الفصل 41 : التعارف والاختبار
الفصل 41: التعارف والاختبار
هوووش—!
مع صفير طويل وغليظ، بدأ القطار الخاص المصنوع بالكامل من سبيكة ثقيلة بالتحرك ببطء، مغادرًا المدينة.
في داخل العربة، ومع انطلاق القطار، أخذ الجو يزداد حيوية شيئًا فشيئًا.
فتح الرجل متوسط العمر ذو الشارب وملامح التعالي عينيه أخيرًا، ثم رتّب ببطء ثيابه الفاخرة الخاصة بفنون القتال، ومسح حلقه قبل أن يتحدث بنبرة يعلوها الإحساس بالتفوق:
“بما أننا سنسافر في العربة نفسها، وربما سنُكلّف بالذهاب إلى المنطقة ذاتها، فلِمَ لا نتعارف أولًا؟”
رفع ذقنه قليلًا وقال وكأنه يحدث نفسه: “اسمي تشو، تشو تونغ. مستواي لا بأس به… دخلت لتوي عالم صقل العظام، وأفصلني عن إنجازي الصغير خطوة واحدة فقط.”
وبعد أن تحدث، ألقى نظرة شاملة على الجالسين، في إشارة منه أن عليهم تقديم أنفسهم أيضًا.
تمددت المرأة فائقة الجمال بكسوة حمراء بتكاسل، كاشفة عن انحناءات فاتنة دون تحفظ. انفصلت شفتاها الحمراوان قليلًا، وانساب صوتها مفعمًا بالإغراء: “أنا هونغ شيو، لم أتجاوز سوى الإنجاز الكبير في صقل الجسد. آمل أن تعتنوا بي في المستقبل.”
أما دونغفانغ يوي مينغ، فبقي صامتًا، يراقب بهدوء المناظر التي تتسارع خلف نافذة القطار. شعر بالاستغراب: لِمَ عليه أن يعرّف بنفسه لمجرد أن هذا الرجل طلب ذلك؟ لم يكن يميل لمثل هذه العلاقات المصطنعة.
ويبدو أن هونغ شيو لاحظت صمته ولا مبالاته، ولمّا رأت ملامحه الفتية، ومض في عينيها إدراك، وضحكت بخفة: “أيها الفتى، يبدو أن هذه أول مرة تتجه فيها إلى حدود الدفاع ضد الوحوش، أليس كذلك؟ لعلك لا تعرف القوانين بعد.”
التقط تشو تونغ كلمات هونغ شيو، ورأى عدم اكتراث يوي مينغ، فارتسمت على وجهه نظرة ازدراء واضحة.
“همف! إذن هو مبتدئ!” قال ببرود ونبرة متعالية، “يا فتى، لا يهم ما كنت عليه قبل الآن، لكن عند حدود الدفاع كل شيء يسير بالقوانين! غالبًا سنُكلّف في الفرقة المؤقتة نفسها لتنفيذ المهام. آمل ألا تعيقنا هناك… وإلا فلا تلومنّ إلا نفسك إن لم أكن لطيفًا معك!”
وبالطبع، فإن المقاتل الذي يبلغ عالم صقل العظام يمكنه قبول المهام بمفرده، لكن معظم الناس يفضلون تشكيل فرق، إذ إن حدود الدفاع ضد الوحوش مكان محفوف بالمخاطر.
“فِرَق؟” عقد يوي مينغ حاجبيه قليلًا. كان يظن أنه سيتمكن من العمل بحرية عند الحدود، ولم يتوقع أن يُجبر على التعاون مع آخرين.
“أمر مزعج…” تذمر في داخله، “ألست قادرًا على القتال منفردًا؟ التعاون مع هؤلاء سيقيّد حركتي.”
في تلك اللحظة، تكلم الأخ الأكبر من بين الشقيقين البسيطين الصامتين، بصوت عميق خشن يحمل مسحة من الصدق: “اسمي تيه شان، وهذا أخي الأصغر تيه تشو. نحن الاثنان في مستوى الإنجاز الصغير في صقل الجسد. الأخ الكبير تشو قوي، نرجو أن يرعانا في المستقبل.”
“همم.” أومأ تشو تونغ بغطرسة، راضيًا عن أسلوبهما المهذب، ثم عاد يرمي يوي مينغ بنظرة ازدراء، وكأن لسان حاله يقول: “هكذا يجب أن يتصرف القادم الجديد!”
بدا تيه تشو وكأنه لمح ارتباك يوي مينغ وتردده، فنصحه بإخلاص: “أخي الأصغر، لا تعتبر الأمر مزعجًا. الحدود خطيرة جدًا، والوافد الجديد الذي يغامر وحده لن يعيش أكثر من ثلاثة أيام! الكبار يفرضون علينا تشكيل فرق كي نعتني ببعضنا البعض ونحظى بفرصة للبقاء. الاعتماد على الآخرين أفضل من الوحدة دائمًا.”
وأومأ تيه شان بقوة تأييدًا لكلام أخيه.
استمع يوي مينغ لكلماتهما الصادقة، فاتخذ قراره: بما أن التعاون لا مفر منه، فإظهار قليل من قوته سيجنبه المتاعب الزائدة. ومع ذلك… كشف اسمه الحقيقي ليس خيارًا، فالاحتفاظ بورقة خفية دائمًا أفضل.
رفع رأسه ونظر بهدوء إلى الجميع وقال بصوت خافت: “دونغفانغ ري، إنجاز كبير في صقل الجسد.”
إنجاز كبير في صقل الجسد؟!
سادت لحظة صمت مفاجئة في الغرفة.
اتسعت عينا تيه شان وتيه تشو بدهشة، وصُعقا تمامًا. كانا يظنان أن هذا الشاب الذي بدا فتيًا لم يتجاوز مستوى الدخول أو الإنجاز الصغير على أكثر تقدير، ولم يتوقعا أن يكون قد بلغ الإنجاز الكبير! قوته إذن تضاهي قوة تلك الجميلة بكسوتها الحمراء.
حتى تشو تونغ بدا مذهولًا، وارتسمت على عينيه علامات الدهشة وهو يمعن النظر في يوي مينغ محاولًا سبر خفاياه.
أما هونغ شيو فكانت الأسرع رد فعل! أضاءت عيناها بنور غريب، وتحوّل نظرها إليه من نظرات متفحصة ولاهية إلى نظرات يغمرها الاهتمام والحماس!
“يا إلهي! اتضح أن الشاب دونغفانغ سيد متمرس في الإنجاز الكبير بصقل الجسد! أعتذر، أعتذر!” قالت ضاحكة بخفة وهي تقترب منه أكثر، ليتناثر عطرها: “يبدو أنني كنت مخطئة في الحكم عليك.”
راقب تشو تونغ هذا التحول المفاجئ في موقفها، فزمجر في داخله، لكنه أبقى وجهه جامدًا بلا تعبير.
قال بابتسامة زائفة: “إنجاز كبير في صقل الجسد بهذا العمر أمر جيد بلا شك. لكن… بعض الناس يميلون للمبالغة، ويختلقون صورة زائفة لقوتهم. آمل أن يكون الشاب دونغفانغ بالفعل قادرًا على إثبات كلامه، لا أن…”
أطال في كلماته بتهكم: “…يُظهر الجبن عند ساحة القتال، فيتلقى عذابًا لا ينتهي.” كان من الواضح أنه لم يقتنع بعد، وظن أن ما قاله يوي مينغ مجرد ادعاء.
“ما قاله الأخ الكبير تشو…” قاطعته هونغ شيو فورًا، ملقية نظرة جانبية عليه، “الشاب دونغفانغ واضح الهيبة، ولا يمكن أن يكون شخصًا سطحيًا. بل أظن أنه ربما أقوى من بعض الذين يملؤون الدنيا صخبًا بأنفسهم!”
كانت كلماتها لاذعة، وتلميحاتها موجهة بوضوح نحو تشو تونغ.
اسود وجهه، وزمجر ساخرًا مرتين دون أن يزيد، لكن نظرته ازدادت خبثًا.
أما يوي مينغ، فأخذ يراقب هونغ شيو بدهشة، إذ رآها تُظهر له الود بشكل مبالغ فيه حتى أنها لا تتردد في إغضاب تشو تونغ. هل كان الأمر فقط بسبب أنه أعلن وصوله إلى الإنجاز الكبير في صقل الجسد؟ لم يشعر أن هذا السبب وحده كافٍ. وهكذا صار جو العربة مشحونًا وغامضًا.
جلس تيه شان وتيه تشو حائرين لا يعرفان ما يقولا.
وفي تلك اللحظة، تمددت هونغ شيو بكسل، ثم رمقت يوي مينغ بنظرة مازحة وقالت: “لا تعبأ بهذه الأحاديث. ما زال أمامنا طريق طويل، فالأفضل أن تستريح قليلًا وتوفّر طاقتك.”
ثم تحولت نبرتها فجأة إلى شيء من الجدية: “لأنني أخشى أننا بعد قليل… لن نجد فرصة للراحة.”
“هاه؟” نظر تيه شان وتيه تشو إليها بدهشة: “أخت هونغ شيو، ماذا تعنين؟”
لحست شفتها الحمراء المغرية، وبدا بريق حماسة في عينيها: “أتظنون أن هذا القطار يقلّنا إلى حدود الدفاع ضد الوحوش مجانًا؟”
قهقهت وأردفت: “لقد خُطّ مسار القطار بعناية ليمر عبر عدة تجمعات ضخمة للوحوش العادية! وحينها، سيتولى أشخاص مختصون في القطار مهمة جذب تلك الوحوش الجائعة! أما نحن الركاب…”

تعليقات الفصل