الفصل 455 : هطل مطر من الدم في ليندون فبلل مظلتي
الفصل 455: هطل مطر من الدم في ليندون فبلل مظلتي
امتلأ الفضاء البديل باللحم والأنسجة الممزقة، ولسبب مجهول، بعد تدمير أوغست لنفسه بشكل وحشي، تخمر اللحم بسرعة وأطلق رائحة كريهة منفرة
لحسن الحظ، كان لدى سو لون الكثير من الدمى والخيوط، وقبل أن يمتلئ الفضاء كله باللحم، تمكن من العثور على ما يريده
خاتم خشن المظهر بلون الياقوت، وخنجر طويل يشع ضوءا أحمر، وكانت الكنوز بطبيعة الحال هي “خاتم مصاصي الدماء لليليث” والسلاح السحري “خنجر قاتل التنين لسيغفريد”
أما إن كانت هناك أشياء أخرى في الفضاء، مثل خواتم التخزين والمواد التي انفصلت عن الجثث، فقد خطط سو لون لترتيبها حين يتوفر لديه وقت أكثر
الآن، الوقت بالغ الأهمية، وكان عليه أن يهرب فورا
فبعد أن حصد ذاكرة أوغست فقط، عرف سو لون أن هذا كائن عاش لأكثر من 100 سنة
وكان أيضا القوة الحقيقية التي تقف خلف عائلة رودريغيز
المستشار الكبير في المجلس، بوغ رودريغيز، كان حفيد هذا الوحش نفسه
والآن بعد موت أوغست، لا بد أن عائلة رودريغيز ستنتقم
وشعر سو لون بالارتياح أيضا لأن هذا الرجل، على الأرجح لإخفاء هويته، لم يجلب معه أي حراس شخصيين من مستوى عال
وفوق ذلك، لولا أن أحدا أثار الفوضى في ساحة ليندون السياسية وشن هجوما مباغتا الليلة الماضية، لما امتلك سو لون حقا الثقة في أنه يستطيع قتل أوغست وهو في ذروة قوته
ومع ذلك، رغم أن الخطر كان كبيرا، فإن المكافأة على قتل هذا الرجل كانت بالفعل ضخمة
لم يكن الأمر كنوزا فقط، بل معرفة خيميائية وأسرارا متعددة
هذا الوحش العجوز ظل عالقا عند عتبة الرتبة السابعة لأكثر من 100 سنة، ومن حيث حجم المعرفة وعمق المبادئ وفهم الخيمياء، كان بلا شك الأفضل بين كل من حصد سو لون منهم
حصد معرفة محترف عاش 100 سنة لا يمكن مقارنته بحصد معرفة 5 محترفين بعمر 20 سنة مجتمعين
حين تتراكم المعرفة إلى عمق معين، تتغير قدرة المرء على فهم العالم تغيرا نوعيا
وفوق ذلك، كان أوغست من عائلة نبيلة عريقة، ومن القلة التي تقف في القمة ولها وصول إلى معرفة من الدرجة العليا، لذا فبصيرته كانت بالتأكيد أبعد من فهم عامة الناس
لكن على غير المتوقع، لقي حتفه بطريقة لم تخطر على البال
لم يعرف سو لون كيف اكتشف الشخص الذي يقف خلف الستار أن هذا الرجل وحش عجوز
لكن ذلك أفاده كثيرا
إن استطاع هضم هذه الغنائم، فإن فهم سو لون للخيمياء سيقفز قفزة هائلة
لكن تلك لم تكن الاعتبارات الحالية
بعد أن ثبت غنائم الحرب، سأل سو لون الغراب على كتفه: “يا سيد الغراب، هل نهرب؟”
نعب الغراب ردا، وكأن المعنى: لا مشكلة كبيرة
اطمأن سو لون، ثم خرج من “بوابة الفضاء البديل” التي ظهرت مرة أخرى
“يا جماعة، فتشوا، يجب أن نجد هذين الاثنين”
“وصلت الأوامر من الأعلى، اقتلوهما عند الرؤية، كل الفرق أبلغوا عن وضعكم”
“ممر الطابق الأول خال”
“وشرفة الطابق الثاني خالية أيضا”
“…”
ما إن خرج حتى رأى رجلا عند الباب بمظهر مبتذل، يقلد أصوات الناس في الأعلى وهو يصرخ: “وغرفة التخزين في القبو خالية أيضا”
عندها ارتجف طرف عين سو لون قليلا
وبهذه الطريقة المبتذلة، من غير راعي البقر العجوز؟
كان قد بدّل ملابسه إلى سترة وسروال جلديين أسودين على هيئة رجال العصابات، وعلّق بندقية على كتفه، ووضع سلسلة ذهبية كبيرة حول عنقه، وعلى الأرجح بسبب هذا التنكر تمكن من التسلل إلى صفوف العدو وتفادي طوق الحصار
والأهم أن أحدا داخل وكر العصابة لم يلاحظ حتى الآن أي خلل
هذا إتقان حقيقي
ما إن رأى سو لون يخرج حتى أسرع إليه وقال: “يا للويل، يا عزيزي الزبون، أخيرا خرجت، ذلك، أم…”
وقبل أن يكمل، رأى سو لون القلق الحقيقي في عينيه فقاطعه: “أميليا ما زالت حية، طبيبي يعالجها الآن، ومن المفترض أن تكون بخير”
عند سماع ذلك، تنفس راعي البقر العجوز الصعداء بوضوح
ربت على صدره بطريقة مسرحية وتمتم للهواء: “تلك الفتاة المتهورة، قلت لها لا تلمسي هذه القضية، لكنها أصرت، والآن صنعت فوضى كبيرة، يجب أن تتعلم الدرس”
رغم التذمر، كانت نبرته مليئة بالمودة
لم يكن لدى سو لون انطباع سيئ عن راعي البقر العجوز رغم جبنه الظاهر
بل إن سو لون كان يشعر دائما أنه يرى في الرجل شيئا من نفسه
بعد أن تمتم لنفسه، تذكر راعي البقر العجوز شيئا وقال بسلوك مبالغ فيه: “انتبه، كثير من الناس ظهروا في الخارج، يجب أن تكون حذرا، وهناك في الخارج فعلوا نوعا من الحاجز يلمع بضوء أزرق، يبدو كحاجز تقييد مكاني، لا تستخدم أي تقنيات مكانية أبدا”
كانت ملاحظة راعي البقر العجوز حادة
عند سماع هذا، نظر سو لون من فتحة تهوية في الجدار، وبالفعل رأى حاجزا أزرق في السماء
“الحاجز المنشوري؟”
تفاجأ سو لون قليلا
حتى دون العين العليمة، تعرف على الحاجز الأزرق المتلألئ من النظرة الأولى
لأنه صادف هذا الحاجز من قبل
كان أسطول بحر الشمال قد استخدمه لتقييد إزاحته المكانية أثناء معركة دولة مدينة موروس
فكر سو لون: إذن أسطول بحر الشمال متورط أيضا؟ لا، هذا لا يعقل، الدوق رافائيل والملك أوليغ ملك بحر الشمال أعداء، لماذا سيتعاونون الآن؟ ثم إن أسطول بحر الشمال يفترض أنه مخترق حاليا من عائلة لانس، لذا لا ينبغي أن يأتوا خلفي
لكنه لم يفاجأ
ما داموا يعرفون أنه قادر على استخدام قدرات مكانية، فمن الطبيعي أن يملكوا وسيلة لتقييده
والآن بعد أن قتل شخصا، فقد حان وقت المرحلة التالية
وهي أن يُقدَّم هو، قاتل نبيل كبير من الدرجة العليا، إلى العدالة
لكن هذا كان مختلفا عما توقعه
لم يأت أي واحد من الرتبة السادسة
في إدراكه، رغم أن مقر شركة أسلحة مارتن كان ممتلئا بالناس والضجيج، فإنهم كلهم مجرد بلطجية منخفضي الرتبة من العصابة
كان سو لون قد تخيل أنه حين يخرج، سيكون المكان غارقا بخبراء من الرتبة السادسة أو السابعة من شرطة ليندون، أو الاستخبارات العسكرية، أو جهة أخرى
وبمجرد أن يظهر، سيُقبض عليه خلال ثوان معدودة
وعندها ينجح المتآمر الذي يقف خلف الستار
فبمجرد القبض عليه، سيُستجوب، ولن يملك سوى احتمال ضئيل للبقاء إن اعترف بأنه “فيك”، ثم تبدأ مرحلة يكون فيها تحت رحمة الآخرين
ولأنه توقع هذا المصير، كانت خطته بعد قتل أوغست أن يلتهم فورا قطعة كبيرة من “بلورة المستويات” ويهرب، ليحرم مطارديه من الفرصة
لكن الآن، هل كان ذلك غير ضروري؟
ولماذا لم يأت أي خبير للقبض عليه؟
في لحظة، راجع سو لون كل ترتيباته، ثم أدرك بدهشة: تسك تسك، ذلك دوق الظل يملك نفوذا كبيرا بالفعل
شرطة ليندون والاستخبارات العسكرية كانت تحت سيطرة عائلة بونابرت الملكية، وحتى لو امتلك النبلاء علاقات هناك، فهم بالتأكيد لا يستطيعون التحكم المطلق
لذا لا يمكن أن يكون هذا من صنع يكاتيرينا
والاحتمال الوحيد المتبقي هو السؤال الذي جعل سو لون سابينا تطرحه على دوق الظل: كم من المتاعب يمكن لعملة الغليون الذهبية أن تحل؟
ويبدو الآن أن هذه العملة نافعة للغاية
وبما أنه لم يعد بحاجة لاستخدام “بلورة المستويات” المنقذة للحياة، لم يكن لدى سو لون أي نية لإهدارها
وفوق ذلك، أراد أن يرى أي حيل أخرى يملكها الشخص الذي يقف خلف الستار في غياب القبض المتوقع، لعل ذلك يجبر بعض الجرذان المختبئة في الظلال على القفز وكشف نفسها
إن كان القادمون من عائلة رودريغيز، فلن يمانع سو لون قتل المزيد
أتباع الحاكم الشرير كانوا جزءا من مشهد استغلال نفسي واسع، ولم يظن سو لون أن المصابين بطفيليات السلالة الدموية يملكون فرصة حقيقية للتوبة، وأفضل وسيلة لتحويلهم هي إرسالهم إلى عالم الجحيم
وفوق ذلك، يمكنه أن يحصد بعض الخبرة أثناء ذلك
الجنود الخاصون لدى العائلات النبيلة الكبرى عادة ما يتلقون تدريبهم في أكاديميات خيمياء متعددة، وحصد واحد منهم يجلب معرفة أكثر من قتل 100 قرصان
وبهذا في ذهنه، صعد سو لون الدرج وهو ينوي مغادرة المبنى مباشرة
لم يعرف راعي البقر العجوز مدى اتساع الحادث، ورأى سو لون يخرج فسأله: “أنت، ستخرج هكذا فقط؟ ألا تفكر في طرق أخرى؟”
ثم أجاب نفسه واقترح طريق انسحاب يناسب طبيعته الحذرة: “أعني، ألقيت نظرة سريعة على أنابيب تصريف المبنى، وهي واسعة جدا، هممم، قذرة قليلا، لكنها على الأقل آمنة”
لم يهتم سو لون بالشرح، بل ابتسم وهز رأسه: “لدي ترتيبات أخرى، اعتن بنفسك”
وبدا راعي البقر العجوز محرجا قليلا، وأضاف رأيه: “أظن أن الحذر أهم، لدي شعور أن الأمر يبدو، وكأنه موجه ضدك”
رفع سو لون حاجبيه بلا التزام وقال ببرود: “همم، هو موجه ضدي”
هذا المحقق العجوز فهم اللعبة الموجهة إليه من هذه المعلومات القليلة، وهذا غير عادي بالفعل
عبس راعي البقر العجوز عند سماع هذا، لكنه لم يجد ما يقوله
لم يضيع سو لون مزيدا من الكلام، وتابع صعود الدرج مباشرة
رآه أحد أفراد العصابة فورا وصرخ: “إنه هنا!”
وقبل أن ينخفض صوته، دوى إطلاق نار، وظهرت فتحة دموية في جبهته
ما إن ظهر سو لون حتى ضج المبنى كله بالنشاط
كعاصفة صيفية انفجرت فجأة، تتابعت طلقات عديدة، تفرقع بصخب يصم الآذان
…
كانت سرية اختباء أوغست هنا لإطالة عمره عالية جدا
ناهيك عن الغرباء، حتى داخل عائلة رودريغيز نفسها لم يكن كثيرون يعلمون
وبعد أن قُتل “الدب الهائج” لورنس من عصابة الشفرة على يد سو لون، صار عدد العارفين بما حدث أقل
لكن شارع الببغاء كان مركزا لعصابات تهريب السلاح في ليندون، وكانت العصابات الكبرى قد بدأت لتوها تحريك الناس، فأطلقت نصف عالم ليندون السفلي في حركة
حين خرج سو لون، كانت المنطقة ممتلئة بدراجات نارية معدلة، وأفراد عصابات مسلحون حتى الأسنان يزدحمون كبحر من البشر
فجأة دوّت الطلقات، ولم يفهم رجال العصابة عند الباب ما يجري حتى رأوا رجلا بخطوات ثابتة يخرج، يحمل مظلة سوداء تقيه المطر، وفي يده منجل أسود
كان هذا الشاب بالأسود يسير وسط الرصاص والنار، وفي تلك اللحظة غطى المشهد كله شعور مرعب بالموت، فتراجع مئات الأشخاص دفعة واحدة
رفع سو لون رأسه إلى السماء، وفي تلك اللحظة بدا له ستار المطر الكثيف كأنه مصبوغ بالدم
بدأ ضباب خفيف يرتفع فوق المنطقة
ليندون بضبابها كانت تبدو كئيبة حتى في النهار
وفي هذا الوقت، أحس سو لون بنظرات، فالتفت نحو عدة أبراج مفتوحة الرؤية، شارع ديلين عند اتجاه الساعة 7، شارع سوق السمك عند اتجاه الساعة 9، شارع الخياطين عند اتجاه الساعة 3، وكأن كثيرين يختبئون خلف الستار ويراقبون المعركة
لكن بدا أن أحدا منهم لا ينوي التدخل
حين رأى ذلك، ارتفعت زاوية فم سو لون قليلًا: “مياه ليندون عميقة حقا”
…
في الوقت نفسه، حين نظر سو لون، رصده المراقبون على الأبراج المختلفة أيضا
من برج الساعة عند تقاطع شارع ديلين، على بعد كيلومتر واحد، كان عدة أشخاص يرتدون زي شرطة أسود يراقبون بمناظير
الرجل الذي يقودهم، بلحية صغيرة ويرتدي عصابة عين السايكلوبس، كانت له هيبة تفرض الاحترام دون غضب
على كتفه 3 نجوم فضية
كان هذا ميغان تشارلز، رئيس شرطة ليندون العام، محترفا من الرتبة السابعة معروفا باسم “التنين المنفرد”
وبجانبه كان جهاز الاتصال يهتز بلا توقف
كان موجودا هنا منذ قرابة 10 دقائق، يشاهد العرض دون أي نية للتدخل
أخيرا تلقى أحد المرؤوسين رسالة مزعجة، فتكلم رغم تردده: “سيدي تشارلز، هل حقا لن نذهب؟ وصلت رسالة تقول إن القتيل قد يكون شخصية كبيرة من عائلة رودريغيز، كما أكد المجلس أن المستشار الكبير غاضب جدا هناك، ويطالب قواتنا بإنقاذ الشخص، الضغط من الأعلى شديد”
لم يُنزل تشارلز منظاره، وقال بصوت معقد: “ليست المسألة أننا لا نريد الذهاب، بل أننا لا نستطيع الذهاب”
قال المرؤوس مجددا: “لكن إن حدث شيء حقا، كيف سنشرح للمستشار بوغ؟”
قال تشارلز: “ألم تلاحظ أن رجال الاستخبارات وصلوا أيضا، ومع ذلك لم يتحرك أحد؟ الأمر ليس بسيطا كما تظن، الكبار هناك يتصارعون على النفوذ، وهذا شيء لا يحق لنا نحن رجال الشرطة التدخل فيه، لا تتخذ موقفا بسرعة، فقد تجلب كارثة كبيرة”
“…”
بدا أن المرؤوس فهم ولم يقل شيئا أكثر
…
وفي الوقت نفسه، على بعد 800 متر في شارع سوق السمك، وعلى سطح مبنى من 3 طوابق
كان عدة رجال بمعاطف طويلة يراقبون ساحة القتال عن كثب
كان المطر يطرق بقوة، لكن بشكل غريب كان يتوقف عند حاجز غير مرئي قبل أن يبلل معاطفهم
“يا زعيم، هل حقا لن نتدخل؟ قبل قليل ضغطت شخصية كبيرة من المجلس على جهاز الاستخبارات لدينا وأصرت أن نمسك ذلك الشخص في شارع الببغاء، نحن هنا منذ مدة دون ظهور، أخشى أن يكون الضغط غدا شديدا داخل القسم”
“دعه يقلق وحده، ذلك المدير الأصلع، من ذا الذي يجرؤ في ليندون كلها على التدخل حين يطلب حماية هذا الشخص؟”
“آه؟ إذن سنكتفي بالمشاهدة؟”
“وماذا غير ذلك؟ لا يمكننا التدخل في هذه المسألة بعد الآن، استمتع بالمشهد، ألم تلاحظ أن الثعالب العجوز من مقر الشرطة موجودون هنا منذ زمن وهم فقط يراقبون؟ هاهاها، ممتع، يبدو أن شخصية كبيرة نصبت المسرح لتجعلنا ننظف الفوضى، والآن بعد أن تدخل، خرج الأمر عن السيطرة، تسك تسك، العرض الحقيقي على وشك أن يبدأ”
“…”
“سجلوا كل أفراد القتال في القسم الذين خالفوا الأوامر، ومن مارسوا الضغط، ومن استخدموا العلاقات، سيعالجهم شخص ما لاحقا”
“نعم يا زعيم”
…
اتجاه الساعة 3، شارع الخياطين
“يا للروعة، يا فتاتي العزيزة، انظري، انظري، أحدهم خرج، هاهاها، إنهم يتقاتلون من جديد”
كان بارتولو يستمتع بالمشهد عبر منظاره
وبينما يراقب القتال، علّق كمتفرج حقيقي: “واو، هذا الفتى صار أكثر هيمنة بكثير خلال الأشهر الماضية، تسك تسك، ليس سيئا، يبدو أنه تلقى إرشادا من معلم، آه نسيت، السيد جينغ، ذلك الشخص الغامض من مجموعة الفجر”
ثم ابتسم بمكر: “لكن في الحقيقة، هذا الفتى يملك نفوذا، رجال مقر الشرطة، وخدمة الحماية الملكية، والاستخبارات، كلهم هنا منذ وقت، ولا أحد يجرؤ على التدخل، هاهاها، كنت أظن أنني قد أحتاج لتقديم يد العون، لكن يبدو أن الأمر غير ضروري الآن”
عند هذا، التفتت يكاتيرينا إلى ساحة القتال، وكأنها خمنت شيئا وتمتمت: “لم أتوقع أن ذلك الشخص سيقف معه”
كان بارتولو يعرف بوضوح من تقصد ابنته، فوافق: “نعم، ذلك الرجل ابتعد عن السياسة طويلا جدا، ولم يظهر حتى حين كانت فتنة القمر الضبابي ضخمة، من المدهش أنه يتدخل الآن، ومن أجل هذا الفتى، تسك تسك”
ثم تغيرت نبرة الدوق الجاد عادة وصار يمزح: “بهذا، يبدو أن عينك في الناس جيدة بالفعل يا ابنتي الغالية”
كانت يكاتيرينا معتادة على مزاح أبيها، فلم يتغير وجهها وقالت: “ذلك الشيخ يملك رؤى واسعة، ولا يرى إلا لوينغ وحضارة الخيمياء، ربما يجد فكر مجموعة الفجر مقبولا، ومع اقتراب نهاية عمره، قد يريد أن يترك شيئا يتذكره العالم به”
استمع بارتولو وهو يكشر، واضح أنه أقل اهتماما بالسياسة
وعلى العكس، واصل النظر إلى ساحة القتال بحماس متجدد: “يا كاتيوشا، من تظنين أن ذلك الفتى قتل؟ منذ أن وصل إلى شارع الببغاء، كاد قسم الاستخبارات في ليندون ينفجر، وقبل قليل أفادوا بأن هناك اضطرابا كبيرا داخل عائلة رودريغيز، يتجاهلون المرسوم الملكي علنا ويجمعون فرقة فرسان داخل المدينة، لو لم أعرف أنه بسبب هذا الأمر، لظننت أنهم سيطلقون فتنة قمر ضبابي أخرى كما قبل بضع سنوات”
عند سماع هذا، ظهرت في عيني يكاتيرينا لمعة شك مع وضوح: “يبدو أنه لا بد أن يكون ما يسمونه في الأساطير ظل رودريغيز”
تألقت عينا بارتولو: “هيهي، إن كان حقا هو الذي سقط، فسيكون الأمر ممتعا جدا”
ثم توقف وكأنه تذكر شيئا: “لكن بالنظر إلى الوضع الآن، مع عدم تدخل المسؤولين، ومع الجنرال روستوف الذي يضغط على جهة الجيش، حتى كبار المحترفين لا يستطيعون المجيء، هؤلاء على الأرجح لن يقدروا على إيقاف ذلك الفتى، هيهي، الدوق رافائيل بذل جهدا كبيرا ليصنع هذه اللعبة، والآن أخشى أن كل ذلك سيضيع، أنا فضولي لأرى تعبير وجهه كيف سيكون”
…
اندفع سو لون خارج مقر شركة مارتن
أقوى أفراد العصابة، بالكاد من الرتبة الثالثة أو الرابعة، لم يستطيعوا إيقافه
لكنها منطقة الأسلحة النارية، وكان النشاط فيها صاخبا، فظهرت كل أنواع البنادق التي يمكن رؤيتها في السوق
وأفضل البضائع كانت أسلحة عسكرية مهرّبة من مافا
لكن في نظر سو لون، لم يكن ذلك كافيا
آلاف البنادق والمدافع الشخصية أطلقت عليه زخات متتالية، ومعظمها أوقفته الغرغولات
والباقي لم يستطع اختراق جسد “فاجرا الرونية” الذي يحيط به زخم مرعب
الأسلحة النارية ليست بلا تهديد تماما، فلو كانت هناك رصاصات خيميائية كافية فقد تؤذي الناس
لكن حتى أغنى عصابات ليندون لا يمكنها أن تحرق 1,000,000 ذخيرة بهذه السهولة
وفوق ذلك، كلما ظهر موضع نيران كثيفة يهدد، كان منجل الحاصد يضرب عدة مرات بسرعة، فيطفئ الخطر فورا
من يجرؤ على إطلاق النار، ففي اللحظة التالية يقطع رأسه بلا شك
بعد عدة عمليات قتل، هدأ الشارع
ثم إن هيئة الحاصد، والغربان، والغرغولات كانت مميزة جدا، فعرف رجال العصابة أن من يطوقونه هو الأسطورة، الموت نفسه
من دون قدوم محترف من مستوى عال، لم يستطع أحد إيقاف سو لون
ولم يكن لديه نية لإزعاج رجال العصابة الذين لا يعرفون أصلا لماذا زُج بهم في القضية، فإذا لم يهاجموه، لم يسترسل في القتل أكثر
أمسك سو لون مظلته السوداء، ومشى بهدوء في شارع الببغاء
غسل المطر الدم من الجثث إلى الطريق، وكانت حذاؤه الجلدي يرش في برك قرمزية
نظر سو لون إلى “الحاجز المنشوري” الذي يحيط بالحي، ثم إلى الغراب الأسود على كتفه
تعجب مرة أخرى من نفوذ دوق الظل، فحتى الآن لم ير أي محترف من الرتبة السابعة يأتي لاعتراضه
إن لم يأت أحد آخر، شعر سو لون أنه قد يفلت فعلا
لكن من الواضح أنهم لن يتركوه يذهب بهذه السهولة، على الأقل عائلة رودريغيز قد ظهرت
في تلك اللحظة سمع صوت “طن، طن” لمسير منظم
رفع رأسه، وفي نهاية الشارع المغمور بالضباب، ظهرت فرقة كاملة من الفرسان الذهبيين بدروع ذهبية، يرتدون دروعا ذهبية رسمية تغطي الجسد كله، ويحملون رماحا طويلة ودروعا ضخمة، ويركبون وحوشا سحرية من الرتبة الثالثة تسمى “خيول العظام الحرشفية”
كانت الفرقة كلها تلمع ببريق ذهبي، كأن سيلا ذهبيا ظهر في الشارع
“فرقة فرسان الدرع الذهبي الثقيل؟”
تعرف سو لون على هؤلاء الفرسان الذهبيين، وعرف أن رجال عائلة رودريغيز وصلوا
مثل “فرقة الحكم المكرم” لدى باريت، كانت هذه تعد واحدة من أقوى القوات العسكرية وأشدها مهابة، وتملك قوة قتالية استثنائية
وبنظرة واحدة، كان عددهم يصل إلى 300 فارس
وفي إدراك الروح لديه، كانت تقلبات أرواحهم قوية، تبدأ من الرتبة الثالثة، والرتبة الرابعة هي المركز، ومع عدة محترفين من الرتبة الخامسة وقائدين من الرتبة السادسة
لم يكونوا مثل رجال العصابة المتفرقين عند زوايا الشوارع
300 رجل، حين تتحد هالتهم، يعطون إحساسا بجدار فولاذي لا يُخترق
ومع ظهور هؤلاء الفرسان الذهبيين، تراجع رجال العصابة جميعا بعيدا
وفي الشارع الواسع، لم يبق إلا سو لون واقفا وحده، في مواجهة 300 فارس ذهبي لا تظهر ملامح وجوههم
…
حين رأى قائد الفرقة سو لون بمظلته السوداء، رفع يده فتوقف الجميع
ثم أشار برمحه، فتقدمت خيول الحرب أول خطوة منسقة، وانطلقت فرقة الفرسان كلها بهجوم واحد
صار زخم 300 فارس ذهبي أشد فأشد، حتى تجمّع إلى رمح ذهبي من الضوء يمكن رؤيته
وعند اصطدام الحدة بالحدة، انقبضت حدقتا سو لون فجأة، بعدما قفلته نية قتل الفرقة، وشعر بتنميل في ظهره وهو يفكر: ما أقوى تقنية الهجوم المشترك لهذه الفرقة
لم يشك أن حتى غرغولا يقف أمام هذا الاندفاع سيُقتل في لحظة
كان قد سمع عن تميز دروع فرسان “الدرع الذهبي الثقيل”
والآن وهو يراه، كان استثنائيا بالفعل
كانت الجودة العامة تصل إلى “الرتبة الذهبية”، وحتى عدة أطقم لضباط وصلت إلى “الذهب الداكن”
عرف سو لون مستوى دفاع الدروع من النظرة الأولى، ولم يكن من السهل كسرها حتى على محترفين من الرتبة الخامسة
لكن ثمنها كان باهظا جدا، فطقم واحد لا يقل ثمنا عن دمية سو لون من الرتبة الخامسة
ناهيك عن كلفة الصنع، فإن كلفة الصيانة السنوية وحدها تصل إلى مئات الآلاف، وغالبا ما تحتاج ضرائب بلدة صغيرة لدعم صيانة مثل هذه المعدات الفروسية
ومع أنه باهظ، فإن له قيمته
بهذه الدروع، بدا كأن هناك 300 فارس من الرتبة الخامسة هنا
“كل شيء يعتمد على المال، يا للخسارة”
تنهد سو لون في نفسه
اندفاع هذه الفرقة شيء لا يجرؤ حتى محترف من الرتبة السابعة على مقاومته مباشرة، وبالطبع لم يكن سو لون قادرا على ذلك
وفوق ذلك، لم يكن هذا الاندفاع مجرد صدام جسدي، فتقنية الهجوم المشترك يمكنها أيضا إشعال قوة رمح عن بعد، بما يعادل تكثيف قوة الفرقة كلها في ضربة واحدة، تقارب، من حيث الشدة، تقنية من الرتبة السابعة
كان هذا أكثر نمط هجوم تقليدي وأشد قوة لدى رودين
في الظروف العادية، ضمن مسافة الاندفاع، إذا قفلتك فرقة الفرسان، فلن تقدر حتى على الهرب
إلا إذا استطاع سو لون الانتقال آلاف الأمتار، فلن يهتم بقفل الطاقة لدى الفرقة
ومن الواضح أن هؤلاء المتوحشين المدرعين من الرأس للقدم كانوا العدو الطبيعي لفرقة دماه
فمع دفاع يصل إلى الرتبة الخامسة، صاروا شبه محصنين ضد الهجمات البدنية والسحرية التي دون ذلك المستوى
كما أنهم يملكون هالات فرقية مثل الإلهام والحماسة والغضب، تكاد تجعلهم محصنين ضد معظم هجمات الحالة السلبية
لم يملك سو لون رفاهية امتلاك 300 دمية من الرتبة الخامسة، ولو دخل في صدام مباشر فسيُسحق فورًا
المنجل الأسود قادر على القتل بالفعل
لكن إن اضطر أن يقطع واحدا تلو الآخر، فلن يقتل عددا كبيرا في وقت قصير
وفي هذا الوقت، يكون الفرسان قد اندفعوا ذهابا وإيابا وقطعوه إلى أشلاء
غير أن الزمن تغير
إمبراطورية مافا تحارب رودين منذ مئات السنين، وقد درست منذ زمن وسائل مواجهة هذا النوع من اندفاع الفرق
كان سو لون قد اختطف سابقا دفعة من مهندسي مافا الميكانيكيين في بحر الشمال، وصادف أن عرف بعض مشاريعهم السرية
في مواجهة السيل الذهبي القادم، لم يتهرب سو لون ولم يتراجع، ومع تكثف أختامه السحرية، تموج الفضاء إلى جانبه، وبصوت ارتطام قوي، ظهرت عدة آلات غريبة الشكل
كانت هذه الآلات تبدو كمدافع وأيضا كمطارق
لكنها لم تكن سبطانات كبيرة العيار، بل سبطانات كثيفة كخلية نحل، وفي كل حاكم 36 سبطانة
كان جيش مافا يسمي هذا السلاح السري “مطرقة سيد الرعد ذات الـ 36 فوهة”
لكن سو لون شعر أن اسم “العاصفة المعدنية” أنسب لسلاح يملك أثرا مشابها
بالنسبة للمقاتل الميكانيكي، كل مخاوفه تبدأ من نقص قوة النيران
ومتى كانت قوة النيران كافية، فهل يبقى خوف؟
لا وجود له
المدفع الفائق ذي العجلات الست الذي كشف عنه جيش مافا في المعارك كان معدل إطلاقه الأقصى 6,000 طلقة في الدقيقة، وهو رقم مخيف بالفعل
أما “مطرقة سيد الرعد ذات الـ 36 فوهة” فكانت تصل إلى 60,000 طلقة في الدقيقة لكل فوهة، وكان المعدل النظري للآلة كلها يقارب 1,000,000 طلقة في الدقيقة، مستوى مختلف تماما
حتى إمبراطورية مافا كانت تعتبر هذا النوع من السلاح الفائق في مرحلة المختبر فقط
لأن هناك مشكلة، وهي حجم الذخيرة
فمهما كان معدل الإطلاق مرعبا، فالشرط هو وجود ما يكفي من الذخيرة
استهلاك 1,000,000 طلقة في دقيقة واحدة يحتاج مخزنا ضخما جدا
إن كانت الطلقة الواحدة تزن 10 غرامات، فمليون طلقة تزن 10 أطنان
قدرة سو لون على قوانين الفراغ حلت هذه المشكلة تماما، إذ استطاع ترتيب فضاء مطوي داخل السبطانات، فحوّل ما كان نظريا على الورق إلى آلات حقيقية
كان لهذا الشيء عيوب كثيرة، دقته ضعيفة، وتحميل الذخيرة مزعج، لكن استخدامه بسيط وخشن
وكان يمزق كل أنواع الدفاعات القوية بسهولة
مثل تمزيق أسطح السفن الميكانيكية، والجدران الصلبة
ومثل هذه الفرقة التقليدية من فرسان الدروع الثقيلة لدى رودين
أمام السيل الذهبي القادم، حرّك سو لون أصابعه وفعل مفتاح “مطرقة سيد الرعد ذات الـ 36 فوهة”
في لحظة، اندفعت رصاصات خيميائية بلهيب متعدد الألوان من السبطانات، كأن أنفاس تنانين نار تتفجر
وفي طرفة عين، اجتاحت العاصفة المعدنية الشارع كله
…
حين شهدت الفصائل المختلفة التي تراقب من بعيد هذا المشهد المرعب والمبالغ فيه، صُدمت كلها
لم يروا من قبل سلاحا ناريا فائقا بهذه الرهبة، ولم يشعروا قط بهذا الإحساس القاسي بأن الزمن تركهم خلفه

تعليقات الفصل