوم 08-0، والذي يُتيح له جعل هدفه يتصرف وِفقاً لِما يخطّه، ومن خِلال سلسلةٍ من الصُدف المُحكمة، يسعه بُلوغ غايته المنشودة. ولا حاجة له البتة لِاستغلال العصابات وصائدي المُكافآت لِلعُثور على السيد آزيك…’

‘مهلاً، ماذا لو كان هذا في واقع الأمر من تدبير الغرض المختوم 08-0؟ لربما أدرك أنه قد غدا هدفاً لِلسيد آزيك بيد أنه يفتقر لِلثقة الكافية لِقَهره في قتالٍ مُباشر، ولِذا، يعمد إينس زانغويل لِتسخير 08-0 لِتأجيج الصِراع بين السيد آزيك وفصيلٍ مُعين، تحدوه الآمال في الإجهاز على عدوه بِصُورةٍ غير مُباشرة. وأن هذه المُكافأة قد صدرت عن ذلك الفصيل… إنه أمرٌ واردٌ جداً!’

‘غير أنه لا يسعني استبعاد ‹الأسقفية الروحانية› أيضاً. فبُغية الثأر، لربما تواصل معهم السيد آزيك. بيد أن تبايناتٍ جوهريةٍ قد بَرَزت بين الطرفين حيال بَعْث ‹الموت›، مما أفضى في نهاية المطاف إلى قطيعةٍ بينهما…’

وفي لمح البصر، طرأت على ذهن كلاين احتماليتان وما يُقابلهما من دوافع.

ارتشف جُرعةً من قهوته وقال لِـ كولر العجوز: «عاوني في الاهتداء لِهُوِيّة من رصد هذه المُكافأة وقيمتها الدقيقة. وإن كان الأمر مُلائماً، فسأُدونه في مُذكراتي في طريقي.»

«لا ضير في ذلك.» لم يجد كولر العجوز في طلب كلاين أي غرابة.

فمن منظورٍ مُعين، لم يكن ثمة بونٌ شاسعٌ في الجوهر بين مُحققٍ خاصٍ وصائد مُكافآت. والتباين الأوحد يكمن في أن الأُول قد يُقحم نفسه في أُمورٍ تافهةٍ كالإيقاع بِخونةٍ زوجيين، والبحث عن قِططٍ ضالة، ومُعاونة الآخرين في تنزيه كلابهم، بينما كانوا يميلون لِلتعويل على قُوة الاستنباط بِدرجةٍ تفوق اللُجوء لِلقوة الغاشمة.

وعقب أن فرغ كولر العجوز من سرد ما عاينه وسمعه، لَقّنه كلاين بِإيجازٍ بعض حِيل توجيه دفّة الحديث استناداً إلى المنهج التدريبي لِـ ‹صقور الليل›، فضلاً عن خُطط الطوارئ لِمُجابهة سيناريوهاتٍ بعينها.

«لقد حان وقت توجهي إلى الرصيف البحري. أشكرك، أيها المُحقق موريارتي، لِمنحك إياي فُرصةً لِأن أحيا حياةً كريمةً مُجدداً!» التقط كولر العجوز قُبعته الرثة والبالية عن الطاولة وشكره بِصدقٍ بالغ.

ففي نظره، لم يقتصر فضل المُحقق على توفير وظيفةٍ مُجزيةِ الأجر له فحسب، بل امتد لِيُلقنه أُموراً نافعةً جَمّة. وحتى إن استغنى المُحقق عن خدماته كمُخبر، فإن المهارات التي اكتسبها ستكفل له الصُمود بشق الأنفس في حي إيست بورو، ولا سيما وأنه كان يطويه الكِبَر وتقل قُدرته على تكبد الأعمال الشاقة.

‘حياةٌ كريمة؟ في نظري، إن ما تحظى به الآن ليس سِوى أدنى مُقومات الحياة التي ينبغي لِأي إنسانٍ أن ينعم بِها…’ وعقب أن شيّع كولر العجوز بنظره وهو يخطو خارجاً من المقهى الرخيص، جلس كلاين هُناك غارقاً في ذهوله.

لقد كانت هذه هي المرة الأُولى التي يطرق فيها مسمعه اسم صديقٍ من شخصٍ آخر مُنذ أن وطأت قدماه باكلاند، وكانت أيضاً المرة الأُولى التي لربما يكون قد اهتدى فيها لِمكان إينس زانغويل!

وفي غُضون الأشهر الثلاثة المُنصرمة، كانت غاية كلاين الأسمى هي هضم الجُرعة والارتقاء بِنفسه، ولا سيما عقب إجهازه على لانيفوس.

ويُعزى ذلك إلى يقينه التام بِأن بوناً شاسعاً يفصل بينه وبين هدفه التالي لِلثأر، إينس زانغويل، الذي كان من المُرجّح جداً أن يكون مُتجاوزاً من المُتسلسلات العُليا. لم يكن يسعه التعجل في الثأر، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بالغرض المختوم 08-0 الذي يبعث قشعريرةً تقصم الظهور. لم يكن يُراوده حتى أدنى دافعٍ لِلدنو منه والتحقيق في أمره.

وطَفِقت مَشاهدٌ من ‹شركة بلاكثورن للخدمات الأمنية› في تينغن تتوالى في مُخيّلة كلاين، وتجلّت تِلك الأحذية اللامعة والمُصقولة بِجلاءٍ أمام ناظريه.

رفع كلاين رأسه وزفر أنفاسه بِبُطء، وتناول وِشاحه وقُبعته وخطا خارجاً من المقهى الرخيص.

حي هيلستون، خارج مبنىً عتيقٍ نسبياً.

ترجل كلاين من العربة، وضغط على قُبعته، ومشى مُباشرةً صوب الباب.

لقد كان منزل آيزنغارد ستانتون.

كان المُحقق العظيم قد خَطّ لِكلاين رسالةً قبل بضعة أيام، يدعوه فيها لِلزيارة لِمُناقشة قضية قتل.

أما السيد كلاين، الذي كان غارقاً في الانشغال بِتدبير تمويلٍ لِمشروع الدراجة، فقد اعتذر بلباقةٍ مُتذرعاً بِضيق الوقت كطريقةٍ لِلرفض. ولِدهشته البالغة، لم يبدُ أن آيزنغارد ستانتون قد امتعض من ذلك، بل صَرّح بِأن القضية قد بلغت طريقاً مسدوداً، ومن المُستبعد أن تشهد أي انفراجةٍ في القريب العاجل. وأبدى استعداده التام لِانتظار زيارة المُحقق شيرلوك موريارتي، مُعرباً عن تطلعه لِحوارٍ تُقدح فيه شرارات الحِكمة.

ولِذا، لم يكن أمام كلاين سِوى إجراء عِرافةٍ لِتحديد موعدٍ مُلائمٍ لِلزيارة، مُنتقياً أقرب تاريخٍ يعقب المُفاوضات، والذي صادف أن يكون ظهيرة هذا اليوم. وعقب ذلك، خَطّ رسالة ردٍ وحدد موعداً.

دينغ دونغ، دينغ دونغ.

قَرَع كلاين الجَرَس مرتين وتراجع خطوةً لِلوراء مُنتظراً.

وبعد انقضاء ما يربو على العشر ثوان، انفرج الباب مُصدراً صريراً، وقال مُساعد المُحقق العظيم، آيزنغارد، مُبتسماً: «طاب مساؤك، أيها المُحقق موريارتي. السيد ستانتون يترقب قُدومك في غُرفة النشاط. أترغب في تناول قهوةٍ أم شاي؟»

كان المُساعد نحيلاً ويضع نظارةً ذات إطارٍ ذهبي. وبدا في غاية الرُقي والاحترافية.

رفع كلاين نظره إليه وقال: «شاي. ولا تُكثر من شرائح الليمون.»

«بِكُل سُرور.» قاد المُساعد كلاين إلى غُرفة الجلوس، وأشار إلى غُرفة النشاط وقال: «أنا أعتذر، خَدَمنا هُنا مُؤقتون فحسب، وقد صادف أن اليوم هو يوم عُطلتهم، لذا ليس أمامي سِوى أن أُكلفك عناء التوجه إلى هُناك بِمُفردك.»

أومأ كلاين برأسه ومشى صوب غُرفة النشاط في الطابق الأرضي.

وبينما كان يرفع يده لِقرع الباب، استشعر بغتةً أن ثمة خطباً ما.

‘لقد حددتُ موعداً لِزيارة السيد ستانتون قبل بضعة أيام. فكيف يُعقل أن أُصادف يوم عُطلة الخَدَم المُؤقتين؟’

ضيّق كلاين عينيه، واستل عملةً نُحاسيةً من فئة البنس.

وفي تِلك اللحظة، انفرج باب غُرفة النشاط جراء القرع، مُحدثاً شقاً ضئيلاً.

وفي طرفة عين، وكأن ختماً ما قد أُزيل، اندفعت رائحة دماءٍ طازجةٍ ونفاذةٍ لِتُزكم أنف كلاين.

ومن خِلال الشق، أبصر أن الكُرسي الهزاز في غُرفة النشاط كان مُنقلباً ومُلطخاً بِدماءٍ حمراء داكنة. وإلى جواره استقر كِتاب، وغِلافه مُوجهٌ لِلأعلى.

ومن تِلك اللمحة العابرة فحسب، ساور كلاين شعورٌ وكأنه يُعاين مَسرح جريمة قتل.

لا تحمل الأحداث الخيالية على أنها وصف دقيق للحياة.

واسترعى عُنوان الكِتاب انتباهه: «أُسطورة الشيطان في حي سيفيلاوس.»

‘شيطان…’ كان كلاين يَهُمّ باتخاذ خُطوةٍ حينما هبّت عاصفةٌ قويةٌ بغتةً في غُرفة النشاط، ساحبةً الباب إلى الوراء بِقُوة.

كريك! (صوت صرير)

وتسنى لِكلاين رُؤية غُرفة النشاط بِرُمتها بِجلاءٍ تام.

كان الفحم في الموقد قد انطفأ مُنذ أمدٍ بعيد، ولم يتبقَّ أي جمرٍ أحمر يتوهج؛ وكانت طاولة القهوة، والأريكة، والكراسي، والخزانة، وسائر الأغراض إما مُنقلبةً أو مُهشمة. لقد بدا وكأنه يشهد آثار معركةٍ ضارية.

وكانت الدماء تتناثر بِكثافةٍ على السجادة والجُدران، فضلاً عن آثار حُروقٍ جَمّة، بيد أنه لم يكن ثمة أثرٌ لِجُثةٍ في المَسرح، ولا حتى طرفٌ مبتور.

‘لقد ألمّ خطبٌ ما بالمُحقق ستانتون؟’ تراجع كلاين خُطوةً إلى الوراء بغتةً، مُعتزماً مُغادرة المكان أولاً.

بيد أنه، وفي الآن ذاته تقريباً، شَعر بِأن أحدهم قد أحكم قبضته عليه.

كان أحدهم يُحدق فيه بِنظرةٍ باردةٍ تخلو من أي رحمةٍ من بقعةٍ مجهولة!

وما إن يُخفق في ردة فعله، حتى يأتيه هُجومٌ قاتلٌ في التوّ واللحظة!

‘كيف لِهذا اليوم أن يكون مُلائماً لِزيارة آيزنغارد ستانتون؟ أَهَلِ كان تأويلي لِلإلهام مُجانباً للصواب؟’ لم يجرؤ كلاين على التصرف بِتهور.

بيد أنه لم يكن مُتوتراً أو مُرتبكاً بِشكلٍ مُبالغٍ فيه. فبعد أن خاض غِمار معارك وعُروضٍ لا تُحصى، كان يُدرك جلياً ضرورة الحِفاظ على هُدوئه في لحظاتٍ كهذه.

تاب، تاب، تاب. (صوت خُطوات) خطا مُساعد المُحقق آيزنغارد ستانتون نحوه حاملاً صينية.

وعلى الصينية استقر إبريق شايٍ من الصفيح وكوبان من الخزف الأبيض.

تسمّر المُساعد في مكانه حينما وقع بصره على المشهد في غُرفة النشاط.

ورمق كلاين، واكتسى وجهه بغتةً بملامح الرُعب وهو يتلعثم: «أنت… قتلت… السيد… ستانتون…»

ومع كُل كلمةٍ يتفوه بها، كانت قِطعة لحمٍ تسقط من وجهه بينما تتدفق الدماء بغزارة.

وعقب الفراغ من حديثه، تُمُزِّق جسده إرباً إرباً، لِيستحيل إلى جُثةٍ مُقطعة الأوصال. لقد بدا وكأنه كان على تِلك الحال دوماً، وأن كُل ما سبق ذلك لم يكن سِوى حالةٍ جُمعت فيها أشلاؤه معاً.

كلانغ! كراك! (صوت ارتطام وتهشم) هوى إبريق الصفيح والكوب الخزفي الأبيض على الأرض في آنٍ واحد، وتدحرجا أو تناثرا، وسُرعان ما غمر ماء الشاي المِنطقة.

لم يُحرك كلاين ساكناً ووقف هُناك يُراقب كُل ما جرى. ويُعزى ذلك إلى أنه لا زال يستشعر أنه مُراقب.

وبدا أن الشخص الذي افتعل سلسلة الأحداث هذه يترقب منه اتخاذ خُطوةٍ قبل أن يثب على ظهره ويكسر عُنقه.

وبعد انقضاء فترةٍ من الزمن لم يُدرك مداها، وفي خِضَمّ حالةِ جمودٍ صامتةٍ ومُخيفة، أبصر كلاين باب منزل آيزنغارد ستانتون ينفرج لِيقتحم حشدٌ من ضُباط الشرطة المُتدثرين بِزيٍّ مُربعاتٍ باللونين الأسود والأبيض المكان.

وحينما عثروا على الجُثث المُقطعة الأوصال والمُقززة على الأرض، استلوا مُسدساتهم وصوّبوها نحو كلاين الذي كان يقف عند مدخل غُرفة النشاط.

ورغم مُجابهته لِفُوهات البنادق السوداء، إلا أن كلاين استرخى.

لقد تلاشت تِلك النظرة الصامتة التي بدت وكأنها تُصوّب مُسدساً نحو مُؤخرة رأسه في تِلك اللحظة بالذات!

رفع كلاين يديه وضحك بِقلة حيلة.

«لن أنبس بِبنت شفةٍ حتى التقي بِمُحاميّ.»

مركز شُرطة تشيساك في باكلاند.

مُكبلاً بِأنبوب ماء، التقى كلاين بالمُحامي يورغن مُجدداً.

«سأُرافقك إبان الاستجواب.» لم تَلُح أي علاماتٍ لِلشُذوذ على تعابير يورغن، وكأن المُحقق موريارتي ينتمي لِهذا المكان.

تنهّد كلاين وقال: «يا لَها من فاجعة. كان حرياً بي أن أُقلّب في ذهني ما سأتناوله لِلعشاء الليلة، لا أن أتبادل أطراف الحديث مع ضابط شُرطةٍ ذي وجهٍ كالحجر.»

أما أشد ما كان يبعث على الامتنان في نفسه اليوم فهو أنه، وجراء تحقيقات ‹طائفة الشفق› واهتمام مُتجاوز المُتسلسلة العُليا التابع لـ ‹مدرسة الفكر الوردية›، لم يصطحب معه أي أغراضٍ تخص المُتجاوزين. ولم يكن من العسير عليه إخفاء مُسدسه الوحيد عن التفتيش الجسدي مُستعيناً بِأداءٍ أشبه بِألعاب الخِفّة.

وحينما ولج غُرفة الاستجواب، سرد تفاصيل الرسالة التي تلقاها من آيزنغارد ستانتون حول مُناقشة قضيةٍ ما دون أن ينتظر أسئلة ضابط الشرطة.

«سنتوجه لاحقاً إلى منزلك بِرفقة السيد يورغن لِاسترداد تِلك الرسائل. أحدوني الأمل في أن تكون لا زالت هُناك.» غيّر الضابط المسؤول عن الاستجواب مسار الحديث وسأل: «كيف تعرفت على المُحقق آيزنغارد ستانتون؟»

أجاب كلاين دون تردد: «بِسبب تِلك القضية المُتعلقة بجرائم القتل المُتسلسلة…»

وعند هذا الحد، تسمّر في مكانه لِبرهة بغتةً.

لقد ذكّره ذلك بِأمرٍ ما. لطالما ساوره الشك بِوُجود سيدٍ يقف خلف الكلب الشيطاني، ذلك الشخص الذي أطلق شخيراً (استنكاراً) حينما لَقِي الكلب الشيطاني حتفه.

‘أجل، الكِتاب الذي كان ستانتون يقرأه قُبيل حاكمُجوم كان «أُسطورة الشيطان في حي سيفيلاوس»… أيعقل أن مالك الكلب الشيطاني قد شرع في الثأر عقب تواريه عن الأنظار طوال هذا الوقت؟ وكان المُحقق ستانتون هو الشخص الذي أوردت سِجلات الشرطة أنه أدلى بالخيوط أو الأفكار الجوهرية. وعلاوةً على ذلك، فقد كان هو من تسلّم المُكافأة!’ سُرعان ما تبلورت نظريةٌ في ذهن كلاين.

التالي
411/819 50.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.