الفصل 443 : اغتيال شبحي
الفصل 443: اغتيال شبحي
راقب سو لون المرأة قصيرة الشعر وهي تتسلل بهدوء نحو مخزن النادي الخلفي، فتبعها بخفة وكأس نبيذ في يده
لم تكن مهارات سو لون في التنكر عادية أبدا، كانت خطواته خفيفة، ونظرته توحي بسكر متقن التمثيل، وبينما يمشي تحت الأضواء الخافتة، سكب خفية جرعة عديمة اللون والرائحة في كأس النبيذ، وكأنه رجل سيئ النية يخطط لشيء مشبوه
وقبل أن تدخل المرأة قصيرة الشعر المخزن بسرعة، تظاهر سو لون بأنه ثقل بالخمر وتمايل ليرتطم بها
جعل هذا الاصطدام النبيذ يتناثر من كأسه على ثوب الراهبة الأسود الذي ترتديه
كان الثوب أسود، لذلك لم يظهر البلل كثيرا، لكن البقعة الرطبة الكبيرة التصقت بجسدها بشكل مزعج، وانتشرت رائحة الكحول حولها
تماسك سو لون ونظر إليها كأنه انجذب إلى جمالها، واعتذر مرارا: “آه، آسف يا آنسة، اصطدمت بك”
كانت كلماته مهذبة، لكن سلوكه المتصنع كان فظا، واقترب كأنه يحاول فرض مزاح ثقيل وقال: “هل تقبلين أن تشاركينني كأسا؟”
“…”
لمعت في عيني أميليا لمحة اشمئزاز سريعة
وخطر في ذهنها شك عابر
كانت قد تحاشت الجميع بحذر، فمن أين ظهر هذا الرجل؟
لم يكن لديها مزاج لمثل هذا العبث السخيف، خصوصا تلك النظرة المقززة
لكنها متخفية كعاملة في النادي، ولم يكن من السهل أن ترفض مباشرة
تغيرت نظرتها لحظة، ثم استدارت إليه وارتدت ابتسامة مهنية: “عذرا أيها الضيف، يجب أن أحضر المشروبات لطاولة، هل تنتظرني في مقعدك؟ سأعود إليك بعد قليل”
كان الاثنان يؤديان دوريهما بإتقان مبالغ فيه
عرف سو لون أنها تبحث عن فرصة للهروب، وعرف أيضا أنه يستطيع أن يحبسها بالقوة، لكنه رأى ذلك مملا
سألها بمزاح: “ما اسمك يا آنسة؟”
ولأن أميليا لم ترد الإطالة، ذكرت اسما مزيفا بسرعة وهي تلقي نظرة عابرة: “أليس”
رد سو لون بغمزة متصنعة: “إذن يا آنسة أليس، لا تجعليني أنتظر طويلا”
“حسنا إذن”
أومأت أميليا بابتسامة لامعة
وبمجرد أن أدارت رأسها، قلبت عينيها باشمئزاز وغادرت بسرعة
….
حين اقترب سو لون من هذه المرأة قصيرة الشعر بدا وكأنه يضايقها، لكنه في الحقيقة كان يؤكد أمرا ما
لاحظ أن رائحتها بسيطة جدا، مجرد رائحة جسد طبيعية خفيفة، ولا توجد رائحة للمواد المخدرة التي يفترض أن تملأ هواء النادي
كان هذا واضحا نتيجة استعمال “جرعة إزالة الرائحة” ليست عالية المستوى، أزالت معظم الروائح الأخرى
لكن هذا الحذر كشف عيوبا أخرى
فأي شخص يراقبها بصدق سيلاحظ بسرعة أنها ليست من موظفات النادي
وفوق ذلك، بمجرد دخولها النادي، خرج ذلك الشخص الذي كان ينتظر في الغرفة الخاصة، وهو محترف من الرتبة الرابعة، ومن المؤكد أنه لاحظ شيئا
كانت تقنيات التسلل لدى المرأة قصيرة الشعر احترافية، ومع ذلك تم كشفها، وهذا يعني أنه ربما توجد طريقة نادرة للاستشعار، أو أن رائحة خاصة وسمتها
فكر سو لون أنه لو كان مكانهم، فالأماكن المهمة مثل القبو لا بد أن تكون محروسة
ومن دون شيء خارق، يكفي وضع عدة روائح مميزة يصعب إزالتها في الهواء
من يمر بها يتم تمييزه ضمن نطاق معين، وبشكل خفي
كان سو لون قد خُدع بالروائح عدة مرات في الماضي، لذلك صار شديد الحساسية لها
كما أنه جمع معلومات من سابينا للتو وعلم أن هذا النادي ضمن نطاق “عصابة الشفرة”
وقائد هذه العصابة هو لورنس هيلبي، الملقب بـ “الدب الهائج”، وهو محترف من الرتبة الرابعة يملك موهبة “سي-010: دب المعركة”
هذه الموهبة لا تعزز القتال القريب فحسب، بل الأهم أنها تمنحه حاسة شم متقدمة، بنحو 300 ضعف الإنسان العادي
صيدا بهذه الأهمية لا يترك لأي شخص، ومن المرجح أن المحترف من الرتبة الرابعة في الطابق العلوي هو لورنس نفسه
كل هذا أكد أحكامه أكثر
لهذا سكب سو لون “جرعة تشويش الرائحة” في الشراب، ليقدم مساعدة صغيرة من دون أن يلاحظ أحد
…
“لكن هذه المرأة تتجه الآن إلى قبو النبيذ، وعلى وشك أن تقع في مشكلة”
تجعد حاجبا سو لون قليلا وهو يستشعر المرأة قصيرة الشعر وهي تتسلل نحو قبو النبيذ كما في المرة السابقة
ومن سوء حظها أن شريكها، راعي البقر العجوز، لم يكن قريبا
إن لم يتدخل، فستُقبض عليها بلا شك
لأن هناك من ينتظر في كمين داخل قبو النبيذ
فكر سو لون في ذلك وقرر أن يساعد إلى النهاية
فهي تحاول إنقاذ شخص
قد تكون زيارتها الأولى بسبب واجب مهني
لكن زيارتها الثانية تبدو محاولة طيبة القلب حقا
رغم أن عبارة “الطيب ينال خيرا” تبدو مبتذلة، فإنه بما أنه صادف الأمر، لم يرد أن يرى شخصا طيبا يقع في مصير سيئ
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ونهض متجها إلى هناك
…
ظنت أميليا أنها كانت حذرة بما يكفي، وتجنبت الجميع
كما لاحظت أن المهرب لم يضع حراسا تقريبا على الطريق، حفاظا على السرية
وهذا سهل عليها التسلل مجددا
باستثناء ذلك اللقاء مع الرجل الفظ، كان كل شيء يسير حسب الخطة
شعرت أميليا بأنها محظوظة، وفكرت كم فتاة يمكنها إنقاذها عندما وصلت إلى مدخل قبو النبيذ واستدارت عند الزاوية
في تلك اللحظة ظهر أمامها رجل متوسط العمر ببدلة أنيقة، شعره ممشط للخلف، وعلى عنقه وشم كبير، كان جالسا فوق برميل نبيذ كأنه تمثال، لا يكاد يظهر منه نفس، لكن عينيه كانتا تراقبان هذا الدخيل الذي اقتحم القبو فجأة ببرود قاتل
من تلك النظرة وحدها اجتاحها خوف قاس
لعنت أميليا في سرها وشعرت بقشعريرة تسري في ظهرها
بوصفها محققة، كيف لا تعرف أن هذا هو لورنس، زعيم عصابة الشفرة؟
لم تشعر به أبدا لأنه محترف من الرتبة الرابعة سيئ الصيت بكثرة القتل
الآن وقعت في ورطة
وجوده هنا يعني أنه لاحظ بالتأكيد أن شخصا ما اختفى من غرفته السرية
رغم أن أميليا بدت هادئة، فإن قلبها هبط إلى القاع
إن تم القبض عليها فهويتها الحقيقية ستنكشف في النهاية مهما طال الوقت
انتهى أمري
نظر لورنس إليها وهي ترتدي ثوب راهبة، ثم شم الهواء كأنه يتأكد أنها لم تدخل الغرفة السرية، عندها فقط خفت نية القتل في عينيه
لكن شكه لم يختف
قال بامتعاض: “لماذا لا تخدمين الضيوف في القاعة الأمامية؟ ماذا تفعلين في قبو النبيذ؟”
كان تبديل العاملات في النادي كثيرا، ومن الطبيعي أن زعيم عصابة مثله لا يمكنه تذكر كل فتاة في المكان
قالت أميليا بتوتر مصطنع يناسب الموقف: “أنا… أنا جديدة هنا”
تظاهرت بإتقان بأنها جديدة ولا تعرف الطريق بسبب لقاءها المفاجئ مع زعيم العصابة
لكن في تلك اللحظة، كان سكير قريب يصرخ بنفاد صبر: “يا آنسة أليس، أين النبيذ الذي أحضرته لي؟ هيا، تعالي واشربي معي”
التفتت فرأت أنه الرجل الفظ الذي صادفته سابقا
يا لها من لحظة مناسبة
لم تتخيل أميليا أن هذا الرجل سيكون مفيدا إلى هذا الحد
ردت بسرعة: “عذرا يا سيدي، سأكون عندك حالا”
ثم التفتت إلى لورنس، وعيناها تلمعان برجاء واضح
في ناد فاخر، إهمال ضيف يعد مخالفة كبيرة
وبما أنها ليست الشخص الذي يبحث عنه، لوح لورنس بيده مشيرا إلى أنها تستطيع المغادرة
انحنت أميليا براحة، ثم أسرعت بخطوات سريعة
وحين استدارت، تلاشى الضغط الخانق الذي شعرت به وهي تسير على حافة الموت
“لحسن الحظ لم يكتشفني، لكن لماذا كان لورنس ينتظر هنا…”
شعرت أميليا برضا خفيف لأنها نجت، وشكرت حظها في قلبها
ورغم أنها كانت تكره الرجل الفظ، فإنها لم تملك إلا أن تواجهه
في تلك اللحظة كان سو لون ينتظر هناك، وعلى وجهه ابتسامة لا هي ابتسامة كاملة ولا هي عبوس
وحين اقتربت، أحاطها بذراعيه بحركة متعمدة لإتمام التمثيل، وتكلم بنبرة سكران تفوح منه رائحة الكحول: “آه يا آنسة أليس، أين كنت…”
وحين رأى سو لون أنها ما زالت تظن نفسها محظوظة، قرر أن يعطيها درسا لتتذكره
واستمر في تمثيل سلوكه الفظ كي يثبت الغطاء حتى النهاية
أميليا ليست عاملة في ناد، وبعد أن تحملت الاشمئزاز وتعاملت معه على مضض قليلا، وجدت فرصة أخيرا وتسللت خارج النادي
…
بعد خروجها من النادي، لم تسرع أميليا بالابتعاد
وبعد أن عادت إلى ملابسها، كلما فكرت في الأمر شعرت بغضب يتراكم في صدرها ولا يهدأ
اختارت مكانا ترى منه مدخل النادي، وتمتمت بغيظ: “آه… ذلك الرجل الفظ اللعين، لا، يجب أن أعود وألقنه درسا لاحقا، وإلا لن أبتلع هذا الغضب”
لكن قبل أن يأتي أحد، ظهر راعي البقر العجوز بوجه عابس في مجال نظرها
وبمجرد أن رأته، ارتبكت أميليا: “أيها العجوز، ماذا… ماذا تفعل هنا؟”
رد بخشونة: “وما الذي يجعلك تسألين كيف جئت؟ ألم تعودي؟ لماذا عدت إلى هنا مرة أخرى؟”
كانت أسئلته سريعة متتابعة، فشعرت أميليا بالذنب، وعرفت أنها لا تستطيع خداعه، فقالت: “تلك الفتيات بريئات، فقط فكرت أنه إن كانت هناك فرصة لإنقاذ المزيد فسأحاول…”
لكنها لم تكمل حتى صرخ راعي البقر العجوز بحدة: “هل تدركين أنك كدت تتسببين بكارثة كبيرة قبل قليل؟”
“…”
ظنت أميليا أنه اكتشف ما حدث لها مع لورنس، فلم تجادله
فهي بالفعل ارتكبت خطأ صغيرا
وفي داخلها كانت تدافع عن نفسها: “لكنني نجوت في النهاية ولم يحدث شيء”
تنهد راعي البقر العجوز قليلا ثم قال: “قلت لك إن الأمر ليس ببساطة ما تتخيلين…”
كانت عدالة أميليا تجعلها تشعر أنها على حق، فقاطعته بدلال مصطنع: “حسنا، حسنا، ما دمت هنا يا عجوز، لو قبضوا علي لكان بإمكانك أن تحاسب أولئك المهربين اللعينين بنفسك”
رأى راعي البقر العجوز أنها لم تفهم خطورة الموقف، فقال بحدة: “لا أستطيع تنظيف هذه الفوضى هذه المرة، ألا تعلمين أن هناك عدة ’كبار’ مزعجين في النادي اليوم؟”
ثم قال وهو نادر ما يفقد أعصابه: “وفوق ذلك، لو لم ينقذك أحد قبل قليل، لكنت ميتة قبل أن أصل”
عند رؤية وجهه الجاد على غير عادته، تخلت أميليا أخيرا عن أسلوبها الخفيف وسألت بدهشة: “أحد أنقذني قبل قليل؟”
لمعت في عيني راعي البقر العجوز نظرة ثقيلة وهو يقول: “وصلت عندما كنت تشربين، لكنني لم أجرؤ على إظهار نفسي بسبب ذلك الشخص”
قلبت أميليا عينيها، إذن فقد شاهد تمثيلها كله؟
“آه… أيها العجوز، رأيتني في هذا الموقف المحرج ولم تساعدني؟”
وفي داخلها كانت تشكو بضعف، ذلك الرجل الفظ كان يضايقني طوال الوقت، مجرد تذكر ذلك يجعلني أغضب
“أساعدك؟”
أطلق راعي البقر العجوز شخيرا باردا وهو يرى أنها ما زالت لا تفهم، وقال: “لو لم يساعدك ذلك الشخص، هل تظنين أنك كنت ستقفين هنا وتتحدثين معي؟”
توقف لحظة ثم قال: “أنت لا تظنين أنه كان يستغل الموقف ضدك، أليس كذلك؟”
سألت أميليا بغضب مكبوت: “أليس هذا ما فعله؟”
نظر إليها راعي البقر العجوز ثم قال: “ألم تلاحظي أي رائحة على جسدك؟”
“أي رائحة؟ لا…”
أجابت أميليا وهي تشم ذراعها، لم تشم سوى أثر خفيف للكحول والدخان، ولا شيء آخر
كانت تلك روائح الرجل الفظ
تابعت: “هل تقصد رائحة الكحول؟ ذلك الرجل سكب علي الكحول سابقا، رجل مقزز”
“آه…”
هز راعي البقر العجوز رأسه وتنهد، واضح أنها لا تزال لا تفهم
قال مباشرة: “لأنك لا تحملين رائحة خاصة، هذه هي المشكلة، ألا تدركين؟ إنها ’جرعة تشويش رائحة’ متقدمة جدا، صممت لتعطيل طرق التتبع لدى من يعتمدون على حاسة شم قوية”
“آه؟”
اتسعت عينا أميليا وهي تفهم فجأة: “تقصد… أن الشراب كان فيه جرعة تشويش؟”
فكرت بسرعة، لماذا يضع الرجل الفظ جرعة تشويش في الشراب؟
وكان هذا قبل أن تحاول الإنقاذ أصلا
وفي لحظة، ضربها إدراك مفاجئ، وشعرت أنها اقتربت من الحقيقة
لكن أميليا لم تستطع أن تصدق أن ذلك الرجل قد يكون طيب القلب إلى هذه الدرجة
كانت عينا راعي البقر العجوز تحملان تفكيرا عميقا، فأومأ وأضاف: “لم أفهم كيف كُشف أمرك سابقا، لكن حين رأيت ’جرعة التشويش’ فهمت فورا، لا بد أن هناك رائحة خاصة أو علامة في ذلك القبو، ولو لم يغط عليك ذلك الشخص لانكشف أمرك في اللحظة نفسها”
ثم نظر إلى أميليا وتابع: “وإلا فهل تظنين أن طريقتك البدائية لإزالة الرائحة كانت ستخدع محترفين من مستوى عال؟”
“آه… هذا…؟”
فقط الآن فهمت أميليا لماذا التقت “الدب الهائج” لورنس بالصدفة في قبو النبيذ
إذن هكذا كان الأمر
سرت في قلبها قشعريرة خوف
لكن ما صدمها أكثر أن الرجل الفظ كان قد رأى كل شيء؟
يا للعجب، هذا مرعب جدا
كيف عرف أن هناك علامات رائحة في القبو؟
وكيف عرف أنها تحاول إنقاذ أحد؟
والآن، حين تعيد التفكير، لقاءها بلورنس في قبو النبيذ ثم مجيء ذلك الرجل وهو يصرخ لم يكن مجرد صدفة، أليس كذلك؟
لكن حين تتذكر نظرته الفظة، ما زالت لا تستطيع أن تصدق أن رجلا بهذا المظهر قد يكون شديد الدهاء والتخطيط
قالت بتردد: “أيها العجوز، هل يمكن أنك أخطأت؟”
“همف، أخطأت؟”
أطلق راعي البقر العجوز شخيرا باردا، وازداد وجهه جدية
وتذكر الروح المخيفة التي استشعرها قبل قليل ونتائج العرافة، فقرر أن يعطي مساعدته درسا قاسيا اليوم، فسأل: “ما رأيك في قوة ’الدب الهائج’ لورنس؟”
قالت أميليا: “قوي جدا”
تذكر راعي البقر العجوز ذلك الإحساس البارد الذي شعر به أول مرة واجه ذلك الرجل، وقال بهدوء: “ذلك الشخص أخطر من لورنس بمئة مرة”
لم تصدق أميليا ذلك وجادلت: “كيف يكون هذا ممكنا؟ ذلك الرجل مجرد طبيب من الرتبة الأولى، ورائحة المطهر عليه تذكرني بجثث غرفة التشريح، لا يمكن أن أكون مخطئة”
إن قلت إنه ذكي ورأى كل شيء واستعمل “جرعة تشويش”، يمكنني تقبل ذلك
لكن أن تقول إنه مقاتل من القمة؟
مستحيل
ثم أي نوع من الكبار يتصرف بهذا الأسلوب الفظ؟
على أي حال، إنه مجرد رجل مقزز فظ
عرف راعي البقر العجوز مساعدته جيدا، وقال بضيق: “ما زلت تظنين أنه كان فظا ويستغل الموقف ضدك؟”
قالت أميليا: “أليس كذلك؟”
قال راعي البقر العجوز بحدة: “هذا لأن تنكره أذكى بكثير من تنكرك، فكري بالأمر، حتى لورنس لاحظ شيئا غير طبيعي، لو لم يتصرف على أنه سكير فظ، هل كان سيخدع الجميع، بمن فيهم أنت؟”
“آه، هذا…”
ساد الصمت على أميليا وهي تشعر بالاختناق
إن كان حقا تنكرا، فتمثيله لشخص فظ كان بلا عيوب
ذلك السلوك المقزز…
يا للعجب
مهما فكرت، ما زال يبدو لها أنه رجل فظ جدا
تابع راعي البقر العجوز بنبرة ثقيلة: “أراد أن يعلمك درسا، لذلك ترك عليك بعض رائحة الدخان، كان يخشى أن تكوني بطيئة الفهم فلا تدركين ما الخطأ الذي حدث اليوم”
ثم نظر إلى المكان الذي اختارته أميليا للجلوس وقال بازدراء: “همف، أنت تجلسين هنا لتفكري في ضربه لاحقا؟”
“…”
انكمشت أميليا وأظهرت ضيقا
ورغم أنها لم تقتنع تماما، فإنها عرفت أنها أخطأت
ثم سألت: “لكن أيها العجوز، بما أنك عرفت أنني مكشوفة، لماذا لم تنقذني؟ ذلك الشخص الذي تصفه بهذه الخطورة، ماذا لو كان شريرا أيضا؟”
“أنت فتاة لا تتوقفين عن جرّي إلى المتاعب”
نظر راعي البقر العجوز إلى الفتاة التي ربّاها، وفي عينيه تساهل واضح في النهاية، وتنهد: “فكرت في طريقة، ويبدو أنها ستصل بعد لحظة”
هزت أميليا كتفيها بخفة
فهم العجوز ما يدور في رأسها وأضاف: “أنت ما زلت تعتقدين في داخلك أنه استغل الموقف ضدك، أليس كذلك؟ سأقولها بصراحة، لقد حكمت عليه، قلبه أخف من ريشة”
“أخف من ريشة؟”
تجمدت ملامح أميليا وبدت عليها الدهشة
حكم العجوز على الشر لا يخطئ عادة، إن قال إن شخصا شرير فهو شرير بلا شك
إذن هذا الرجل ليس شريرا؟
بل هو طيب؟
…
كان سو لون قد بقي في النادي فترة، واستعد للخروج للتمشي قليلا
وبما أن النادي أحد أوكار أوغست، فربما يجد أدلة أخرى في المناطق المجاورة
خرج إلى الشارع بينما بدأ المطر البارد يهطل
في هذا الموسم، مطر لينغدون القديمة لا يكاد ينقطع
رفع رأسه، وكانت السماء المعتمة تكشف أحيانا وجه القمر الحقيقي
كان ضوء القمر يحمل مسحة حمراء خفيفة
وكانت هذه الظاهرة مستمرة منذ عدة أيام
قالت الصحف إنها ظاهرة طبيعية بسبب تلوث الهواء، لكن التحليل لم يجد شيئا خاصا
وبمجرد أن خرج سو لون، أحاطت به فتاتان صغيرتان تبيعان الزهور: “يا سيدي، هل تشتري زهرة؟”
ابتسم سو لون واشترى زهرتين ووضعهما في يده
كان يفكر في أحداث اليوم، وشعر بكآبة لا يعرف سببها
واصل السير ودخل زقاقا صغيرا
كان يريد أن يجد زاوية هادئة ليجلس قليلا
لكن تحت مظلة بيت مضاء بلافتة نيون، رأى متسولين قد يكونان شقيقين، في عمر 7 أو 8 سنوات، عيناهما باهتتان بلا لون
وبسبب المطر كان المارة قليلين، وكان وعاء المتسولين فارغا
نظر سو لون إلى وجهيهما الشاحبين، وفكر لحظة، ثم أخرج بعض العملات النحاسية ورماها في الوعاء
ثم نظر إلى أقدامهما الشاحبة المبتلة، فأخرج بطانية وشقها إلى نصفين بحركة سريعة، ثم ألقى نصفا على كل واحد منهما
وكأنه فعل تلقائي لا يحتاج تفكيرا، لم يتوقف سو لون وغادر
وفي تلك الأثناء
كانت هناك عينان من بعيد تراقبان كل ما يحدث عند مدخل الزقاق بتركيز
راقبت أميليا تصرفات سو لون، فخف تعبيرها كثيرا، لكنها سألت بحيرة: “أيها العجوز، أعطى المتسولين بطانية بدافع طيب، لكن لماذا شقها؟ ألن يجعل ذلك البرد يدخل؟”
هز راعي البقر العجوز رأسه وقال بنبرة عميقة: “هذا شخص رأى معاناة الطبقات الدنيا حقا”
التفتت أميليا بارتباك: “ماذا؟”
قال راعي البقر العجوز: “المتسولون تحت سيطرة العصابات، لو كانت البطانية جيدة ولم تُشق، فغالبا ستنتهي في محل رهن غدا، داخل المتسولين هناك صراع قاس، وهذان الطفلان لن يقدرا على الاحتفاظ ببطانية جيدة”
تمتمت أميليا: “عالم قاس ومكسور…”
هز راعي البقر العجوز رأسه ولم يعلق
وفجأة لاحظ شيئا وقال: “وصل القاتل”
…
كان سو لون يتجول في الشوارع بلا هدف
وكان قد لاحظ تلك النظرات منذ خروجه من النادي، لكنه لم يهتم
مارة يمرون، لا صديق ولا عدو، ولا شيء يستحق القلق
ومع أنه كان فضوليا بشأن هوية هذين الشخصين، إلا أنه شعر أن فضوله لا يساوي المخاطرة
لكن ما حيره قليلا أنه حتى بعد مراقبة طويلة لم يغادرا؟
لا بد أنهما خمّنا بعض الحيل التي استعملها قبل قليل
لكن بما أنهما لم يقتربا للشكر، ولم يغادرا أيضا، فما الذي يريدانه؟
قالت حدسه إن شيئا آخر سيحدث الليلة، فانتظر بصبر
وسرعان ما رأى النتيجة
في تلك اللحظة خرج رجل بدين متوسط العمر، تحيط به مجموعة رجال بملابس حرس واضحة، من ناد فاخر
لاحظ سو لون شعار النبالة على ليموزين بخارية متوقفة قرب الطريق، ويبدو أنه يعود إلى كونت
وهذا يعني طبقة نبيلة عالية جدا
لكن فجأة، ضاقت حدقتا سو لون: “ما هذا؟”
في استشعاره ظهرت كتلة روحانية باردة جدا، جعلت الشارع كله يبرد فجأة، وكأنها خرجت من العدم
تحولت رطوبة الهواء إلى رقائق ثلج، وأينما مرت تجمدت برك الماء على الأرض إلى جليد أبيض
“روح؟ لا، يبدو أنه شكل خاص من الطاقة…”
اشتدت ملامح سو لون
لم ترها عينه اليمنى، لكن في العين العليمة بعينه اليسرى رأى ضبابا أبيض باردا يشبه هيئة روح
ظهرت الظاهرة فجأة، ومن الواضح أن الناس في الشارع لم يروها
لكن بعض الحرس شعروا بهبوط الحرارة المفاجئ وتجمعوا حول الكونت البدين: “احموا الدوق”
غير أن حارسا من الرتبة الرابعة وعدة محترفين من الرتبة الثانية والثالثة لم يتمكنوا حتى من التحرك عندما مر الضباب البارد غير المرئي، فتحولوا فورا إلى تماثيل جليدية
ومن بعيد، أطلق حرس آخرون طلقات خيميائية بكثافة نحو تلك الكتلة البيضاء، لكن أيا منها لم يؤذ الضباب
وفي لحظات قصيرة، قُتل ذلك الكونت وحرسه تماما
فهم سو لون على الفور: “هذا اغتيال سياسي”
في الآونة الأخيرة اهتزت السياسة في لوينغ بعنف، ولم يعد اغتيال النبلاء الكبار وأعضاء المجلس في لينغدون القديمة أمرا نادرا
أما الكونت الذي اغتيل في الشارع، فمن المرجح أنه سقط بيد خصوم سياسيين
بعد إطلاق النار، انفجر الشارع بالفوضى، واندفع الناس من النوادي المختلفة كالمجانين عند سماع الضجيج
وعندما رأوا التماثيل الجليدية التي تبدو كأنها حية، دب الرعب وبدأوا يهربون في كل اتجاه
ومع رؤية طرق القتل التي تجمد الناس، لمح ذهن سو لون معلومة يعرفها، فأشعلت فيه فكرة مرعبة: “شبح الشيطان البارد، تكنولوجيا الأعصاب الميكانيكية لدى رافائيل؟”
كان دكتور بانكس أحد الأعمدة الأساسية في تكنولوجيا الأعصاب الميكانيكية التابعة للدوق رافائيل في لينغدون القديمة، وقد ذكر سابقا بعض خطط الدوق السرية، ذلك الدوق الطموح لم يستخدم هذه التقنية لصناعة محاربين ميكانيكيين فائقين فقط، بل كان لديه مشاريع سرية أخرى كثيرة
وأحد تلك المشاريع الغريبة كان دفع أرواح البشر إلى الخارج لصناعة محاربين أشباح، مشروع “شبح الشيطان البارد”
إن كان “المحارب الميكانيكي الفائق” قوة جسدية محدودة، فإن “شبح الشيطان البارد” تطبيق طاقي غريب يستهدف قتل المحترفين الأقوياء
لم يكن دكتور بانكس مسؤولا عن هذا الجزء، لذلك لم يعرف تفاصيل كثيرة
لكن ما يحدث الآن يوحي بأن مشروع الدوق السري قد نجح
وعند رؤية الكتلة التي تتذبذب بطاقة الروح وتقتل بالبرد، فكر سو لون بهذا المشروع مباشرة
“هذا الشبح الجليدي موجود في حالة خاصة تتجاوز الصلب والسائل والغاز، ومن دون محترف يملك قدرة سيطرة قوية سيكون من الصعب كبحه، والأخطر أنه إن تجمع في أسراب فسيشكل تهديدا قاتلا حتى لأقوى المحترفين…”
عند هذه الفكرة، لمع بريق في عيني سو لون
لم يكن ينوي التدخل في شأن راعي البقر العجوز والمرأة قصيرة الشعر، لكن بعد ما رأى شعر أن الأمر قد يكون مرتبطا بهما مباشرة
….
في الشارع، شاهد راعي البقر العجوز وأميليا أيضا هذا المشهد المرعب حيث يقتل الضباب البارد غير المرئي أمام أعينهما
قال راعي البقر العجوز بوجه ثقيل: “لم أتوقع أن يأتي ’الشيطان البارد’ بنفسه”
رمشت أميليا وسألت: “هل هو القاتل الذي صعد ترتيبه بسرعة إلى قائمة المئة الأوائل في نقابة القتلة مؤخرا؟”
أومأ راعي البقر العجوز وهو يفكر: “نعم”
كانت مفاجآت الليلة كثيرة، حتى جعله يشك أن شيئا غير عادي يحدث
فكرت أميليا قليلا ثم نظرت إلى العجوز وسألت: “حتى لو جاء ذلك القاتل، لماذا تبدو قلقا يا عجوز؟ بما أنك حكمت على الرجل، فهو يستحق الموت”
هز راعي البقر العجوز رأسه وقال: “لا أقول إن الكونت بروني لا يستحق الموت، لكن…”
ثم تابع بنبرة أشد: “كنت أظن أن ’الشيطان البارد’ قاتل يملك موهبة خاصة، لكن تذبذب الروح قبل قليل كان غريبا جدا، بدا وكأنه يتألم”
تجعدت ملامح أميليا: “ماذا؟”
لم يفهم راعي البقر العجوز الأمر تماما أيضا، فهز رأسه مرة أخرى
ثم خطرت له فكرة أخرى، وامتلأ وجهه بمرارة: “وقعنا في مشكلة”
وضعت أميليا يدها تلقائيا على مسدسها عند خصرها: “ماذا تقصد؟”
هز راعي البقر العجوز رأسه وهو يضحك بمرارة وقال: “يا فتاة، إياك أن تتصرفي بتهور بعد قليل”
قبل أن تفهم أميليا ما يقصده
استدار راعي البقر العجوز فجأة نحو الشخص الذي ظهر خلفه من دون صوت
تلاشى بريق عينيه فورا، وتحولت ملامحه إلى خضوع ماكر، وقال بسرعة: “يا سيدي، أرجوك لا تسيء الفهم، نعم أنا من نشر الخبر، لكنني حقا لا أعرف ’الشيطان البارد’”
نظرت أميليا إلى الرجل الذي ظهر خلفهما، أليس هو الرجل الفظ من النادي قبل قليل؟

تعليقات الفصل