الفصل 442 : المحقق الروحي
الفصل 442: المحقق الروحي
كما توقع سو لون تمامًا، جاء أبيك لينافس على الجائزة
كانت هذه النسخة من “مخطط بنية نواة القلب العنصري ذي الألوان الأربعة”، والمشروحة بخط المعلم روفان هورمونت، مفيدة جدًا لسو لون في الوقت الحالي
كان لديه أصل “قلب عنصري ذي الألوان الأربعة” تركته حضارة الغوبلن القديمة، ومع المعرفة التي تحملها هذه النسخة، كان من المرجح جدًا أن يحقق اختراقات جديدة في مرحلة أبحاث نواة الطاقة الحالية، وإذا نجح فعلًا في إنتاج قلوب عنصرية عالية السعة بكميات كبيرة، فسيصعد فيلق دماه الميكانيكية درجة أخرى في فعاليته القتالية
كان لدى سو لون خطط أخرى ولم يناقشها مع أبيك، وبعد أن قدم بضع تحذيرات، اتجه إلى موقف الدراجات النارية
كانت حدسه يقول إن أوغستس الذي يرتدي خاتم مصاص الدماء مريب، وكان ينوي متابعته والتحقيق
كانت مراسم المكان ما تزال مستمرة، وكانت كثير من الدراجات النارية البخارية متوقفة في الساحة، ولم تغادر أي منها بعد
وبنظرة واحدة، لاحظ سو لون عدة سيارات بخارية فاخرة متوقفة في موضع بارز
كانت إحدى العربات الكلاسيكية الفاخرة تحمل شعار عائلة رودريغيز النبيل
وبإدراك الروح، رصد سو لون أن هناك أشخاصًا داخل المركبات القريبة، ويبدو أنهم حراس يراقبون السيارات
ومن دون أن يثير الانتباه، مر سو لون من هناك، لكنه بدلًا من الاقتراب من تلك المركبة، ترك بهدوء علامة مكانية على سيارة فاخرة بيضاء
كان قد راقب الشعارات النبيلة سابقًا، وهذه كانت مركبة الآنسة إلسا باخ، التي تعادلت على لقب البطولة
ثم توجه سو لون مباشرة إلى دراجته النارية البخارية، شغلها، وخرج من الموقف
وكان يعرف أيضًا من قراءة الشفاه أن أولئك النبلاء الشباب سيقيمون حفلة احتفال في ناد ليلي الليلة
ومع نبلاء من المستوى الأعلى، سيكون بينهم بالتأكيد خبراء في مضادات التتبع، ولن تنفع طرق المتابعة العادية وقد تؤدي إلى انكشافه
لم يكن سو لون مستعجلًا، ترك علامة، وكان ينوي أن يرى لاحقًا إن كان يستطيع اصطياد شيء مفيد
…
كان سو لون مشغولًا، ولم يستطع أن يفرغ سوى نصف يوم لمشاهدة تلميذيه وهما يتنافسان
بعد المنافسة عاد إلى شقة لينا
كانت “قنبلة الثرميت التفجيرية متعددة الطبقات” التي صنعها كيجي قد اكتملت بنجاح، وكانت تخضع لاختبارات الدقة النهائية، وبعد بضعة أيام ستقيم أكاديمية الخيمياء الملكية احتفال يوم النصر، وسيتركز الأمن في المكتبة على المراسم، وكان كيت يخطط للتحرك في ذلك الوقت
لم يكن على سو لون أن يقلق بشأن هذا، فنيته كانت صنع الأطراف الميكانيكية لكيجي قبل حفلة الاحتفال حتى لا يؤثر ذلك على حياته لاحقًا
بعد العشاء مساءً، أحس سو لون بالعلامة المكانية التي تركها، وكانت مركبة الآنسة إلسا باخ قد بدأت تتحرك في شمال المدينة
فركب دراجته وخرج
وبتقدير مسار المركبة المعلمة، وجد سو لون أن المكان الذي يحتفل فيه النبلاء الشباب الليلة يبدو في منطقة النوادي الليلية على ضفاف نهر لوكوارين
وبالمصادفة لم يكن بعيدًا عن شقة لينا
لذلك انطلق سو لون على دراجته النارية
كان الليل قد حل، وضفاف نهر لوكوارين تلمع بألوان لا تحصى من الأضواء، وبالقرب من جسر ليندن الحديدي كانت الأضواء براقة جدًا، وكانت هذه منطقة النوادي الراقية التي يفضلها النبلاء
لم تكن مزدحمة مثل سهرات الليل في جادة جوهرة الثعلب في حي الملكة، لكنها كانت فاخرة بما يكفي
وصل سو لون سريعًا على دراجته
كانت معظم النوادي الراقية في المنطقة تعمل بنظام العضوية، ولم يكن متأكدًا أي حانة اختارها النبلاء الشباب، فلم يندفع للدخول، بل بدأ يتجول في الجوار
كان طقس لينغدون كئيبًا مع أمطار لا تنقطع مؤخرًا، وبمجرد وصوله بدأ المطر يهطل مجددًا كما لو أنه جاء في موعده
بعد حلول الليل كانت أضواء النيون في النوادي قد اشتعلت، ورسمت مشهدًا مبالغًا فيه بألوان بنفسجية باردة وحمراء وزرقاء
دخل سو لون زقاقًا معتمًا وأشعل سيجارة من ماركة 7
لم يكن الأمر شوقًا للنيكوتين بقدر ما كان رغبة في أن يضيف إلى نفسه رائحة الليل الدخانية
كان هذا زقاقًا خلف حانة، مكدسًا بزجاجات فارغة، وكانت فئران سمينة تصدر صريرًا وهي تنبش في صناديق القمامة، بينما تتجمع مياه المطر قرب الطريق وتنحدر إلى المجاري بصوت غرغرة
ومن دون ما يشغله، قفز سو لون على جدار منخفض وجلس قرفصاء يدخن
مثلما كان يفعل حين كان يداهم الأسواق السوداء في لينغدون القديمة، كان يعرف أن هذه الأزقة المظلمة قد تكون أحيانًا أكثر حركة من الحانات نفسها
فمثلًا في تلك اللحظة، دخل زوجان إلى الزقاق خلسة وانشغلا باللهو في زاوية لا يصلها الضوء، من دون أن يلاحظا أن شخصًا على الجدار المنخفض يراقب المشهد باهتمام
الاختباء في الظلال ومراقبة العالم كله يمنح المرء شعورًا مطمئنًا
بعد وقت قصير غادر الزوجان، وأحس سو لون أن المركبة التي وضع عليها علامته توقفت في موقف سيارات على بعد 200 متر
وبحساب المسافة إلى الموقف، عرف فورًا أين يحتفل أولئك الشبان النبلاء الليلة
كان ناديا راقيًا اسمه “بيت الموسيقى لغوستاف”
في الظلام تغير لون وجه سو لون قليلًا
غوستاف هو الاسم الحقيقي للكاتب الكبير فوجيوارا هاياتو، وهذا الرجل كتب في شبابه رواية حزينة بعنوان “بيت الموسيقى”، تحكي قصة حب مبتذلة بدأت من لقاء في حانة
لم يكن مشهورًا في حياته، لكنه الآن شديد الشعبية
وطبعًا لم تكن الحانة مرتبطة بالكاتب الكبير
كان ذلك مجرد اسم اختاره صاحب النادي لجذب النبلاء الذين يحبون التظاهر بالرقي
وصل الهدف، وحين أنهى سو لون سيجارته استعد للمغادرة
لكن في تلك اللحظة، وبمحض صدفة، اندفعت امرأة إلى الزقاق من الخارج، لم تكن قبيحة، وشعرها بطول الكتفين يوحي بأنها من الطبقة الراقية، وكانت ترتدي بدلة عمل حادة بالأبيض والأسود مع حمالات، ويبدو أنها من العاملين في منطقة الأثرياء، وكانت خطواتها غير ثابتة قليلًا كأنها مخمورة
وكأن أحدهم وضع عينيه عليها، فقد دخلت مسرعة لتختبئ من شيء ما
وبمجرد أن دخلت، تبعها عدة رجال بسترات جلدية، واضح أنهم بلطجية عصابة، وعلى وجوههم ابتسامات بذيئة
نظر سو لون إليهم وخمن أن حادثة قذرة على وشك أن تحدث
هذه الأمور شائعة جدًا في منطقة السهر
فكر في أن يمد يد المساعدة
لكن في الوقت نفسه تقريبًا، أحس سو لون شيئًا أثار فضوله
كانت المرأة محترفة من الرتبة الثانية، بينما أولئك البلطجية مجرد رتبة أولى
يبدو أن أدوار الفريسة والصياد ليست كما تبدو
ثم جاءت الحركة السلسة
باستخدام جرعة ما، أسقطت المرأة البلطجية بسهولة، وبعد أن فتشتهم بحثًا عن شيء، دفعت الرجال فاقدي الوعي داخل حاوية قمامة
كان من المرجح أن يبقوا في تلك الحاوية الباردة ذات الرائحة الكريهة حتى الفجر
وطوال الوقت لم تكن المرأة تعلم أن أحدًا كان قابعًا في الظلام يراقب كل شيء
تمتم سو لون: “همم، مثير”
شهد سو لون عملية سلب لا يعرف سببها، وجدها ممتعة قليلًا، لكنه لم يهتم بما سيأتي بعدها
راقب المرأة وهي تغادر، ثم خرج هو أخيرًا من الزقاق
…
أمامه كان مبنى على هيئة قلعة بأسطح مدببة
لم يسبق لسو لون أن جاء إلى هذا “نادي بيت الموسيقى” من قبل
نظر من بعيد إلى قائمة الأسعار المعلقة، وكانت باهظة جدًا، أسعار المشروبات كانت أعلى بنحو مرتين إلى ثلاث من ناد ليلي عادي، وهو ما يفرز الزبائن ويجعلهم من طبقة محددة
كان الداخلون والخارجون إما أغنياء بشكل واضح أو مشاهير مجتمع متأنقين
كان سو لون قد بدل ملابسه إلى بدلة لائقة تجعله يبدو كطبيب أسنان خرج ليستريح بعد العمل
اتجه مباشرة إلى المدخل الرئيسي للنادي حيث استقبله خادم وقاده إلى الداخل
لم يختلف ترتيب المكان كثيرًا عن بقية الحانات: ساحة رقص وبار ومقاعد وأجنحة وغرف خاصة، كلها تحت أجواء إغواء غامض وإضاءة خافتة وفخامة مربكة
كان الديكور فقط أكثر ترفًا، مزينًا بلمسات كلاسيكية يفضلها النبلاء
رغم أن النادي كان يبدو هادئًا من الشارع، بالكاد تسمع منه همسًا
إلا أنه في الحقيقة كان يعج بالحركة
كانت ساحة الرقص مكتظة، وكانت المقاعد ممتلئة بنسبة 70 إلى 80 بالمئة
عند الدخول، تسربت الموسيقى النابضة إلى أذنيه، وأثارت إيقاع الجسد
ومن الواضح أن جهاز تشغيل الموسيقى كان أثرًا ملعونًا عالي الجودة، وهذا النوع من التلوث الصوتي الواسع يبعث في الروح لذة عميقة
والأغرب عند سو لون أن خادمات تقديم الشراب كن يرتدين أزياء راهبات
وبما أنه ناد راق، كانت جودة الخادمات عالية جدًا، وجوه جميلة وقامات طويلة
كانت كل واحدة ترتدي غطاء رأس أبيض وأسود مزينًا بصلبان وزينة ذات طابع مكرم، فيبدون مهيبات ووقورات
لكن الجزء الأسفل من لباسهن كان مصممًا لإظهار الإغواء بشكل مبطن، فيكشف أكثر مما ينبغي عند الحركة ويقود الأنظار إليه
كان ذلك شكلًا متقنًا من الإغراء
شرح الخادم: “هذه أحدث فكرة في نادينا، وهي: الزبائن سادة عظماء”
في عالم الخيمياء، الناس لا يبالون كثيرًا بفكرة الحكام العظماء، لذلك لا أحد ينزعج من هذا الشعار
لم يستطع سو لون إلا أن يجد الأمر طريفًا فضحك
على الأقل كان أرقى بكثير من الأزياء المبتذلة التي تُرى في نواد أخرى
طلب على نحو عابر قدحًا من الجعة الداكنة كلفه عدة آلاف من اللير، وجلس عند البار
لأنه أحس أن الآنسة أميليا وأوغستس هناك، يحتفلان في غرفة خاصة في الطابق العلوي
…
بعد أن دخل سو لون إلى “نادي بيت الموسيقى” بوقت غير طويل، وفي زقاق مهجور داخل منطقة الحانة، كان شخصان غامضان منشغلين بأمر ما
لو كان سو لون هناك، لتعرف فورًا على المرأة قصيرة الشعر، فهي نفسها التي سلبت البلطجية قبل قليل
في تلك اللحظة كانت المرأة قصيرة الشعر تبدل ملابسها إلى زي راهبة أبيض وأسود بفتحات واسعة
وأثناء تبديلها تمتمت بصوت منخفض: “يا رجل عجوز، ألا تستطيع أن تثق بي قليلًا؟ ليست المرة الأولى التي أنفذ فيها مهمة كهذه، ما هذا الوجه المرتاب؟”
رد الرجل ذو الشعر الرمادي الأبيض: “أوه يا أميليا، أنت تعرفين أنك أفسدت مهامًا من قبل… طيبتك لا تناسب هذا المجتمع، وقد تكون سبب نهايتك”
نظرت إليه المرأة نظرة جانبية لكنها لم تقل شيئًا
واصل الرجل العجوز كلامه بنصح صادق: “اسمعي، اعثري على ابنة الزبون واخرجي بأسرع ما يمكن، لا تفتعلي المشاكل، هل فهمت؟ هذه منطقة عصابة الشفرة، ولا أريد أي مشكلة، وفوق ذلك هناك شيء مريب في هذه القضية، من يخطف ابنة رجل غني من دون طلب فدية أو سعي للانتقام لا يكون في أمر تهريب عادي، هذا على الأرجح متشابك مع فضائح النبلاء، وليس شيئًا ينبغي لمحققين صغار مثلنا أن يلمسوه”
وقبل أن يكمل، قاطعته المرأة قصيرة الشعر بضيق: “فهمت، فهمت، يا رجل عجوز، كررت كلامك كثيرًا، سأخرج بمجرد أن أنهي المهمة، ولن أعبث!”
تنهد الرجل العجوز قليلًا كأنه عاجز، وتمتم بحسرة خفيفة
…
كان سو لون جالسًا عند البار داخل النادي كأي زبون عادي، يرتشف من حين لآخر ليقتل الوقت
وكان يداعب الخادمات اللطيفات أحيانًا، لكنه لم يبد أي نية للمغادرة
كان لا يزال يحتاج أن يراقب ما يفعله أولئك النبلاء الشباب في الأعلى
وفوق ذلك، بعد دخوله لاحظ سو لون أمورًا غير طبيعية
هذا النادي الذي يبدو عاديًا كانت تحته غرفة سرية أسفل قبو النبيذ
وكانت تلك الغرف السرية مزودة بأجهزة تشويش تعطل محاولات الاستشعار، بل وتشوه إدراك سو لون للمكان
لم يكن هذا قبوًا عاديًا
وبهدوء، أخرج سو لون مظلة سوداء، وعندها أحس بوضوح أن هناك عدة أشخاص محبوسين داخل الغرفة السفلية الغامضة
هذا أثار اهتمامه كثيرًا
في لينغدون القديمة لم تكن تجارة العبيد ممنوعة، لذلك كان طبيعيًا أن تملك بعض النوادي أسرى وأن تمارس العصابات خطف الناس بشكل غير قانوني
لكن ذلك يكون عادة في الأماكن الرخيصة، أما ناد راق كهذا فلا يفترض أن يحدث فيه ذلك
والأغرب عند سو لون أن الأشخاص المحبوسين في الغرفة السرية كانوا محترفين بوضوح
حتى لو كانت رتبهم ليست عالية، وكلهم من الرتبة الأولى والثانية، فهم بالتأكيد ليسوا خادمات ناد
سأل سو لون نفسه: “من يمكن أن يكون محبوسًا هناك؟”
وفي تلك اللحظة حدث أمر زاد فضوله أكثر
وصلت دفعة جديدة من الزبائن إلى المدخل، ولاحظ سو لون أن أحدهم يحمل نار روح مألوفة جدًا
حتى من دون أن ينظر، عرف أنها المرأة قصيرة الشعر التي سلبت البلطجية في الزقاق قبل قليل
قال في نفسه: “ماذا تفعل هنا؟”
تحولت عيناه، ووجد الأمر مصادفة غريبة
وبنظرة جانبية، رآها تتجه إلى زاوية مظلمة
وبعد ثانيتين حين عادت إلى مجال رؤيته، كانت قد تغيرت، فقد استبدلت معطفها بزي راهبة مثير لخادمات النادي
تمتم سو لون: “همم، مثير للاهتمام”
وبمراقبة تبديلها السريع الذي يشبه الخدعة، فهم سو لون فورًا: “هل جاءت من أجل أولئك المحبوسين في القبو؟”
الزبائن العاديون لا يحتاجون إلى التنكر كي يأتوا إلى هنا
وكانت قد أسقطت أولئك البلطجية سابقًا، ومن الواضح أنها أخذت أشياء مثل مفاتيح الدخول
بدت المرأة قصيرة الشعر محترفة جدًا، مثل محققة أو جاسوسة، ومن دون أن تلفت الانتباه، اندمجت بسلاسة وتسللت إلى عمق النادي
لم يتأثر سو لون، وظل يحس بكل شيء طوال العملية
كانت المرأة مستعدة ومحترفة بما يكفي، فقد نجحت في تفادي بعض خطوط المراقبة في النادي، وتقدمت بصمت نحو قبو النبيذ
ظن سو لون أنها جاءت لإنقاذ شخص ما
وبحسب أساليبها المهنية، كان من المرجح جدًا ألا تُكتشف
لذلك راح يراقب المشهد بصمت
لكن بينما كان سو لون يراقب تحركاتها باهتمام، انكمشت حدقتاه فجأة: “جاءت قوة كبيرة؟!”
في تلك اللحظة، ضمن نطاق إدراك الروح، ظهرت فجأة تقلبات غريبة جدًا
كانت تقلبات الروح هذه أغرب حتى من تقلبات أوغستس في الأعلى، وهو من الرتبة السادسة
كانت كأنها… رائحة مألوفة من عالم الجحيم
…
جلس سو لون عند البار من دون أي رد فعل ظاهر، يواصل شربه بصمت
ومن دون أن ينظر، أحس أن “الخبير” دخل النادي ثم جلس في مكان غير بعيد منه
سأل نفسه: “هل جاء من أجلي، أم هي مجرد صدفة؟”
لم يكن سو لون متأكدًا
لكنه رجح أنها صدفة
لم يتوقع أنه بمجرد أن يأتي ليتتبع خيطًا ويشرب كأسًا، سيصطدم بكل هذه الأحداث الغريبة
كانت أضواء النادي تومض، وعلى قطعة حديد عاكسة أمامه رأى سو لون وجه الرجل بوضوح، كان رجل رعاة بائسًا مسنًا بشعر رمادي متفرق
…
رغم أن أميليا أوصت أباها ألا يتبعها، فإن المحقق الروحي جيروم قلقًا على سلامتها تبعها سرًا إلى النادي
اختار مكانًا غير لافت وجلس في زاوية البار
لكن في تلك اللحظة قال له حدسه إن شيئًا في المكان غير سليم
وبمجرد أن مد إدراكه، شعر كأنه قط ديس على ذيله، وقف شعر جسده كله، وظهرت القشعريرة في لحظة
شتم في داخله: “اللعنة!”
كان رعبًا لا يوصف، كأنه يجلس قرب حاصد الموت، فأصابته قشعريرة في عموده الفقري
قال في نفسه: “هل يمكن أن يحدث شيء الليلة؟”
ارتبك جيروم داخليًا بشدة
وبحكم حذره الدائم، أحس فورًا بأن هناك خللًا
كان يعرف أن هناك شابًا يجلس غير بعيد منه، وأن مصدر الخطر يأتي من هناك
لكنه لم يجرؤ على النظر، ولم يجرؤ على أي حركة مفاجئة
وبعد أن انتظر وقتًا طويلًا ولم يفعل الشخص شيئًا، شعر جيروم أخيرًا أنه يستطيع التنفس بسلاسة
قال في نفسه: “يبدو أنه ليس من أجلي، مجرد مصادفة…”
ورجح أن الطرف الآخر لم يلاحظ وجوده، ثم أحس مرة أخرى: “غريب، لماذا روحه مرعبة إلى هذا الحد؟ متى ظهر مثل هذا الرجل في ليندن؟”
كان الرجل يواصل الشرب بصمت كئيب، لكن كلما بدا أكثر هدوءًا، ازداد قلق جيروم في داخله
وفي النهاية قرر أن يختبر الأمر بحذر
وأثناء دفعه للنادل، أخرج كيسًا قذرًا من جلد الغنم
ثم أدخل يده وراح يفتش
رنّ صوت معدني خفيف من قطع النقود، وأمسك جيروم بقطعة، وقبل أن يسحب الكيس وقعت عينه على لطخة دم قرمزية على العملة، فارتجف طرف عينه، وتفجر العرق البارد على جبهته وهو يصرخ في داخله: “يا للعجب، كم قتل هذا الرجل حتى يجعلني ألمس عملة ملوثة بالدم؟”
لم يجرؤ جيروم على إخراج العملة، لكنه وزنها فوجدها خفيفة، فظهر في عينيه تعبير غريب: “ومع ذلك… الحكم يقول إنه لا ينبغي أن يذهب إلى عالم الجحيم؟ غريب، لم أر سفك دم بهذا الثقل، ومع ذلك عدّه الحكم المكرم صالحًا؟”
رغم حيرته، تنفس جيروم الصعداء في داخله
على الأقل، ليس عدوًا
…
كان رجل الرعاة العجوز يظن أن سو لون لم يلاحظ وجوده
لكنه لم يكن يعلم أن سو لون كان يراقب كل حركة له منذ لحظة دخوله
كان الرجل قويًا فعلًا، لكن ما هذه التصرفات الغامضة؟
رغم أنه كان يخفي الأمر جيدًا، رأى سو لون بوضوح أنه يتعرق ويتصلب، وأن لون وجهه يتقلب بين الشحوب والاحمرار، كأنه يعيش صراعًا داخليًا عنيفًا
لكن عندما رأى سو لون الرجل يخرج ذلك الكيس الجلدي، صار نظره غريبًا قليلًا: “هل هذا الرجل يتنبأ؟”
كيس الخائن
التفسير: أداة تنبؤ مظلمة يمكنها تحديد ما إذا كان الهدف مذنبًا، وبحسب الأساطير كان موتى عالم الجحيم يستخدمونها للحكم هل ينبغي أن تذهب روح إنسان إلى عالم الجحيم
نظر سو لون بطرف عينه، ورأى المعلومات التي كشفتها العين العليمة، وخمن: “هذه أداة تُستخدم للتنبؤ بالناس؟ لا تقل إنه يتنبأ بي”
إذا كان مبدأ القرب هو المعتمد، فبين زبائن البار حوله، لا يوجد من يبدو مختلفًا سوى نفسه
قال في نفسه: “هل لاحظ هذا الرجل ثغرة لدي؟”
تفاجأ سو لون قليلًا، ثم فكر: “لا بد أن لديه موهبة خاصة أو قدرة مهنية، كي يستخدم هذا الكيس، فهو على الأرجح ليس خيميائيًا بل تابعًا لحاكم عظيم…”
كان سو لون يرتدي جهاز تشويش، لذلك من المفترض أن محترفي الاستشعار لا يستطيعون كشفه
لكن إخراج الرجل للكيس مباشرة يعني أنه لاحظ شيئًا بالفعل
وفعل ذلك وهو يخفيه بإتقان
لولا العين العليمة لدى سو لون، لما لاحظ أحد أن لمس المال بلا تقلب طاقة كان يعني تنبؤًا
راقب سو لون رجل الرعاة العجوز الذي لا يحمل نية عدائية نحوه، ولم يشعر بأي إنذار، فتركه وشأنه
ظل الاثنان يشربان بصمت من دون كلام
وفي إدراك سو لون كانت المرأة قصيرة الشعر قد تسللت إلى قبو النبيذ بسلاسة ثم تعمقت نحو القبو السفلي
كانت حركتها حاسمة، مثلما فعلت حين سلبت البلطجية في الزقاق الخلفي
…
بعد مدة، نظر سو لون إلى الساعة فوق البار
خلال أقل من عشر دقائق، ظهر ظل المرأة قصيرة الشعر في مجال رؤيته
وكانت معها شابة شقراء ترتجف من الخوف بوضوح
كانت تقلبات الروح هذه تعود لأحد الأشخاص الذين كانوا محبوسين في القبو قبل قليل
وعندما خرجت المرأة قصيرة الشعر، لم يجلس الرجل العجوز بجانبها ثانية، بل خرج مباشرة من النادي
وعند رؤية ذلك، فهم سو لون: “إذن هذان الاثنان يعملان معًا”
لقد جاءا لإنقاذ شخص ما
لكنهما لم ينقذا الآخرين، ما يعني أنهما على الأرجح محققان خاصان، لا جهة رسمية
ولتجنب المشاكل، أنقذا هدفهما فقط
لم ير سو لون في ذلك شيئًا خاطئًا
إخراج شخص واحد من النادي سهل، لكن إخراج عدة أشخاص قد يؤدي إلى انكشاف الأمر، وحينها لن يُنقذ أحد
وفوق ذلك، وبحسب الوضع الحالي، كان من الواضح أن من حُبسوا في القبو متورطون في أمر سري
التورط معهم يعني ورطة كبيرة
راقب سو لون الرجل العجوز وهو يغطي انسحاب المرأة قصيرة الشعر ويخرج مع الشخص الذي أنقذه، ولم تكن لديه نية للحاق بهما أو السؤال
لأنه في إدراكه كان هناك من اكتشف أن عدد المحبوسين في القبو قد نقص
…
بعد أن أنقذت المرأة قصيرة الشعر شخصًا، نزل محترف من الرتبة الرابعة إلى القبو
كان زعيم عصابة الشفرة، لورنس هيلبي
عصابة الشفرة كانت عصابة قديمة في لينغدون القديمة، وما تزال في عالم الجريمة حتى بعد أن أصبحت عصابة الحجر الأسود، وهي واحدة من أكبر ثلاث عصابات في لينغدون القديمة، قانونية
ورغم أن سيطرتهم على سهرات الليل ليست واسعة، فإن نفوذهم مخيف
لأن من يقف خلف عصابة الشفرة هو أحد أعضاء المجلس الأعلى
صرخ لورنس بذعر: “اللعنة، كيف ينقص شخص واحد!”
اكتشف لورنس أن أحدهم أُخذ، فشحبت ملامحه من الخوف
لم يكن أحد يتوقع أن زعيم عصابة اعتاد القتل سيرتجف خوفًا بسبب شخص مفقود، وهو يتمتم بارتباك: “لا يجب أن يعلم السيد أن العدد نقص واحدًا، وإلا فأنا ميت…”
اختفاء فتاة من الرتبة الأولى ليس عادة مشكلة كبيرة
فقط يخطف الإخوة واحدة أخرى
لكنه كان يعرف جيدًا أن السيد إن علم أن سر الغرفة انكشف، فسيتم التخلص منه ومن أسرته فورًا
وبهذا التفكير، اتخذ لورنس قرارًا في الحال
لم يخبر أحدًا حتى بمطاردة اللص الصغير، بل محا كل شيء بصمت كأن شيئًا لم يحدث
…
من جهة أخرى، لاحظ سو لون أن أحدهم نزل إلى القبو، ورغم أنه اكتشف نقصًا في العدد، لم يحدث أي ضجيج في النادي
قال في نفسه: “غريب، لا يطاردون حتى عندما ينقص شخص؟”
كان سو لون ما يزال يفكر لماذا كانت ردة فعل ذلك الرجل من الرتبة الرابعة غير طبيعية، حين
فجأة
أحس أن مجموعة النبلاء الشباب في الأعلى أنهت لهوها، وخرج “أوغستس” وحده
ثم في إدراك سو لون، اتجه ذلك الشخص مباشرة إلى القبو وحده
قال سو لون في نفسه: “من أجله هو!”
وفي لحظة، فهم سو لون كل ما يتعلق بأولئك المحبوسين في القبو
راقب “أوغستس” وهو يدخل القبو، وبعد وقت قصير انطفأت نيران ستة أرواح أخرى
تمتم سو لون: “كان ينبغي أن أدرك هذا من البداية… خاتم مصاص الدماء، أولئك المحبوسون هم غذاء ذلك الوحش العجوز!”
اشتعل شيء في قلب سو لون فجأة
خاتم مصاص الدماء يمنح عمرًا أطول وشبابًا دائمًا، لكنه يحتاج إلى استهلاك دم العذارى لتخفيف ارتداد اللعنة
ذلك الكائن العجوز عاش حتى الآن وهو يقتل من يعلم كم من الفتيات البريئات
وعند التفكير في ذلك، لمع برد في عيني سو لون، وامتلأ غضبًا لا يعرف له سببًا واضحًا: “وهذا هو عالم النبلاء، أليس كذلك…”
…
بعد أن خرج أوغستس من الغرفة السفلية، بدت على وجهه ملامح عدم رضا، كأنه لم يشبع بعد
وكان لورنس زعيم عصابة الشفرة يسبح في العرق البارد تحت تلك النظرة المروعة، مطأطئ الرأس لا يجرؤ على رفع عينيه
قال أوغستس: “لورنس، أظنني قلت لك، إذا كان الأمر بهذا المستوى فقط، ففي المرة القادمة يجب أن يكون العدد 8 على الأقل، لا 7”
قال لورنس: “نعم يا سيدي، لكن رجاء تفهم صعوبتي… معظم المحترفين فوق الرتبة الأولى لا يكونون صغار السن عادة، ومن الصعب جدًا إيجاد عذارى مناسبات، العذارى الحقيقيات نادرات جدًا في تجارة العبيد، الأكاديميات الكبرى في لينغدون فيها مثل هؤلاء، لكن معظمهن لهن خلفيات، إذا خطفنا عددًا كبيرًا فستأتي وراءنا مشاكل كبيرة، ومؤخرًا سمعت حتى أن هناك من يسأل في الشارع عن هذه الدفعة من البضائع، وإذا لم أكن حذرًا قد أجذب الانتباه…”
قال أوغستس: “لا تقلق بشأن مركز الشرطة، لن يزعجك أحد، افعل ما تراه مناسبًا، وتذكر، إذا كان هناك من ينبش في هذا الأمر، تخلص منه فورًا، وإذا واجهت شخصًا مزعجًا فاتصل بي فورًا وسأرسل من يتعامل معه، وأيضًا، إذا تكرر هذا المستوى مرة أخرى فأنت تعرف العواقب”
قال لورنس: “نعم يا سيدي!”
غادر أوغستس بصمت من دون أن يقول المزيد
…
لم يتوقع سو لون أن يعثر على هذا السر الكبير بمجرد أن جاء إلى هنا هذه المرة
إذن ذلك “أوغستس” كان يستخدم العصابة لجلب فتيات صغيرات كي يخفف ارتداد لعنة الخاتم
لكن لعائلات مثل رودريغيز، وهي من أرفع طبقات النبلاء، موت بضعة من العامة ليس أمرًا ذا قيمة
أحس سو لون أن “أوغستس” عاد إلى الغرفة الخاصة في الأعلى، وفقد أي رغبة في البقاء
حتى لو أراد التحرك، فمن دون طريقة مضمونة للقتل لم يكن يستطيع أن يبدأ
أنهى الشراب في كأسه واستعد للمغادرة، لكن في تلك اللحظة أحس أن المرأة قصيرة الشعر التي خرجت قبل قليل قد عادت من جديد
قال في نفسه: “ما الذي تريده هذه المرأة؟”
راقبها وهي، كما فعلت سابقًا، تندمج في الحشود وتدخل النادي ثم تبدل إلى زي راهبة
وعندما رأى ذلك، فهم فورًا أنها تريد إنقاذ شخص آخر
لكن الآن كل من في القبو قد مات، وإذا نزلت الآن فلن تفشل فقط، بل ستنكشف أيضًا
وعند هذا، تنهد سو لون قليلًا وتقدم نحوها

تعليقات الفصل