الفصل 313 : عندما كنت صغيرا، أردت أنا أيضا أن أكون شاعرا
الفصل 313: عندما كنت صغيرا، أردت أنا أيضا أن أكون شاعرا
عندما خرج سو لون من فضاء رقعة الشطرنج، كان الأونميوجي قد اختفى بلا أثر
وباستثناء نحو مئة من محاربي الأشباح المقيّدين بخيوط الحرير، كانت بقية الكائنات في غابة الخيزران قد اختفت تماما
نظر تشيتاتسو إلى سو لون وهو يظهر وسأله: “كيف كان الأمر؟”
هز سو لون كتفيه وأجاب بشيء من العجز: “ذلك الشخص كان على الأرجح اليوكاي آبي ياسوكازو، قوي جدا، وفي الظروف العادية لا أحد منا يستطيع احتجازه”
كان قد وضع سابقا عدة خطط مضادة، لكن بدا أن أحدا من الموجودين لا يملك وسيلة لقتل ذلك الرجل
الناس خارج فضاء رقعة الشطرنج لم يروا من كان سو لون يقاتل، لكن سماع اسم “آبي ياسوكازو” جعل الأميرة تبدو مصدومة
كانت تعرفه جيدا جدا
لأن ذلك الرجل كان الكاهن الأكبر للعائلة الملكية
“لا عجب أنه لا يجرؤ على الظهور بنفسه…”
فهمت شينفوكو ميتسوكو شيئا على الفور، وصارت ملامحها ثقيلة وجادة
أدركت أن التهديد ليس من حكومة الشوغون فقط، بل هناك أيضا مشكلة كبيرة داخل العائلة الملكية نفسها
وبسبب هويته الخاصة، كان انكشافه سيجلب متاعب، لذا استخدم طريقة استدعاء الشيكيغامي ليقتل دون أن يُظهر وجهه
لكن ما صدم الأميرة أكثر، أن هذا السيد سو لون خرج سالما من مواجهة آبي ياسوكازو المعروف بأنه “أبرز كاهن في البلاط”
كان هذا غير معقول
لاحظ سو لون نظرة الأميرة وفهم شكها أيضا
بدا كأنه يخاطب تشيتاتسو، لكنه شرح للجميع: “قوة ذلك الرجل لا يمكن قياسها، لكنه بدا متحفظا ولم يستخدم كل ما لديه، ومع ذلك أرى أن هذا المكان لا يصلح للبقاء طويلا”
وما لم يقله سو لون هو: لو أنه استخدم كل ما لديه، لكان سو لون الآن يهرب ومعه تشيتاتسو ولولوتا
استمع تشيتاتسو وأومأ بخفة: “مم”
كان سو لون يعرف أن بين تشيتاتسو وشينفوكو ميتسوكو عقد حماية، ويدرك أنها قد تملك خططا أخرى، لذا لم يتدخل في اتخاذ القرار، واتجه ليتفقد محاربي الأشباح المقيّدين على هيئة “لفائف الأرز”
وبسبب انشغاله بالقتال، لم تُختم بعض محاربي الأشباح المقيّدين بالكامل فهربوا، ولم يبق سوى بضع عشرات
ولحسن الحظ كان قائد محاربي الأشباح المدرّع ما يزال موجودا، وعلى كل واحد منهم تعويذة ورقية
تفحّص سو لون الرموز المرسومة على تلك الأوراق البيضاء، وكانت تشبه الرونات إلى حد ما، أنماط وطاقة مصفوفة في تعويذة تثبيت كاملة لها أثر في طرد الشياطين وقمع الشر، لكن الطاقة داخل التعويذات لم تكن نقية، إذ استخدمت أيضا قوة الإيمان الشنتوي
كان راضيا جدا عن غنائمه
فمع مثل هذه العينات، سيبقى مشغولا وقتا طويلا
في مجال الخيمياء، نظريا يمكن تفكيك كل شيء في العالم، ويخضع لمبدأ التبادل المتكافئ، وأي سمة تملكها الكائنات الحية يمكن نسخها على مخلوقات رونية آلية، وإذا أتقن هذا تماما، فصنع جيش من مخلوقات آلية تعود للحياة بلا توقف في المستقبل سيجعله يجني ثروة كبيرة
وبينما يفكر في ذلك، لم ينس أن يقول لشينفوكو ميتسوكو غير البعيدة: “شكرا لك يا آنسة ميتسوكو”
عند سماع هذا، انحنت شينفوكو ميتسوكو بأدب: “بل أنا من يجب أن أشكرك يا سيد سو لون”
…
كانت هذه أول مرة منذ مغادرتهم إيدو وتعرّضهم للمطاردة ينجحون فيها في صد أعدائهم
ورغم أن الوضع تحسن، لم تنته الأزمة بالكامل، فسألت تشيتاتسو: “يا آنسة ميتسوكو، ما خططك الآن؟ لقد تراجع ذلك الرجل مؤقتا لكنه قد يعود مع تعزيزات”
نظرت ميتسوكو إلى سو لون كأن فكرة خطرت لها، ثم قالت: “يا آنسة تشيتاتسو، هل يمكن لك وللسيد سو لون أن تواصلا حمايتي بضعة أيام أخرى؟ سأقدم تعويضا مناسبا…”
كان سلوكها متواضعا جدا، بلا أثر لكبرياء أميرة أو راهبة مزار شنتوي
ثم توقفت لحظة وأضافت بنبرة تستوضح: “ولدي أيضا بعض الأمور أود أن أستشير السيد سو لون فيها”
سمعت تشيتاتسو ذلك ولم تُبد رأيا، بل نظرت إلى سو لون: “ما رأيك؟”
كانت ذراعاها مختومتين، وقوتها القتالية محدودة، ولو واجهت الموقف نفسه كما قبل فستعجز مهما كانت نيتها
“…”
لكن سو لون كان بوجه لا مبال
لأنهما كانا قد توصلا إلى تفاهم صامت، ولاحظ أيضا لمحة غرابة في تعبير كيانتياو، كأنه ينتظر منه جوابا
فكّر أنهما ليسا قريبين ولا يوجد عقد بينهما، ولو واجهوا عدوا لا يستطيعون هزيمته فسوف يهرب بلا تردد، لذا قال: “لا مانع لدي”
ثم إن لفيفة الإرث وروح “سيف الشبح” الخاصة بأكي جاءت منها، وكان هناك ارتباط عاطفي ما، ومع تحقيق الهدف الأساسي من القدوم إلى أمة ناسك الجبل، لن يضره أن يرافقهم
وفوق ذلك، شعر بعد تفكير أعمق أن التعامل أكثر مع شينفوكو ميتسوكو سيكون مفيدا
فقد أثارت معركته قبل قليل مع الأونميوجي رغبة سو لون كخيميائي في تعلّم المزيد عن التقنيات الشنتوية السرية
وكانت معلمته سيريا تقول دائما إن الخيميائي يجب أن يكون واسع المعرفة، يفهم العالم، ويستخدم المعرفة لفهم كل شيء، وإن فهم الحكام العظماء أيضا جزء من ذلك
ولم يكن هناك شخص أنسب للنقاش من راهبة مزار شنتوي
كان يريد أن يسأل عن بعض التقنيات الشنتوية السرية، مثل “تقنية رجل الورق” الأخيرة، ومبدأ بعث محارب الأشباح، أو وحوش أخرى غريبة ومحيّرة
عندما وافق سو لون، أضاء وجه شينفوكو ميتسوكو بالفرح، فانحنت مرة أخرى لسو لون وكيانتياو وقالت بإخلاص: “أقدّر مساعدتكما كثيرا”
“لكن…”
نظر سو لون إلى الفوضى في غابة الخيزران، وتذكر شيئا فجأة وغيّر مجرى الحديث: “أرى أن الأميرة يجب أن تقوم ببعض الاستعدادات الأخرى”
كان يمكنه أن يوافق على المساعدة قليلا، لكنه لا يريد أن يجذب متاعب كبيرة فعلا
لم يفهم بعد سبب “تساهل” آبي ياسوكازو في السابق، لذا كان عليه أن يكون أكثر حذرا
قال سو لون مباشرة: “آبي ياسوكازو لديه شيكيغامي يُدعى إينوغامي إلى جانبه، وإذا غادرنا هكذا فهناك احتمال كبير أن يطاردونا من جديد”
كان هذا واضحا لأي شخص
عندها سألت شينفوكو ميتسوكو بحذر: “يا سيد سو لون، ما اقتراحك إذن؟”
كان سو لون يعرف أن كيانتياو قد يملك أسبابا لعدم التقدم بدور “صاحب الكلام القاسي”، فاضطر أن يفعل ذلك بنفسه
وقال بوجه جامد: “أظن أننا نستطيع الانقسام إلى عدة مجموعات، إينوغامي يتعقب أهدافه عبر الرائحة، لذا أقترح أن تنفصلي أنتِ يا أميرة عن الحراس، ويحمل الحراس بعض قطع الملابس ويتجهوا في طرق مختلفة”
كانت هذه الخطة الأكثر عقلانية في تلك اللحظة
وقد فكّر سو لون في ذلك بعناية قبل أن يتكلم
وبما أن الأميرة راهبة مزار، فإن تدريبها الذاتي ليس ضعيفا، وهي أيضا ماهرة في فن التقنيات السرية لمسار الشبح، فاحتمال تعقبها باستمرار من الوحوش موجود لكنه ليس مرتفعا
وهذا الترتيب يستبعد أيضا احتمالا آخر، وهو أن العدو ربما كان يتعقب أحد حراسها فعلا
عندما سمعت الأميرة ذلك، ظهرت لمحة تردد على وجهها
فمن دون حراسها، ستكون حياتها بالكامل بين أيدي هؤلاء الثلاثة الغرباء من أمة ناسك الجبل
لكن هذا التردد لم يدم إلا لحظة، إذ أومأت فورا وقالت بجدية: “حسنا، وأنا أيضا أرى أن خطة السيد سو لون جيدة جدا”
في الحقيقة، منذ اللحظة التي اختارت فيها البقاء في المعركة، كانت قد سلّمت حياتها بالفعل لهذا “النجدة”
ومع الوضع الحالي، وجود الحراس أو عدمه بدا بلا فرق
فأساليب آبي ياسوكازو لم يكن بوسع بضعة نينجا من مستوى عال أن يصمدوا أمامها
لكن عند سماع هذا، بدا قائد الحراس قلقا وقاطع بسرعة: “لكن يا صاحبة السمو…”
رغم أنه رأى الخطة معقولة، بصفته قائد الحرس كان قلقا من ترك الأميرة الثمينة بين أيدي “غرباء”
فقالت شينفوكو ميتسوكو بحزم: “لا داعي للمزيد، سنفعل كما قال السيد سو لون”
لم يجد حراس النينجا سوى الانحناء والامتثال: “نعم يا صاحبة السمو”
“عذرا يا آنسة تشيتاندا، يا سيد سو لون، هل يمكن أن تنتظراني لحظة؟”
قالت ذلك ثم مشَت الأميرة نحو الجزء الأكثر ظلمة من غابة الخيزران
خمن سو لون من تصرفها أنها ستبدّل ملابسها
ورغم أن بصره الليلي لا بأس به، لم يكن من اللائق أن يحدّق في فتاة تبدّل ملابسها، فاستدار وبدأ بجدية يربط هذه الكومة من “لفائف الأرز”
….
لم يمض وقت طويل حتى عادت شينفوكو ميتسوكو، وقد بدّلت ملابسها بالفعل إلى طقم آخر
خلعت تنكرها وارتدت رداء منصبها الكهنوتي، ثوبا داخليا من حرير أبيض بسيط، ومعطفا مطرزا بنقشة شمس فضية، وتحت ذلك تنورة مطوية باللون الأحمر، وفي قدميها صندلان من القش المعقود باللون الأحمر، وكان شعرها الأسود الكثيف اللامع ينسدل على كتفيها، فصار مظهر “الشعر الأسود الطويل المستقيم” يحيط بها في لحظة
نظر سو لون إلى شينفوكو ميتسوكو بملابس النساء، وومضت عيناه بدهشة خفيفة
حقا، كانت ملابسها الرجالية لافتة للنظر، والعودة لملابس النساء جعلتها أكثر روعة بطبيعة الحال
وعلى عكس برود السيد جينغ المتعالي، وحماسة تشيتاندا القتالية، ووحشية يوتا، وسحر سابينا… كانت شينفوكو ميتسوكو تملك جاذبية رقيقة مهذبة، وفوق ذلك، وبحكم كونها “خادمة القوة العظمى”، ومع رداءها الأحمر والأبيض الأنيق، ترسخت في الذهن صورة النقاء والسمو والصفاء والجمال الكلاسيكي، وكأنها تنشر سحرا خاصا في كل حركة
رمقها سو لون ثم أبعد نظره بسرعة، وخطر له خاطر: لا عجب أنها ترتدي ملابس الرجال، فبهذا المظهر سيكون من الصعب ألا تلفت الانتباه دون تنكر
ومع ذلك، أكثر من ملامح الأميرة الرقيقة، عاد سو لون لينظر إلى ذلك الرداء
فعند التدقيق، لم تكن الحياكة متقنة فقط، بل كان الرداء نفسه كنزا، فالطبقة الخارجية والبطانة كانتا أردية تعاويذ، وحتى الحبل القماشي الأبيض عند خصرها كان يملك خصائص لطرد الشياطين، كأداة روحية شنتوية
ورغم أن أهل أمة ناسك الجبل فقراء، إلا أن بعض طبقاتهم لا تقل نبلا عن طبقات العالم الخارجي
كانت تشيتاندا، التي كانت الأخت الكبرى في جمعية الصليب، معتادة على الكلام المُلطّف، وبمجرد رؤية الفتاة الجميلة قالت بعفوية: “واو… يا آنسة أميرة، تبدين جميلة جدا”
سمعت شينفوكو ميتسوكو هذه المزحة الخفيفة، فبدت وجنتاها وقد اكتسبتا مسحة خجل، وأومأت بخفر: “أنتِ تمدحينني يا آنسة تشيتاندا”
ثم ناولت أربعة طرود كانت تحملها إلى أربعة حراس وأمرت: “يا رجال جينوي، هذه تحتوي على ملابسي ودمى الورق، ستتجهون كل واحد منكم إلى مزارات في أواري وميكاوا وناغانو وأكيياما”
“نعم يا صاحبة السمو”
أخذ حراس النينجا الطرود واختفوا في غابة الخيزران في لمح البصر
استمع سو لون لترتيبات شينفوكو ميتسوكو ولم يجد فيها عيبا، فالمواقع الأربعة تشتهر بوجود مزار إيسه العظيم، وهي بالفعل خدعة جيدة
…
بعد رحيل الحراس، لم يبق في غابة الخيزران سوى الأربعة
بدت حالة الأميرة النفسية غريبة قليلا
ومع قلة الناس، صار المكان شديد الفراغ
فالأميرة الملكية كانت دائما تسافر وحولها حراس، ولم تختبر الخروج وحدها من قبل
والآن لم يعد يحيط بها سوى بضعة غرباء
شعرت الأميرة بشيء من العزلة
وبما أنهم لا يستطيعون البقاء في غابة الخيزران، سألت تشيتاندا: “يا آنسة أميرة، إلى أين سنذهب الآن؟”
بدت الأميرة كأن لديها خطة مسبقا وقالت: “في الجنوب الغربي، على مسافة أقل من نحو 160 كيلومترا من هنا، تقع منطقة إيزومو، وهناك جبل يُدعى “جبل بكاء الشاي”، وفيه قاعدتي السرية”
“أوه”
رفعت تشيتاندا حاجبا بوجه لا مبال
وبينما يتحدثون، تذكرت الأميرة شيئا وأضافت: “يا آنسة تشيتاندا، ألم تسألي سابقا عن الينابيع الحارة قرب بركان؟ جبل بكاء الشاي يملك أفضل حمامات الينابيع الحارة لدى أمة ناسك الجبل، والمنظر هناك رائع جدا في الشتاء”
عندها أضاءت عينا تشيتاندا فورا وبدا أنها تحمست: “رائع، لنذهب إلى هناك”
ابتسمت الأميرة
أما سو لون، فلم يهتم بالوجهة، فبعد أن صار “إرث الساحر الروني” في يده، كان هدفه النهائي في أمة ناسك الجبل قد تحقق، وكان عليه أن يستوعب تلك المعرفة بسرعة ثم يصنع “نسخة من الرونات الأولى” ليتقدم إلى الرتبة الرابعة
كانت القوة الروحية المظلمة قد فاضت بالفعل، وفقط بعد التقدم إلى المستوى الرابع سيحدث اختراق آخر، يضاعف قوة جميع السحرة بشكل كبير، وإذا واجه آبي ياسوكازو مرة أخرى فسترتفع ثقته في التعامل معه كثيرا
قرر الأربعة طريقهم، ومَحوا آثار المعركة، ثم اختفوا داخل غابة الخيزران
…
كانت مدينة القراصنة هاستيلين دائما مكانا تختلط فيه القوى المختلفة، لا يضم القراصنة وحدهم، بل قوى عديدة تتخفى في الظلال
وبينما كان الأسطول التاسع لقوات الشمال البحرية يتجه نحو أمة ناسك الجبل، كانت في ميناء سري داخل المدينة الذهبية سفينة تجارية غير لافتة راسية، وكان عدة أشخاص بعباءات يستعدون للإبحار
على سطح السفينة، بدا أن مشهد وداع يجري
كانت إحدى الشخصيات ذات العباءة تمسك بيد أخرى وتتحدث عن شيء ما
“يا جدتي الكبرى، هل تحتاجين حقا أن تذهبي بنفسك؟ لكن صحتك…”
كان الصوت لطيفا جدا، كصوت فتاة في ربيع عمرها، ورغم أن عباءة الخيمياء أخفت وجهها، فإن التدقيق يُظهر أن المتحدثة تملك شعرا أرجوانيا جميلا
أما الشخصية الأخرى فكانت منحنية قليلا، كعجوز تقترب من نهاية حياتها
وتحدثت بصوت هادئ بطيء: “نعم، لقد بلغت حياة الجدة نهايتها، إن لم أذهب الآن فلن أستطيع حتى العام المقبل أيضا”
كانت تمسك بيد الفتاة ذات الشعر الأرجواني كأنها الوداع الأخير: “كاتيوشا، لا تحزني على رحيل الجدة، المجيء إلى أمة ناسك الجبل… كان اختيارا نادرا في حياتي لأتبع إرادتي أنا، وشكرا لك، بعدما سمعت قصتك قررت أن آتي وأرى بنفسي”
كانت الفتاة ذات الشعر الأرجواني تعرف أن هذا الوداع سيكون الأخير، فجاء صوتها ممتلئا بالحزن: “لكن… يا جدتي الكبرى، الوضع في أمة ناسك الجبل الآن عند نقطة حرجة، ونتائج علم النجوم… ليست جيدة أيضا، إن كنتِ لا بد ذاهبة، دعيني أرافقك، حسنا؟”
“لا، أريد أن أذهب وأرى بنفسي”
كانت العجوز، التي استسلمت منذ زمن لحقيقة الحياة والموت، تربت برفق على خديها المبللين بالدموع: “كاتيوشا الصغيرة، اعديني أن هذه ستكون دموعك الأخيرة، ما دمتِ قد اخترتِ طريقك فامضي بثبات”
“…”
صمتت الفتاة ذات الشعر الأرجواني، ولم تستطع أن تعبّر بكلمات عن ألم وداع أعز إنسانة في حياتها
رفعت العجوز وجهها الملطخ بالدموع بين يديها وابتسمت: “أن تولدي في عائلتنا حظ وسوء حظ معا، في شبابي تزوجتُ ضمن تكتل مالي في الجنوب لمصلحة العائلة، وقد ساومتُ وقدّمت كل شيء لازدهار عائلتنا طوال حياتي، والآن في آخر عمري أريد أن أشق طريقي لهذه الرحلة الأخيرة، اذهبي إلى هناك وانظري إن كانت قصته تحمل انعكاسا لي”
لم تعرف الفتاة ذات الشعر الأرجواني كيف تبدأ الحديث: “يا جدتي الكبرى…”
“لو كان لدي شجاعتك عندما كنت صغيرة، لربما سلكت طريقا مختلفا”
ابتسمت العجوز بحنان: “في ذلك الوقت، كان حلمي أن أكون روائية أو شاعرة رحّحاكم، وحتى الآن، حين أفكر في الأمر يبدو جميلا”
وبينما تتحدث، عكست عيناها المعتمتان صورة الفتاة ذات الشعر الأرجواني، كأنها ترى نفسها في شبابها، وبدأت تروي قصتها: “في ذلك الوقت، مثلك، كنت أحب كتابة المسرحيات وتأليف أجمل القصائد، وكان غوستاف يحب كتابة روايات عن الحكام العظماء والأرواح، كان يكتب بخيال واسع بلا حدود، وغالبا عن حكايات طبقات دنيا، مثل هذه القصص لا تلقى ترحيبا في المجتمع الراقي، وكنا نعيش في فقر دائما، لكننا لم نكن نهتم بالمشقة وقتها، كنا نركض بجنون فوق تلال مغطاة بالزهور، نضحك بطيش، وكأن غدنا سيكون دائما مليئا بأزهار متفتحة…”
عند سماع هذه الحكاية، هدأ بريق عيني الفتاة ذات الشعر الأرجواني شيئا فشيئا واستقر
كانت قد دفنت ماضيها في تلك الغابة الكثيفة
ومن الآن فصاعدا، لن تكون هناك أزهار متفتحة على طريقها
وحان وقت الفراق في النهاية
ربتت العجوز على كتفها: “حسنا، يجب أن أرحل”
ظلت الفتاة صامتة وأومأت برأسها
رفعت العجوز يدها مودعة، وابتسمت وهي تقول كلماتها الأخيرة: “الندم الوحيد لدى الجدة الآن أنها لن تستطيع أن تراك تكبرين، وأنا أيضا فضولية، أي رجل يستطيع أن يجعل كاتيوشا الصغيرة تتخذ مثل هذا القرار؟”
عند سماع هذا، لمست يكاترينا خصلة شعر عند صدغها وابتسمت ابتسامة واسعة: “يا جدتي الكبرى، لقد كبرت كاتيوشا بالفعل”
“همم”
استندت العجوز إلى الحاجز وهي تبتسم
ابتعدت السفينة ببطء عن الميناء

تعليقات الفصل