تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 374 : قلب آلية الدمية

الفصل 374: قلب آلية الدمية

في غضون عشر دقائق فقط حصل سو لون على كنزين من المستوى الأعلى: “قوس لعنة زمن كرونوس” و”الرمح الذهبي العظيم لقانون السببية لسيد الحرب تير” ومع ذلك لم يشعر بالحظ بل أحس أن الأمور تنزلق نحو اتجاه سيئ جدا

في الأصل ووفق خطته حتى لو أنقذ باريت فلن تكون المشكلة كبيرة

العلامات السحرية وما شابهها عديمة الفاعلية تماما داخل “العالم الأثيري الصغير”

وبفاصل مستويين من الوجود لم يكن تعقبه بالأمر السهل

كان سو لون ينوي أن يجد مكانا يختبئ فيه أولا وبعد أن تهدأ الضجة سيصبح على الأرجح في أمان

ففي النهاية هذه مملكة رومان ومهما كثر عملاء جهاز استخبارات لوينغ المتخفون فلن يستطيعوا جرّه من المدينة بهذه السهولة

وحتى لو أراد رجال أسطول البحر الشمالي العثور على باريت للسؤال عن الأسطول المفقود وباستخدام وسائل خاصة فالأرجح وبشكل مؤكد أنهم سيركزون بدقة أكبر على أولئك التابعين لـ”فيلق الحكم المكرم” ولن يشكوا أبدا في سو لون “الدخيل”

لكن الآن صار الوضع أكثر إزعاجا

لم يعرف سو لون لماذا سقط رمح ذهبي من السماء ليقتله

والآن بعد أن أُدخل إلى “العالم الأثيري الصغير” صار الموقف حساسا

كان قد تأكد بالفعل أن هذا الرمح الذهبي هو “كنز العشيرة” المحبوب داخل معبد أغابارنون

هذه مسألة تحمل تعقيدات ودلالات خطيرة

وكان سو لون قد سمع صدفة بأسطورة “الرمح الذهبي العظيم” وأنه رمز إيمان لدى شعب رومان

إن امتلكه دخيل فذلك يجعله عمليا عدوا لكل رومان

لكن إن لم يأخذه فسيُقتل بالرمح

وبناء على هذا الوضع كان سو لون يفكر كيف يحل المتاعب القادمة

وبينما يركض عبر المدينة ظهرت في ذهنه أسئلة أخرى

من الذي رمى هذا الرمح؟

هل أرادوا قتله فقط لضرب باريت؟

شعر سو لون أن هذا احتمال قائم لكنه غير مرجح

إن كان شخص ما يستطيع عبر العرافة تعقب باريت داخل “العالم الأثيري الصغير” عبر مستوى وجود مختلف فهذا مستحيل ببساطة هل يتطلب ذلك عرّافين من الرتبة السابعة أو الثامنة أو حتى التاسعة؟

ومن الواضح أن باريت لا يستحق تكلفة باهظة كهذه

الاحتمال الأرجح أن الرمح الذهبي كان موجها أصلا إلى سو لون نفسه

ومن يملك القدرة على استخدام هذا الرمح الذهبي لا بد أن مكانته ليست عادية

ومن المرجح جدا أنه “شخصية كبيرة” من معبد أغابارنون

لكن سو لون شعر أنه لا خلاف له مع المعبد فلماذا يريدون قتله؟

كان داخل “العالم الأثيري الصغير” الآن عدة مشكلات كبيرة سواء كان باريت أو السلاحان فكلها أشياء لا ينبغي أن تظهر للعلن الآن

ظل سو لون يركض في أرجاء المدينة ويختبئ هنا وهناك كأنه يحمل عدة قنابل موقوتة وقلبه ممتلئ بالقلق

لحسن الحظ بقي طائر التنبؤ بالموت هادئا جدا ولم تقع حوادث غريبة أخرى

لكن فجأة اخترق مدينة موروس الشاسعة صوت أبواق عميق

“ووووم…”

كان مثل صفارة إنذار فاستيقظت المدينة كلها على صوته

“وووش~”

“وووش~”

“وووش~”

“…”

ثم تبع ذلك سلسلة انفجارات أخرى وانطلقت مشاعل ضوئية إلى السماء

كان الليل في أشده ومع ذلك أضاءت تلك المشاعل السماء كأنها نهار فأنارت الشوارع ومن يتسللون فيها

وفي الوقت نفسه أطلقت ثكنات جيش رومان ومعسكرات حفظ الأمن ومحطات أسطول البحر الشمالي ومختلف السلطات الرسمية نداء التعبئة فتدفقت أعداد لا تحصى من المحاربين المدرعين حاملين الرماح إلى الشوارع والأزقة

كان القتال السابق مجرد ضجة سببها دخيلون من نقطة استخبارات أما الآن فقد تحرك أهل رومان أنفسهم

راقب سو لون هذه الجلبة ولم يذعر بل تنفس الصعداء في داخله

أضاءت المشاعل وجهه الجاد بوضوح فرفع رأسه نحو السماء وتمتم “بدأت مطاردة واسعة النطاق إذن…”

التفتيش بالقوة البشرية يعني أن أولئك التابعين للمعبد لم يعودوا يملكون وسائل غامضة لتحديد مكانه

“يبدو أنني في أمان مؤقتا…”

أطلق سو لون زفيرا طويلا ومر بريق حاد في عينيه

بعد أن شاهد تقنيات عرافة متعددة صار يفهم مبادئ العرافة بوضوح شديد

كلما ارتفعت رتبة هدف العرافة زادت تشابكات السببية وكلما كانت البيئة أعقد ارتفعت تكلفة العرافة المطلوبة

لم يعد سو لون ذاك الضعيف من الرتبة الثانية حين خرج أول مرة من لينغدون القديمة وكان يسهل على أي شخص أن يعثر عليه بالعرافة

لقد ارتقى الآن إلى الرتبة الرابعة ومع كثرة الكنوز الثمينة التي يحملها صار الاعتماد على العرافة البشرية شبه مستحيل وكان يقدّر أن أي عرّاف دون الرتبة السادسة لو حاول تحديد موقعه بدقة فربما يسقط ميتا في مكانه

ومن دون الرمح الذهبي الذي يملك قدرة خاصة مرتبطة بقانون السببية سيكون من الصعب عليهم تثبيت مكانه بدقة

ومع هذه الفكرة شعر سو لون بحظ أكبر لأنه أدخل الرمح الذهبي معه

كنز بهذا المستوى قد لا تستطيع مملكة رومان كلها صنع كنز ثان مثله

التعرض لكمين مرة واحدة يعني أن الطرف الآخر فقد زمام المبادرة

“حتى لو كان الكاهن الأكبر الغامض في معبد أغابارنون فلن يستطيع في أقصى ما يمكن إلا أن يتنبأ بأنني داخل المدينة أما الخروج من المدينة فسيجذب الانتباه”

بعد تحليل كل المعطيات المعروفة بسرعة خاطفة تراجع سو لون عن قراره الأول بالمغامرة والخروج من المدينة

كان سو لون قد وضع خطة كاملة للهروب الطارئ إن واجه تفتيشا واعتقالا

النزل ومحطات البريد والحمامات وأحياء اللهو والحانات… هذه أماكن يتجمع فيها الغرباء وستكون هدفا لتفتيش صارم بلا شك

لم يجرؤ سو لون على الذهاب إلى تلك الأماكن بل توجه مباشرة إلى الأحياء الفقيرة

هناك كانت مناطق عشوائية تعج بالحياة وتكتظ بمئات الآلاف من الطبقة الدنيا

ازداد الوضع في المدينة فوضى وبدأ الجيش وزعماء الأحياء والقراصنة… وقوى متعددة تحت راية ملك البحر الشمالي تتحرك

ومع إغلاق بوابات المدينة الأربع والطرق الرئيسية كلها لم يعد أحد قادرا على التحرك علنا

لكن هذا كان خبرا جيدا لسو لون

لم يكن هو وحده من لا يريد أن يُقبض عليه ففي مدينة موروس كانت قوى شتى متداخلة وخاصة الفصائل المتعددة التي تريد اغتيال “أميرة قمر الصقيع” كانت بدورها تكره الظهور للعلن

لأن ليس الجميع يعرف أن معبد أغابارنون يبحث عن “الرمح الذهبي العظيم” المفقود

عند مواجهة التفتيش كان القتلة سيظنون بالتأكيد أن أمرهم انكشف وأن القتال صار لا مفر منه

كانت المطاردة على مستوى المدينة كلها كإشعال قنبلة في بركة أسماك فتجبر السمكة الكبيرة المختبئة في الظلام على الظهور

بعد وقت قصير من بدء الإغلاق اندلعت اشتباكات في أنحاء المدينة

….

ومن الواضح أن مسألة “الرمح الذهبي” بلغت أقصى درجات الأهمية وأن إصرار معبد أغابارنون على استعادة كنزه المكرم تجاوز التوقعات

حتى كاهنات المعبد أنفسهن وهن يرتدين أردية طويلة ويغطين وجوههن بالأوشحة ظهرن في أنحاء المدينة شخصيا

ومع ندائهن تحركت جماهير رومان كلها

شعب رومان يولد محاربا فحين تسلح الناس بسرعة تحولت العامة إلى حراس تفتيش

وانضم مزيد ومزيد من الناس إلى المطاردة حتى داخل الأحياء المدنية المتشابكة

اندس سو لون وسط الأحياء الفقيرة المدنية لكنه وجد نفسه محاصرا هناك

الطرق الرئيسية في الخارج كانت قد امتلأت بجنود رومان

تحرك سو لون بسرعة عبر الأزقة الضيقة

وكانت تحذيرات عاجلة تتردد في أذنيه عبر مكبرات الصوت

“لص سرق ‘الرمح الذهبي’ ودنس معبد سيد حربنا المكرم…”

“أحكام عرفية عاجلة حظر تجول على مستوى المدينة كل من لا علاقة له بالأمر فليعد إلى مسكنه فورا!”

“أمر الكاهن الأكبر بأن يبقى كل أهل رومان في بيوتهم ويتعاونوا مع التفتيش إن صادفتم أشخاصا غير مألوفين فأبلغوا عنهم فورا!”

“…”

عند سماع هذا اشتعل غضب جماهير رومان

تدنيس إيمانهم جرح لا يساويه شيء فصار كثيرون يصرخون مطالبين بإمساك “اللص”

ارتعش وجه سو لون وهو يستمع وتلاشت تماما انطباعاته الجيدة السابقة عن أهل رومان

سرقة؟

تفشلون في خدعة خفية ثم تسمونها سرقة؟

يبدو أن حتى منظومة إيمان تبدو بسيطة ليست سوى أداة في يد أصحاب السلطة

لكن سو لون خرج أيضا باستنتاجات

أي فعل يقوم به كهنة معبد أغابارنون يطيعه أهل رومان بلا شرط لكنهم الآن يلجؤون إلى خداع الناس

وهذا يعني أن قضية رمي الرمح من طرف أحد رجال المعبد لا تتحمل التدقيق

وإلا لما احتاجوا إلى هذا الكتمان

ومع تفتيش المدينة كلها صار وضع سو لون سيئا

لم يتوقع أن تتصاعد الضجة إلى هذا الحد

وبحسب الظروف لن تنتهي القصة قبل أن يقلبوا المدينة رأسا على عقب

ومن الواضح أن بينهم أصحاب خبرة فالجيش الذي تحرك فورا طوق الأحياء الفقيرة وقسم المنطقة العشوائية المعقدة إلى عشرات الأقسام للاستجواب بيتا بيتا

لم يرفض أي من أهل رومان التعاون

فالرافضون للتعاون هم المذنبون بلا شك

اضطر سو لون إلى تعديل خططه الأصلية أيضا

حتى لو تنكر بقناع جلد بشري على هيئة رجل من رومان فإن كونه وحيدا بلا أهل ولا أصدقاء سيجعله موضع تركيز أصلًا أسئلة عن الأصل والجيران ومدة الإقامة… بضع أسئلة تكفي لكشفه

وما هو أسوأ أنه لم يصل حتى إلى مخابئه التي استطلعها مسبقا قبل أن تقطع القوات الطرق عليه

بفضل الرؤية المشتركة مع الغراب الأسود وقدرة الاستشعار لدى مظلة الرون نجا بصعوبة من عدة مجموعات لكن الوضع صار أكثر خطورة

وفي تلك اللحظة وبينما كان سو لون يختبئ في زقاق مظلم انقطع طريقه مرة أخرى

قتل هؤلاء الناس لن يكون صعبا لكن انكشاف أمره سيجلب متاعب كبيرة لاحقا

راقب مشهد الاستجواب من بعيد وشعر بثقل في قلبه “هذا سيئ… بلا ‘عائلة’ ولا ‘معارف’ سأكون هدفا للاستجواب بالتأكيد يبدو أنهم يركزون على من دخلوا المدينة في الأيام القليلة الماضية”

رفع سو لون رأسه وتفحص محيطه ولاحظ أن عدد المتفرجين يزداد وأن فرصته في البقاء مخفيا تتناقص

وبينما كان يحسب أي اتجاه يمنحه أفضل فرصة للاختراق رأى فجأة رأسا يطل من الطابق الثاني لبيت سكني قريب نظرت نحوه ونادته بنبرة سؤال “سيدي؟”

رفع سو لون رأسه وتعرف على صاحبة الصوت كانت الفتاة ذات الضفيرة الطويلة من سوق الخردة التي اشترت دمية ويبدو أن اسمها كاما

لم يتوقع أن تسكن هنا

كانت نظرة واحدة كافية لتخمن كاما أنها تعرفت على الشخص الصحيح لمعت الحيرة على وجهها كأنها تحسم قرارا ثم أشارت بيدها “سيدي تعال إلى هنا بسرعة!”

لم يعرف سو لون كيف تعرفت عليه لكن بعد لحظة تفكير انتقل مكانيًا وظهر داخل غرفة ذلك البيت

مع فرض حظر تجول على مستوى المدينة فإن أي شخص يظل يتجول في الشوارع لا بد أن يكون دخيلا بلا مسكن ثابت

ما إن دخل سو لون حتى رأى كاما تخرج من خاتم تخزينها دمية رونية سوداء بطول نحو نصف متر

وبمجرد النظر اتضح أنها كنز

[دمية بديلة للحياة]

الشرح: دمية قديمة موروثة منذ أكثر من 1,000 سنة منقوش عليها “صنعها روبرت بويل” بعد وضع الدم عليها تنقل آثار السببية الحديثة وكل آثار التتبع من صاحبها إلى الدمية فتتجنب رصدها بوسائل غامضة

“…”

تفاجأ سو لون

كان يعرف كيف يصنع مثل هذه [الدمى البديلة للحياة] لكن المواد المطلوبة نادرة جدا ولم ير واحدة من قبل حتى الآن

ومن غير المتوقع أن يلتقي بها هنا

وحين رأى اسم الصانع تبيّن أنها من صنع “الأخ الأكبر” في السلسلة

هل كانت كاما مستعدة فعلا لإخراج دمية إرث العائلة؟

نظر إليها سو لون بدهشة “من أجلي؟”

فهم فورا أنها لا بد أن تكون خمنت أنه الشخص الذي تتم مطاردته في المدينة

كيف اكتشفت كاما ذلك وكيف تعرفت عليه بهذه المصادفة؟

وبينما يتكلم ظهر الحذر في عيني سو لون أيضا فإخراجها للدمية يعني أنها تشك في شيء ما

قالت “إن احتجتها فلا تتردد”

كانت كاما ذكية بوضوح وحين رأت التعبير الدقيق على وجهه خمنت قلقه

الانكشاف في مطاردة شاملة يجعل أي شخص حذرا

خاطبته بلقب رسمي وأضافت توضيحا “رجاء لا تسيء الفهم شعرت فقط أنك قد تحتاجها قدرتي الفطرية هي [الدرجة ب-098 الحاسة السادسة] والسبب الذي جعلني أناديك قبل قليل هو إحساس… بأنك قد تكون أنت”

وهذه هي الهبة إذن

عند سماع ذلك ظهر على سو لون تعبير فهم وقبل الدمية

“شكرا هذا كنز ثمين جدا”

أبدى امتنانه ثم بلا تردد أحدث شقا صغيرا في إصبعه بالخيط ومسح دمه على الدمية

في الظروف العادية ما كان ليقبل كنزا بهذا المستوى من غريب بلا سبب لكن الوضع كان ضاغطا ولا مجال للمجاملة وكان عليه استخدامها

ومع مسح الدم الطازج ومض نور روحي على جسد الدمية

قالت كاما “لا حاجة للمجاملة أبي كان يعلمني دائما أن الكنز يكون ثمينا لأنه يُستخدم في المكان الصحيح”

راقبت كل شيء وتأكدت أكثر في داخلها من أمر ما: لا أحد يعرف طريقة استخدام هذه الدمية إلا من ينتمي إلى سلالة سيد الدمى في خطهم

شعرت فورا أن الكنز وصل إلى الشخص الصحيح وأضافت “يمكنك رميها في الموقد”

“حسنا”

أومأ سو لون ورمى الدمية الملطخة بالدم في الموقد المشتعل وتنفس الصعداء

مع احتراق الدمية لن يستطيع أحد أن يتعقبه عبر السببية التي نشأت هذه الليلة

الآن حتى لو أمسكوا به فلن يخاف

معرفته بقيمة إرث العائلة جعلته لا ينوي الاستفادة دون مقابل فقال مباشرة “الدمية البديلة للحياة التي استخدمتها الآن ثمينة جدا ماذا تريدين مقابلها؟”

هزت كاما رأسها وقالت “سيدي… رغم أن الدمية ثمينة فهي لا تفيدني كثيرا لا تقلق”

ظن سو لون أن السبب هو تلك الرسومات القليلة التي أعطاها لها سابقا فكان هذا رد الجميل

سألت كاما “سيدي هل أنت من سلالة محرك الدمى؟”

لم يخف سو لون شيئا واعترف مباشرة “نعم أنا كذلك”

عند سماع هذا تلألأت بؤبؤا كاما البنيان بوضوح “حقا! إذن أنت… من أي سلالة؟”

سيد الدمى مجال نادر أصلا والآن وقد التقت من يسلك الطريق نفسه فهو ليس غريبا عنها

عند سماع هذا تردد سو لون للحظة

أي سلالة؟

هذا صعب قوله فعلا

إن تحدثنا بالأقدمية فهذه الفتاة ينبغي أن تناديه بصفة قريبة جدا من شيخ كبير في السلسلة

وحين رأت تردده ظنت أنها سألت عن أمر خاص فقالت بسرعة “أوه سيدي إن كان ذلك يزعجك فلا…”

لم تكمل حتى هز سو لون رأسه وقال “ليس مزعجا لكن شرحه معقد أنا… تلميذ المعلمة سيريا”

عند سماع هذا ظهر على وجه كاما شك بسيط وكأنها تقول إنها لم تسمع بهذا الخط من قبل

ملاحظات العائلة تذكر أن سلالات سادة الدمى قليلة…

مهلا

المعلمة سيريا؟

هل يقصد المؤسس لسلالة محرك الدمى “سيريا”؟

كيف يكون ذلك!

رأى سو لون تعبير الشك والصدمة المفاجئ على وجه كاما وقال بعجز بسيط “هو كما تفكرين لكن شرحه معقد”

“هذا…”

اتسعت عينا كاما بذهول لا تصدق

كانت تظنه من الإخوة في أحد الفروع ثم اتضح أنه قريب جدا في سُلّم الأقدمية

هل يكون هذا السيد أمامها شخصا عاش 1,000 سنة؟

قفزت هذه الفكرة إلى رأس كاما وصارت ملامحها شديدة الغرابة

كان سو لون يعلم أن هذا الكلام يبدو خياليا ولذلك تردد في البداية

لم ينو شرح الأمر وقال “أنا لست بتلك الكِبَر لكن شرحه معقد إن أتيحت فرصة لاحقا سأخبرك بالمزيد”

كما لم يخف أنه الشخص الذي يبحث عنه من في الخارج وقال “لقد ساعدتني على الخروج من ورطة كبيرة بل أنقذتني لكن وجودي هنا قد يسبب لك متاعب…”

عند سماع هذا ازدادت كاما توترا وكأنها تذكرت شيئا فقالت بسرعة “لا! لن يسبب أي متاعب! إن لم تمانع يمكنك البقاء هنا سأساعدك”

“…”

استمع سو لون وبدا أكثر جدية وتفحص المكان حوله

كان هذا المكان ورشة لصنع الدمى وهو أيضا مسكنها وكانت الجدران وطاولة العمل مليئة بالأدوات والمخططات وكانت زينة الغرفة تميل لذوق الفتيات

ومن ترتيب البيت بدا واضحا أن كاما تقيم هنا منذ مدة

وبعد انقطاع احتمال التعقب بوسائل غامضة فإن البقاء هنا فعلا سيجنب كثيرا من المتاعب

وبالصدفة في تلك اللحظة استطاع سو لون أن يستشعر أن الناس يطوقون المكان

كانت مجموعة قد صعدت للأعلى وبدأت تطرق الأبواب بيتا بيتا

الخروج الآن سيجعل احتمال كشفه مرتفعا جدا

سمعت كاما الضجيج أيضا ونظرت إلى سو لون وأومأت بجدية “اترك الأمر لي”

لم تكن تعرف قوة سو لون القتالية لكنها كانت تعرف جيدا أنه بعد أمر كهنة المعبد لن يستطيع أحد مغادرة المدينة الآن

عبس سو لون لكنه لم يغادر

في تلك اللحظة طرق أحدهم الباب

ذهبت كاما لتفتحه وكان في الخارج عدة قراصنة يرتدون شارات أسطول البحر الشمالي

ما إن فتحت الباب حتى اندفعت موجة استشعار مخفية بشكل رديء من الخارج بوضوح من شخص يملك قدرة استشعار

“كم شخصا في هذا البيت؟ ومتى جئتم إلى مدينة موروس؟”

“اثنان… أنا وابن عمي”

“أوه ابن عمك؟ ومتى جاء…”

“منذ وقت طويل”

“…”

من الواضح أن من جاءوا لتفتيش البيوت قراصنة يعرفون هذه المنطقة

وقبل أن يكملوا الاستجواب صاح شخص في الخارج “هيه يا لايت توقف عن السؤال هذا بيت الآنسة كاما أعرفه… لنذهب إلى التالي”

“أوه”

عند سماع هذا بدا أن القراصنة يريدون إنهاء التفتيش بسرعة فألقوا نظرة أخيرة ثم استداروا ورحلوا

حين تكون هناك خلفية ثابتة فلا سبب للشك

استمع سو لون من داخل الغرفة دون أن يتكلم

إن لم يخطئ ذاكرته فإن الشاب المستهتر الذي كان يلاحق هذه الفتاة هو نفسه قائد صغير في أسطول البحر الشمالي

ومع إغلاق الباب تنفست كاما الصعداء

بعد استجواب واحد بدا أن المشكلة القريبة انتهت مؤقتا

نظرت إلى سو لون وقالت “سيدي عندما يأتي وقت السؤال قل فقط إنك ابن عمي…”

استمع سو لون إلى القصة التي نسجتها وشعر أنها بلا مشكلة فأومأ موافقا “همم”

……

بعد أن غادرت مجموعة القراصنة لم يبق في الغرفة سوى شخصين

كانت غرفة فتاة شابة ومع بقاءهما وحدهما وانتهاء الحديث الجاد صار الجو محرجا قليلا

نظر سو لون إلى الدمية غير المكتملة على طاولة العمل وقال على سبيل الحديث “أنت تدرسين ‘معادلة جايلز’؟ أسلوبك خاطئ هذه مصفوفة خيميائية تستخدم للختم ولا تطبق عادة على دمى هجومية وفوق ذلك نادرا ما يستخدمها سادة دمى من المستوى المتوسط”

كانت الغرفة مليئة بقطع دمى كثيرة وعلى عكس دمى الرون التي كان سو لون يدرسها عادة كانت هنا آليات مصممة بذكاء مثل إبر فولاذية وغازات سامة وحبال خنق وأشواك خبيثة…

إرث عائلة بويل كان فرعا آخر من محركي الدمى وهو دمية الآليات

لكن بمعايير سو لون الحالية كانت جودة هذا العمل متواضعة بالفعل

أبدت كاما تواضعا وهي تتقبل النقد وأومأت بين حين وآخر “همم”

وبينما يتكلم سو لون كان يفكر أيضا ماذا ينبغي أن يعطيها تعويضا عن “الدمية البديلة للحياة” التي استخدمها للتو

وأثناء التفكير أخرج عدة دمى من الرتبة الرابعة كان قد صنعها “آه صحيح هذه الدمى لك”

رغم أنها لا تقارن بـ”الدمية البديلة للحياة” إلا أن صنعها مكلف أيضا

وبالنسبة لكاما التي هي الآن في الرتبة الثانية فهذه الدمى أكثر عملية وتمنحها حماية كافية

بالنسبة لسادة الدمى تعتمد القدرة القتالية تماما على الدمى والدمية الجيدة ترفع القوة فورا

وفوق ذلك يمكن أن تكون الدمى إرثا يورث عبر الأجيال

كانت هذه هي “عملة سادة الدمى الصلبة”

“هذا…”

عندما رأت كاما سو لون يخرج عدة دمى رونية أضاءت عيناها فورا

بوصفها محركة دمى استطاعت أن تميز في لحظة أن صنعة هذه الدمى تتجاوز فهمها بكثير

ليس فقط المخططات بل النحت والتحصين والرون… كل جزء يعكس صنعة على مستوى المعلم وكل التفاصيل تشير إلى طرق قديمة أصلية توارثتها عائلة بويل عبر الأجيال

عندها تذكرت حديثهما السابق

هل يمكن أن يكون هذا الشخص فعلا قريبها الكبير جدا في السلسلة؟

فهذا وحده يفسر لماذا يستطيع إنتاج مخططات كاملة ودمى عالية الرتبة كهذه

وبشعور أنها غمرتها هذه المساعدة ولم تر أنه من اللائق رفض “هدية من كبير في طريقها” قبلت الدمى وقالت “شكرا… يا عمي الكبير”

عند سماع هذا اللقب ظهرت على وجه سو لون ملامح غريبة فمع أن السلسلة صحيحة إلا أن الأمر بدا غير مريح فقال “اسمي سو لون يمكنك مناداتي باسمي فقط”

وعندما سمعت كاما أنه لم ينفِ اللقب بدا عليها وقار أكبر “نعم يا عمي الكبير آه لا يا سيدي سو… سو لون”

لم يركز سو لون على مسألة الألقاب وقال “هويتي مزعجة وليس من الجيد أن تتورطي معي لن أبقى هنا طويلا بمجرد أن ينتهي تفتيش المدينة سأغادر إن واجهت أي مشكلة أو احتجت مساعدتي فقولي ذلك مباشرة”

وبينما يتكلم لمحت عيناه زاوية معينة في الغرفة

إرث عائلة عمره 1,000 سنة لا بد أن يملك أساسا عميقا

في تلك الزاوية غير اللافتة كانت هناك دمية شبه مكتملة تحمل تقلبا روحيا

لم تذكر كاما الأمر من تلقاء نفسها ولم يسأل سو لون عن خصوصيات غيره أيضا

عند سماع كلمات سو لون مر على وجه كاما تعبير أسف كأنها تشعر أنها ستفقد فرصة لقاء كبير من الطريق نفسه

فكرت لحظة ثم قالت “ذلك… يا سيد سو لون إن أمكن أود أن أستشيرك في عدة أمور تخص صناعة الدمى”

أجاب سو لون “لا حاجة للمجاملة تفضلي”

أخرجت كاما دمية وعبثت بآليتها ثم سحبت عدة رسوم كانت مخفية داخل جسد الدمية وسألت “هل يمكنك أن تساعدني في معرفة موضع المشكلة في هذه الرسوم؟”

نظر سو لون بتفحص ولاحظ أن حفظها بعناية يدل على أنها ليست أشياء عادية

كانت الرسوم مرسومة باليد لكنها تتجاوز أي شيء يراه المرء على طاولة صانع عادي

وبمجرد نظرة عبس سو لون وسأل “هل عثرتم عليها في كتاب قديم؟”

فمن الرموز الغامضة على الرسوم وحدها عرف أنها جزء دقيق ومعقد جدا من مكوّن دمية متطور

وهذا مجرد جزء منها فقط

ورسمها يبدو كأنه نسخ وتقليد من شيء قائم… وكانت هذه أيضا إشارة مهمة

أجابت كاما بصدق “هذا إرث متوارث في سلالة عائلة بويل”

“…”

بعد أن تفحص سو لون الرسوم مرة أخرى فهم فورا أنه لن يكون سهلا اكتشاف المشكلة مباشرة

تقنيات دمية الآليات توسعت بشكل كبير على يد روبرت بويل وكان كثير منها من ابتكاره الخاص

وكان في التصميم معرفة لم يصادفها سو لون من قبل وهي “معرفة دمى من المستوى الأعلى”

حتى هو سيحتاج إلى مراجعة كتب كثيرة قبل أن يحدد موضع الخلل

ورغم أنه لم يفهم كل شيء فقد استطاع أن يخمن أثر هذا الجزء من الرسوم

وبدأ يفهم التقلب الروحي في تلك الدمية الموجودة في الزاوية

“يبدو أن هذا جزء من صنع ‘نواة دمية’ من المستوى الأعلى هذه العلامات تشير إلى تقنيات سرية غامضة ويبدو أنها قادرة على إيواء روح…”

ضيّق سو لون عينيه ولم يستطع إخفاء دهشته من الرسوم وصاح بإعجاب “هذه فكرة عظيمة ومذهلة حقا!”

وعندما سمعت كاما سو لون يشرح تفاصيل الرسوم بسهولة أدركت أن معرفته بصناعة الدمى تتجاوز فهمها بكثير

وبحماس وأمل سألت “هل تستطيع إصلاح هذه الرسوم؟”

أصبح وجه سو لون أكثر جدية وقال “هذا صعب التقنيات داخل الرسم معرفة لا يقترب منها إلا من بلغ القمة في صناعة الدمى وحتى لو توفرت المواد فلن أستطيع بناءه ثم إن هذا مجرد جزء من الرسم…”

عند سماع هذا سألت كاما بقلق “وماذا لو… ماذا لو كانت لدي رسوم أخرى؟”

وبينما تتكلم أدركت أنها تجاوزت حدودها فظهرت لمحة تردد في عينيها اللامعتين كأنها اتخذت قرارا ثم كشفت أكبر سر موروث في عائلتها “ذلك… ليس أنني أريد إخفاء شيء عنك لكن رجاء هل يمكنك مساعدتي… ومساعدة أخي!”

ارتفعت حاجبا سو لون قليلا “أخوك؟”

إذن التقلب الروحي في تلك الدمية كان من أخيها

أومأت كاما بجدية وقالت “نعم هذه هي رسوم [قلب الدمية الميكانيكي] التي ورثناها من سلفنا في عائلة بويل وأخي… هو محاصر داخل قلب دمية مكسور”

التالي
374/624 59.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.