الفصل 216 : الدمية الميكانيكية، خصلات الشعر، حمام الفقاعات
الفصل 216: الدمية الميكانيكية، خصلات الشعر، حمام الفقاعات
بعد أن قتل عدة أفراد من عائلة ريد، شعر سو لون أخيرا بأن الإحساس بأنه مُستهدف قد اختفى
عاد إلى الطريق الرئيسي وذاب مرة أخرى وسط حشود اللاجئين، متجها نحو مدينة لينغدون القديمة بخطى هادئة
وهو يتأمل أسوار المدينة الشاهقة، لم يستطع سو لون إلا أن يشعر بشيء من الحنين
في البداية كان قد فر من المدينة هاربا بيأس من قتلة يطاردونه، يبحث عن ملاذ في البراري
لكن الآن وهو يعود، كانت المدينة التي بدت يوما غامضة وواسعة قد كشفت أسرارها كلها
البرج الأسود، المناجم، الاستعباد، النفي
كانت تلك “حقائق” لم يكن ذلك الخارج عن القانون سابقا ليقترب منها أبدا ضمن أفقه الضيق
فعلا، المنظر من القمة مختلف
ما إن دخل المدينة حتى لم يتجول بلا هدف
ذهب إلى نطاق جمعية الصليب الجنوبي وعاد إلى الشارع الأخضر
هذا المكان كان الأكثر ألفة لديه، والوجود فيه يريحه
لحسن الحظ، وجهه الحالي لم يكن مسجلا لدى منظمة المظلة، لذا لم يكن التجول في الشارع سيجذب انتباها غير مرغوب فيه
كانت المدينة لا تزال تعج بالحركة، وغلايات المصانع البخارية تنفث دخانا أبيض، والشوارع تغص بالناس
الحادثة الضخمة عند آثار الفجر ربما تسببت في موت كثيرين داخل المدينة الداخلية، لكن بالنسبة لعامة سكان المدينة الخارجية، كان أولئك السادة النبلاء من عالم مختلف تماما
كانوا يأكلون كما ينبغي أن يأكلوا، ويشربون كما ينبغي أن يشربوا، وكأن الحياة لم تتغير
حتى الأحداث الهائلة لم تمنعهم من كسب راتب شهري قدره 2000 ريسو
وجد سو لون نزلا قرب الشارع الأخضر واستأنف حياته المعتادة
كان يشعر دائما أن وقته لا يكفي الآن، يحتاج إلى وقت طويل للتأمل، والدراسة، والصناعة، والبحث، والتدرب
ومع أنه أصبح من الرتبة الثانية، فإنه في مدينة لينغدون القديمة كان لا يزال يُعد خبيرا من الدرجة الأولى، وحتى إن واجه خصوما من الرتبة الثالثة فلن تكون فرصته في الفوز منخفضة
لكن هذا المستوى كان أقل من المطلوب بكثير في العالم السطحي
ومن منظور السيد جينغ، بدا أنهم يخططون لاقتحام البرج بعد أن يتقدم كيان والآخرون إلى الرتبة الرابعة
ومع ضيق الوقت، كان على سو لون أن يعزز قوته بسرعة
….
مرت الأيام كلمح البصر
بقي سو لون في غرفته بالنزل دون أن يخرج
خلال هذه الفترة، زارته سابينا مرة أيضا، وجلبت كثيرا من المعلومات شديدة السرية
تم تأكيد خبر وفاة الأميرة تيريزا، وكانت المدينة الداخلية في فوضى، ومات كثيرون
حوكم تقريبا نصف أصحاب الرتب العليا في منظمة المظلة وتمت تصفيتهم
موت ابنة دوق نبيل يعني بالتأكيد أن كثيرا من الناس دُفنوا معها
لكن لأن سابينا اتخذت بعض التحضيرات مسبقا، لم تتورط، بل على العكس، مع تقدمها إلى محترف من الرتبة الثالثة وارتفاع رتبتها العسكرية بسبب الشواغر بين كبار مسؤولي المدينة الداخلية، تمت ترقيتها إلى المدينة الداخلية، وسدت الفراغ وأصبحت من أقوى الشخصيات داخل منظمة المظلة
وهذا جعل تزويد سو لون بمعلومات أكثر سرية أسهل أيضا
ومن جهة أخرى، بعد أن وصلتهم أخبار الآثار، غيّر الفرع الرئيسي لعائلة ريد نهجه جذريا بعد أن كان شديد الحذر، وبدأ رب العائلة، كارنيجي رييس، يبيع ممتلكات العائلة وأسهم الشركات بجنون، جامعًا كمية كبيرة من النقد بين يديه
لم يعرف الآخرون السبب وظنوا أن فريق الصيد الرئيسي للعائلة قد أُبيد وأنهم على حافة الانهيار
لكن سو لون كان يعلم أنهم يستعدون لمغادرة مدينة البرج
كانت عائلة ريد مدعومة من السيد جينغ منذ البداية، لذا فمن الطبيعي أنهم سيغادرون معا
في أحد الأيام
في الغرفة 303 من نزل الفرسان
كانت الغرفة مكتظة بمختلف المواد والقطع الميكانيكية، وخيوط لا حصر لها تُعلّق المواد في الهواء
كان سو لون منشغلا بتحريك رمح العنكبوت ذي الأذرع الثمانية، يعمل على دمية ميكانيكية مُعدلة من “الطرف الميكانيكي بي زد 911″، وكانت هذه هي “الرجل الحديدي 4”
من دون ظروف مختبر دقيق، ولا دوران للهواء أو نظام ترشيح، امتلأت الغرفة برائحة صدأ ناتجة عن غازات متطايرة، وكان سو لون يضع قناع غاز بمنقار بينما يثبت ذراعا ميكانيكيا مزودا بمرجل بخاري صغير
كانت الذراع الميكانيكية مطلية بكلمات “مطرقة بخار من طراز باء هاء 7” برش أبيض
كانت هذه غنيمة حرب من المواجهة عند قصر الدوق
حتى في العالم السطحي، كانت واحدة من أروع الأذرع الميكانيكية على الإطلاق
بمجرد تركيب مطرقة البخار هذه، ستتمكن الدمية الميكانيكية من توجيه لكمة مشحونة بقوة محترف من الرتبة الثالثة يعتمد على الجسد، قادرة على ثقب صفائح تدريع مركبة مدرعة بسهولة
وبينما يعمل، التقط رمح عنكبوت خلف سو لون قطعة من ساق نبات الدبق منقوعة في الدهن من قارورة قريبة، وبعد أن وزنها وقطعها ليحسب الجرعة الصحيحة، قذف بها في البوتقة المشتعلة على الطاولة الجانبية، ووضع الباقي في القارورة لمنع الأكسدة، وبعد تقليب قصير، عدّل رمح عنكبوت آخر شدة اللهب، وبدأ السائل المعدني البرتقالي المصفر داخل البوتقة يغلي…
أصبح تعدد المهام أكثر تمرسا لديه، وصار دماغه قادرا على معالجة مهام أكثر في الوقت نفسه
كان وحده بكفاءة عشرات العمال
ضبط سو لون التوقيت جيدا، فسكب المحلول الذي حضّره للتو خارج البوتقة، ثم أخذ قلما رونيا مصمما خصيصا، وغمس طرفه في السائل الذهبي وبدأ ينقش الرونات على الدمية الميكانيكية…
بعد أن حصد شظايا ذاكرة لأكثر من ألف من النخبة عند آثار الفجر، وصلت مهاراته في صناعة الرونات إلى مستوى المعلم، وأصبح متمكنا من صنع رونات الرتبة الثالثة
ومع ذلك ظل يؤدي العمل بعناية شديدة، يضع تصميما معقدا فوق آخر
ومع رسم الرونات، حدثت لحظة مدهشة تحت قلمه، إذ أضاءت الرونات بضوء ذهبي وكأنها دبت فيها الحياة، تدور بنمط غريب
لم تكن هذه رونات عادية، بل كانت نوعا ريحيا ضمن “الرونية السحرية”، وهي [الرون الفائق لتحمل الأوزان]
لم تكن الرونات مجرد نقش، بل طريقة تفكير متشعبة، تتطلب كما هائلا من التجارب وإلهاما لامعا لصنع الرونات التي يحتاجها المرء
لكن كما قال السير إسحاق، هذا هو أفضل زمن
الوقوف على أكتاف العمالقة منح سو لون سهولة كبيرة، فقد جمع الخيميائيون العظماء في العصور القديمة أبحاثهم في مجلدات، وضمن موسوعات الرونات التي أحضرها من فضاء ملعون تابع لـ “السجن المركزي لآثار الفجر”، كانت هناك مخططات رونية مكتملة كثيرة، ولم يكن عليه أن يدرسها بعناء لأنه يستطيع استخدامها مباشرة
…
بعد وقت قصير، اكتملت الرونات الجزئية، وأطلق سو لون زفيرا طويلا من هواء عكر
كان رسم رونات من الرتبة نفسها أصعب عدة مرات من الرونات العادية، فأصغر خطأ قد يفسد كل شيء
نظر إلى النتيجة أمامه، وفي عينيه لمحة ترقب
وبحركة قبض في الهواء، نهض الغولم الميكانيكي ببطء، واشتغل مرجله، وأضاءت الرونات على جسده في آن واحد، وتجمعت حوله طاقة الرياح الكثيفة، رافعة كتلة جسده التي تبلغ عدة مئات من الكيلوغرامات
“الحسابات السابقة كانت صحيحة فعلا، رون تقليل الحمل خفف الغولم بنسبة تسعين بالمئة من وزنه، فصار بالكاد يحقق قدرا من الرشاقة، واستهلاك الطاقة ضمن المدى المقبول…”
حاول سو لون تحريك الغولم الميكانيكي وثنى مفاصله، كان رشيقا إلى حد معقول، وبدأت حاجباه يرتخيان تدريجيا
دوّن بعناية بيانات هذه المحاولة في دفتره، ثم تمتم محللا لنفسه: “القدرة الهجومية قاربت الاكتمال، لكن للوصول إلى مستوى قتال محترفين من رتبة عالية نحتاج زيادة كبيرة في الدرع الثقيل، رونات الرتبة الثالثة لن تحقق التأثير الحالي، وفوق ذلك لا يمكن نقش رونات معقدة كهذه على فولاذ مكرر عادي، لا بد من مواد سحرية عالية الجودة، وإذا أردنا الإنتاج بكميات كبيرة فبعيدا عن الكلفة ستكون المواد هي المشكلة الكبرى…”
وعند هذه الفكرة، دوّن سو لون بهدوء ملاحظة أخرى في دفتره
كان هذا دائما مجرد اختبار
والآن أثبتت الحقائق أن خط تفكيره صحيح تماما
بالتقنية، والرونات، وبعض المواد الخاصة، يمكن فعلا صنع غولمات ميكانيكية مرنة وسهلة التحكم
عيوب الآلات كانت واضحة جدا: ثقل الحركة، بطء الاستجابة، ضعف الحساسية…
لكن المزايا كانت واضحة أيضا: قوة كبيرة، دفاع عال، كلفة أقل، خرج ثابت…
كان لها تأثير سحري لا يمكن تجاهله في بعض سيناريوهات القتال مثل حصار المدن، وحروب الخنادق، والحروب الميكانيكية واسعة النطاق
وبصفته وافدا من عالم آخر، لم يكن سو لون ينفر من التقنية الميكانيكية
كان يعلم أن التقنية تتجدد وتتطور باستمرار، وأن إمكاناتها مثل الخيمياء لا حدود لها
الخيمياء مع الآلات يمكن أن تصنع نتائج خارقة حقا
“ما زال ينقصني الكثير على المستوى التقني، لو استطعت فقط الحصول على مواد أبحاث ’المحارب الميكانيكي الفائق‘، يا للخسارة، إنه سر شديد الحماية لدى قصر الدوق، ولا تستطيع سابينا الوصول إليه أيضا…”
تذمر سو لون في داخله، وهو يعترف أيضا بنقائصه، فمستوى المعرفة المتاح له ما زال متواضعا، ولا يكفي لدعم تصاميم أكثر تقدما
وعندها ظهرت فكرة أخرى في رأسه: “التقنية الميكانيكية لإمبراطورية لوينغ ما زالت متأخرة نسبيا، مافا هي الأرض المكرمة للسحرة الخيميائيين الميكانيكيين، يجب أن أزورها إذا سنحت الفرصة”
….
بعد أن انتهى من اختبار الغولم الميكانيكي، بدأ سو لون يعبث برونات الدمى وخيوط الحرير
قبل أيام قليلة، فصل شظية روح لقاتل من الرتبة الخامسة وأتقن “قطع عنصر الرياح”، وقضى الأيام الأخيرة يدرسها واكتشف أن هذه القدرة متوافقة جدا مع مهنته أيضا
كان يخطط أصلا لاستخدام قدرة القطع في خيوط الحرير لتعزيز خاصية اختراق الدروع لدى الدمية
لكن بعد بعض التجارب، اكتشف أن استخدامها مباشرة على خيوط الحرير فعال جدا أيضا
في الظروف العادية، حتى شعر ساحرة القوي لا يستطيع تحمل أكثر من تركيز رياح من الرتبة الثانية
لكن إن كان ينقصه التماسك فيمكن تعويض ذلك برونات التماسك
نقش الرونات على الشعر مهارة بالغة الصعوبة
لحسن الحظ، كانت مهارات سو لون في صناعة الرونات متينة، ومحاولاته الأخيرة نجحت فعلا رغم أن الكفاءة كانت منخفضة قليلا، فمع رمحه ذي الأذرع الثمانية ويديه معا، لم يكن يستطيع نقش أكثر من نحو 20 إلى 30 مترا من الشعر بعد يوم كامل من الانشغال
في هذه اللحظة، كان سو لون يضع عدسة العين التي يستخدمها الميكانيكيون عادة، وينقش على الشعر بعناية بمساعدة الصورة المكبرة
بعد أن انشغل معظم اليوم، كانت خصلة شعر تلمع ببريق فضي خاص بين يديه، وعند غمرها بطاقة الرياح والنظر إليها عن قرب، بدت حادة كالنصل، وتظهر حدتها للعين المجردة
“آه~”
كانت النتيجة جيدة، وزفر سو لون بهدوء
ما إن حرّك أصابعه قليلا حتى طفت الخصلة برفق في الهواء ثم هبطت
وعندما لامست رجل طاولة خشبية، شقّتها بسهولة دون أي قوة تُذكر
وهو يراقب هذا الأثر، ضاقت عينا سو لون قليلا: “لقد بلغت تقريبا عتبة معدات الرتبة الذهبية…”
كانت طاقة الرياح المتدفقة مثل قاطع عالي التردد، لا يكاد يُرى، ومع ذلك كانت من أحدّ الأشياء التي رآها دون الرتبة الثالثة
ورغم أن الشعر ما زال هشّا، فإن حدته بلغت أقصاها
خصلات شعر مكثفة خاصة بقانون رياح الرتبة الثالثة يمكنها بسهولة قطع دروع فولاذية ودفاعات محترفين من الرتبة الثالثة
ومع حسن الاستخدام، تستطيع قطع محترفين دون الرتبة الثالثة بسهولة كأنها تقطع خضارا
بهذا الابتكار، أضاف سو لون ورقة رابحة جديدة إلى جعبته
لم يكن لدى سو لون نية للخروج، وكان يخطط لصنع بضعة أمتار أخرى من الشعر المنقوش بالرونات
لكن على غير المتوقع، رن جهاز اتصاله في تلك اللحظة، كانت زوجة المقامر تدعوه إلى الشراب
“ثاوزند تقدمت إلى الرتبة الرابعة؟”
بعد أن سمع الرسالة عبر جهاز الاتصال، خمن سو لون ما الذي يحدث
لم يلتقوا منذ آخر فراق عند الأطلال
لكن وهو يتذكر كثرة “أحجار سيد الشمس” التي كان قد عالجها من قبل، فلا بد أنها دخلت في عزلة لتخترق حاجزا جديدا
عند هذه الفكرة، لم يواصل سو لون البقاء في غرفة النزل، جمع مواده وخرج من الباب
…
الروايات قد تحتوي على مبالغات درامية لا تناسب الحياة الحقيقية.
كان كاي يعيش في قبو ليس بعيدا عن نزل سو لون
كان هو وسو لون متشابهين في الروتين، يقضيان كل يوم يتدربان بجنون في القبو
وكانت كيانتياو قد خططت أيضا للانضمام إليه، لكن الرجل لم يتخلص بعد من بشرته الزرقاء، وكان يخجل من الخروج، لذا لم ينضم
لذلك ركب سو لون دراجته النارية وحده إلى شارع نورتون
منذ أن دُمّر مكان الترفيه في الشارع الأخضر، انتقلت أكشاك القمار والحانات وأماكن اللهو إلى هنا
مرت عدة أشهر، وصار هذا المكان أكثر ازدهارا وحيوية
كان هذا نطاق كيانتياو
وعلى السطح، كانت ما تزال كادرا في جمعية الصليب
أوقف سو لون دراجته النارية عند جانب الطريق، وحدق فيه بضعة شبان مشاغبين بملابس صاخبة وهم قابعون قرب الشارع، يقيسون الغريب بنظراتهم
شعر سو لون بألفة كبيرة مع هذا المشهد، فهذا كان عمله سابقا في الشارع الأخضر
كان يعرف القواعد جيدا، فدفع رسوما لأفراد جمعية الصليب الذين يراقبون المكان، ثم سأل بلا تكلف: “يا أخي، هل رأيت الأخت كيانتياو؟”
نظر إليه القائد ذو الشعر المرتفع وحلقات الشفاه بدهشة وهو يسمع السؤال بهذه النبرة الواثقة من قواعد الشارع، ثم رد: “الأخت كيانتياو في كازينو لشبونة…”
“شكرا~”
عندها لم يستطع سو لون إلا أن يضحك بمرارة
فعلا، كان من الصحيح ألا يذهب إلى الحانة المتفق عليها
تلك المرأة المدمنة على القمار، ما دام في جيبها مال، لا تستطيع المرور بجانب طاولة قمار دون أن تتوقف
اتجه مباشرة نحو مكان القمار الذي يلمع بأضواء أرجوانية حمراء في البعيد
وفي طريقه، واصل كثير من السماسرة الاقتراب منه
“يا سيد، تبحث عن رفيقة؟ لدينا أحدث ما جاء من المدينة الداخلية، بضائع من الدرجة الأولى، سيدات نبيلات حقا~”
“يا أخي، ماذا عن شراب؟ حانة القمر الأزرق عندنا أفضل الرفاق وأفضل الشراب”
“ماذا عن مواد مبهجة للعقل، من صيدلي مرخص، مضمونة الجودة…”
“…”
كانت البيئة صاخبة، وفي جانب كان هناك صخب لهو وبذخ، وفي الأزقة المظلمة غير البعيدة كانت هناك مشاهد ابتزاز وسلب وقتل وجثث ملقاة
كان سو لون يضع دائما ابتسامة مسترخية على وجهه، فهذا هو العالم الخارجي، قاس لكنه عالم يعرفه
ما إن دخل مكان القمار وبدّل بعض المال إلى رقائق حتى وجد كيانتياو بسهولة وهي تقامر في الغرفة الخاصة، تحيط بها سيدات بملابس خفيفة
كانت ما تزال ترتدي رداءها القتالي، وذراعها الموشومة بقوة مكشوفة
“سبعة، سبعة، سبعة، يا للعجب…”
رأت سو لون يقترب لكنها واصلت رمي النرد بجدية
ظن سو لون أنه بعد أن تتقدم كيانتياو إلى الرتبة الرابعة ستصبح باردة بعيدة، فمحترف الرتبة الرابعة في مدينة لينغدون القديمة يُعد معلما استثنائيا، لكن الواقع أنها لم تتغير أبدا وما زالت على عفويتها
بعد أن خسرت لعبة الورق ورأت سو لون يصل، أشارت إلى المقعد بجانبها ونادته بحرارة: “تعال، هنا~”
اقترب سو لون، وكعادتها وضعت كيانتياو ذراعها حول كتفه: “على ماذا نراهن الجولة القادمة؟”
في المرة الماضية في نزل مخيم صيادي البراري، تقاسما غرفة لأيام قليلة، ومنذ ذلك الحين لم تعد هذه المرأة المدمنة على القمار تعتبره غريبا
كان يراقبها وهي تقامر بسعادة، لم يقل كثيرا، فقط جلس بجانبها ليؤنسها
وفي النهاية لم يشربا الشراب الذي خططا له، بل قاما بالمقامرة لساعات داخل مكان القمار
نفدت رقائق الأخت كيانتياو مرة أخرى
ومع عدم رضاها، سحبها سو لون خارج مكان القمار
….
عندما غادرا مكان القمار كان الوقت قد صار بعد منتصف الليل
لكن في شارع نورتون، كانت الحركة تبدأ بالكاد
ما إن خرجت كيانتياو حتى ظلت تتحسر على الجولة التي انتهت لتوها، تتمتم: “آه، لو عرفت أنك قادم لخرجت وقتها، كنت أربح في ذلك الوقت”
كان صوتها يشبه تماما صوت مقامر عجوز
لا يرحل عند الربح، ثم يندم عند الخسارة
استمع سو لون لها وضحك: “أختي كيانتياو، لماذا استدعيتني؟”
“لنشرب”
فكرت كيانتياو ثم ضمت شفتيها وغيّرت رأيها: “انس الأمر، خسرت مالا ولست في مزاج للشرب”
بعد توقف قصير تابعت: “تعال، سأعزمك على نقع ساخن”
“…”
لم يهتم سو لون كثيرا
شراب أو استحمام، كلاهما مناسب
وبعد أن حسموا الأمر، ذهبوا لإحضار الدراجة النارية
وهما يمشيان، سأل سو لون بلا تكلف: “أختي كيانتياو، لماذا تحبين القمار بهذا الشكل؟”
كان سؤالا طالما حيره
منطقيا، إرادة أصحاب الرتب العالية يجب أن تكون أقوى بكثير من إرادة الشخص العادي
وفوق ذلك، لمعلم بمستوى ثاوزند، ربح أو خسارة بضعة ملايين لا ينبغي أن يؤثر فيها كثيرا، ولا أن يكون جذابا لهذه الدرجة
لكنها بدت وكأنها لا تمل أبدا
أجابت ثاوزند بلا تكلف: “لأني أحبه”
ثم قلبت السؤال عليه: “ألا تجد القمار ممتعا؟”
بدا سو لون غير مهتم: “لا أظن ذلك”
من الناحية النظرية، يمكن للقمار أن يمنح الناس متعة كبيرة، فعند ربح المال قد يزيد إفراز الدوبامين عشرات المرات عن الطبيعي، ويزداد تعطش الجسد لهذه المتعة، ومن هنا يأتي الإدمان
ما قالته لم يكن خطأ
لكن ذلك ينطبق على الناس العاديين
لا على محترف رفيع الرتبة
رمقته ثاوزند بنظرة تحمل معنى أنه يفوّت متعة عظيمة في الحياة، لكنها لم تطل الحديث وسألت: “أين مفاتيح الدراجة؟”
قذف سو لون المفاتيح إليها
وباعتبارها أختا كبيرة في عالم الشارع، لم تكن ثاوزند لتجلس في المقعد الخلفي، ولم يمانع سو لون، فهذه ليست المرة الأولى
كانت شخصية ثاوزند محبوبة داخل العصابة، لا تتصنع علوّا، وكان الأفراد معتادين عليها، وحين رأوها تلتقط شابا وسيما بدأ أفراد جمعية الصليب يطلقون صيحات السخرية والضحك
“هيه~ أخت ثاوزند، تغيرين الأسلوب؟”
“هاهاها… هذه أول مرة أرى رجلا في المقعد الخلفي لأخت ثاوزند”
“تس تس… يا صغير، شد حيلك، نحن نشجعك~”
“…”
ضحك رجال غلاظ كثيرون وهم يمازحون، لم تهتم ثاوزند ورفعت إشارة ودية دولية، ثم شتمت ضاحكة: “انصرفوا يا جماعة~ ركزوا على العرض”
….
زأر محرك الدراجة النارية وهي تنطلق بسرعة
هذه المرة لم يشعر سو لون بالتوتر كما في السابق، فلف ذراعيه طبيعيا حول خصر ثاوزند النحيل، وشعر بدفئه
“هل نتمشى قليلا؟”
“حسنا”
لم يتجها مباشرة إلى الحمام، بل دارا حول الشوارع والأزقة الرئيسية في المدينة الجنوبية
ولأن الوقت كان متأخرا، فخارج منطقة الترفيه كان عدد الناس قليلا جدا في الشوارع الأخرى
كان هدير الدراجة النارية يبدو كأنه الصوت الوحيد في الليل الصامت
لم تكن السرعة كبيرة، وبدت ثاوزند راضية
وكان سو لون الجالس خلفها يشعر ببعض الملل فسأل: “أخت ثاوزند، هل تقدمتِ إلى الرتبة الرابعة؟”
وصل صوت ثاوزند الممتزج بالريح إلى أذنيه: “نعم”
كانت نبرتها عادية جدا لدرجة أنه لم يجد ما يتابع به
كان يظن أنها دعته إلى الشراب للاحتفال بتقدمها
لكن يبدو أنه بالنسبة لهذه المرأة المدمنة على القمار لم يكن الأمر مهما أصلا
ساد الصمت زمنا طويلا، وصارت الأجواء تميل إلى سخرية خفيفة
ربما شعرت ثاوزند بذلك، فعادت فجأة إلى موضوع سابق: “ألم تسأل للتو لماذا أحب القمار؟”
عند سماع تلك النبرة، اهتم سو لون: “هم؟”
بعد توقف قصير، قالت ثاوزند أخيرا: “امرأة راكشاسا بنجم نحس، وُلدت للذبح، ومكتوب عليها أن تعيش وحيدة طوال حياتها، إن لم أجد تسلية أخرى فالحياة مملة جدا…”
“…”
عند سماع ذلك، فهم سو لون الأمر فجأة
يبدو أن بعض المواهب تحمل معها قيودا قدرية معينة
مثل أن المرأة القطة تخاف الكلاب بطبيعتها، وأن مواهب الميل إلى النار لا تحب الماء…
وهذه الموهبة، [أ-022-امرأة راكشاسا]، رغم قوتها، تحمل حتى سمة خفية اسمها “نجم النحس”؟
….
بعد وقت قصير، توقفت الدراجة النارية أمام “حمام عائلة أكون”
بعد أن جاء إلى هنا عدة مرات، كان سو لون يعرف الطريق، فاتبع الخادمة ليغتسل، ومع معرفته بالمكان لم يحتج إلى دليل، وباعتباره ضيفا جاء مع ثاوزند، لم تسأل الخادمة كثيرا
ذهب سو لون مباشرة إلى “مسبح الينابيع الثلاثة” للاستحمام المشترك
في الزيارات السابقة، كان يكون في هذا المسبح عادة بعض سيدات ثاوزند الموثوقات
لكن هذه المرة لم يكن هناك أحد غيرهما
ومع ذلك، كان هناك شخص موجود في المسبح على نحو غير متوقع
“السيدة فيلو؟”
كانت تلك معارف سو لون، الراعية الغامضة لجمعية الصليب، السيدة فيلو
رؤيتها جعلت ملامح سو لون تبدو غريبة قليلا

تعليقات الفصل