الفصل 460 : لغة عرق التنين
الفصل 460: لغة عرق التنين
قبل أن يحصد سو لون ذكريات أوغستوس، كان قد عرف كثيرا من أسرار عائلة رودريغيز، وذهل من ثراء هذه العائلة النبيلة العتيقة التي ظلت في طبقة النبلاء مئات السنين
هذا النوع من كبار النبلاء لهم مصالح في كل المجالات، ويملكون قدرة لا يمكن تخيلها على صنع الثروة، وتصل ممتلكاتهم إلى ثروات هائلة للغاية
لكن مع أن سلفا عجوزا من عائلة رودريغيز قد مات، فإن الآخرين ما زالوا أحياء، لذلك كان لا بد أن تُحسب أي خطط لاقتسام هذه الكعكة على المدى البعيد
ولحسن الحظ، لم يضع العجوز كل شيء في سلة واحدة، فقد تنكر باسم “ويليامز” واستأجر صندوق إيداع سريا في البنك الملكي
كان في إمبراطورية لوينغ مئات البنوك الكبيرة والصغيرة، لكن لم يكن هناك سوى بنك واحد يحمل شعار الدولة
وهو “بنك الادخار الملكي لوينغ”
كان خزينة صغيرة لعائلة بونابرت الملكية، وأأمن بنك في لوينغ، خارج نطاق تحقيقات أي جهة
كما أن فتح حسابات كبيرة مجهولة الهوية كان ممكنا، لذلك كان البنك السري المفضل لكثير من أصحاب الثروة الخفيين
كان المقر الرئيسي للبنك الملكي يقع في طريق ساينت غلوريوس رقم 1، في الحي الغني على الضفة الشمالية لنهر لوكوارين في ليندون، وعلى خط مستقيم لا يبعد أكثر من 800 متر عن قصر فريدريك
وبتنكر داخل بدلة كلاسيكية فاخرة، استأجر سو لون عربة قديمة فارهة وتوجه إلى بنك لوينغ الملكي
كان المبنى على طراز قوطي من الخارج، يشبه كنيسة
وتحت البنك قبو تحت الأرض لا يُعرف حجمه
وبفضل الذكريات التفصيلية التي حصدها من أوغستوس، نجح سو لون في دخول قاعة كبار الزوار عبر التحقق من خط اليد ورمز سري
وبعد أن ذكر غايته، قاده نائب مدير البنك إلى الأسفل نحو منطقة صناديق الإيداع الخاصة
“الحماية مشددة فعلا” تمتم
تبع سو لون المدير متوسط العمر، ونزل بالمصعد عشرات الأمتار إلى باطن الأرض، وأحس بالحيز من حوله فوجد أن قبو البنك مجهز بنظام مضاد للسرقة أعقد من غرفة مقتنيات الأكاديمية الملكية
وفوق ذلك، كان جاره قصر بونابرت، وكانت الدوريات الخفية في الشوارع القريبة أكثر من عدد المارة العاديين، ولم يفكر أي لص كبير في استهدافه يوما
بعد قليل، أوصل نائب المدير سو لون إلى غرفة مليئة بصناديق الإيداع، وكانت تعاويذ الحماية والقيود فيها معقدة على نحو يثير الدهشة
استخدم الرجل مفتاح البنك لفتح صندوق الإيداع الذي يحمل بطاقة مزخرفة مكتوب عليها “رقم 1062″، ثم غادر بعد كلمة واحدة وترك سو لون وحده في المكان
ما إن فُتح صندوق الإيداع حتى ظهر داخله قفل تركيبي خيميائي من 9 أرقام، يشبه أسطوانة دوارة
هذه السلسلة من طرق التحقق، من الناحية النظرية، تجعل استرجاع محتويات الصندوق مستحيلا على أي أحد غير صاحبه
لكن سو لون، متبعا الذكريات التي حصدها، ضبط شيفرة القفل الخيميائي، ومع “طقة” خفيفة انفتح
في اللحظة التي انفتح فيها، أبهَره بريق الأحجار الكريمة داخل الصندوق
نظر سو لون إلى كومة الأحجار الفاخرة وباريتات الطاقة وأنوية الوحوش، ولم يشعر منذ زمن بعيد بتلك القفزة المفاجئة في القلب التي ترافق الثراء، وقال في نفسه: لقد اغتنيت
كل حجر كريم وُضع في هذا الصندوق كان من أعلى المستويات
أحجار بلا عيوب، وبلورات أنوية عناصر، وأنوية بلورية لوحوش سحرية من المستوى السابع والثامن، بالعشرات
كان في مستودع سو لون بلورتان من “بلورات أنوية ملعونة” كان قد أخرجهما من قبل، وكل واحدة تتجاوز قيمتها مئة مليون
هذان الاثنان كانا قد جُلبا من لينغدون القديمة، ولا يُعرض مثلهما للبيع في السوق
لكن في صندوق الإيداع كان هناك أكثر من عشرة من “بلورات أنوية عناصر” من الدرجة نفسها، وهي أحجار نادرة لدرجة أن عرقا كاملا قد لا ينتج سوى واحدة منها
هذه المواد الخيميائية العليا كانت عملة صلبة في السوق، وموارد استراتيجية دائمة الندرة
أما أنوية الوحوش من المستوى السابع والثامن فكانت مواد لا غنى عنها للآلات العليا
وبنظرة سريعة بدا أنها نحو 11 أو 12 نواة
هذه الكومة من الأحجار وحدها تساوي عشرات المليارات من ليسون
جمع سو لون الأحجار الكريمة بسعادة ووضعها كلها في تخزينه المكاني
اختفى اللمعان الملون في صندوق الإيداع فورا
وبقي في الداخل صندوقان صغيران
فتح سو لون أحدهما فوجد داخله رزمة من أوراق سميكة ولفائف رق قديمة، قلبها فكانت شهادات أسهم وسندات وإيصالات إيداع لحاملها
“شركة سكة الحديد الملكية لوينغ”، “مجموعة سيلين للتعدين”، “شركة مياه ليندون”، “شركة التبغ الإمبراطورية”
نظر سو لون إلى شهادات أسهم هذه المؤسسات الاقتصادية الحيوية في لوينغ، وشعر كأنه يرى دجاجات تبيض بيضا ذهبيا
هذه الصناعات الاحتكارية تكسب المال أسرع وبثبات أكبر حتى من القرصنة، لا فرق بينها وبين طباعة المال
حتى لو سقطت الإمبراطورية، فلن تنهار هذه الشركات الاحتكارية
هذه الأوراق كانت على الأرجح خطة بديلة تركها أوغستوس لعائلة رودريغيز
حتى لو واجهت العائلة مشكلة كبرى، يمكنها بهذه الأصول أن تنهض من جديد
لم يستطع سو لون إلا أن يدهش من كيف حافظت هذه العائلات العليا على إرثها مئات السنين بلا تراجع، إنها حقا تملك جذورا استثنائية
ولأنها خطة بديلة خفية، لم تكن هذه السندات والشهادات مرتبطة بعائلة رودريغيز بأي شكل، لذلك أخذها سو لون بابتسامة دون تردد
وفكر أن يعطي هذه الأوراق المالية إلى لينا بعد خروجه، فإن أُديرت جيدا ستولد دخلا مستمرا وكبيرا، وفوق ذلك فإن أسرار عائلة رودريغيز التجارية التي استخرجها يمكن أن تصنع ثروة ضخمة إذا تولى أمرها شخص يفهم التجارة
فتش سو لون مجددا، فوجد أنه إلى جانب السندات وما شابه، توجد بعض القطع القديمة في الصندوق، وبعضها يحمل شعار النبل لعائلة رودريغيز، ويبدو أنها رموز قديمة توارثتها السلالة
لم يهتم سو لون بهذه الأشياء، لكنه كان فضوليا بشأن عمرها
وعند فحص بعض المنحوتات الحجرية، اتضح أنها تعود إلى عشرات الآلاف من السنين؟
كانت أصول هذه التحف قديمة لدرجة أن السلف العجوز أوغستوس نفسه لم يعرف متى انتقلت إلى أيديهم
إن لم تكن قد التقطت من مكان ما، فهذا يعني أن عائلة رودريغيز قد تكون ذات تاريخ بالغ القِدم فعلا
وبينما يقلب سو لون القطع، لفت انتباهه فجأة جزء على شكل أفعى
شظية أوروبولوس
الشرح: شظية خيميائية شديدة التعقيد، على الأرجح أنها ربع فقط، منقوش عليها اسم حداد عظيم للأقزام يدعى “إسويت هامر”، وإلى جانب هالة المادة البدئية ترى معلومات أعمق لا يمكن الإحاطة بها
تغيرت ملامح سو لون قليلا عندما رأى هذه القطعة
لأنه كان يملك قطعة أيضا
سابقا في أطلال البحر، واجه وحش الروح الخاص بـ”إمبراطور القراصنة” فرانشيس دريك الذي يعود إلى أكثر من مئتي عام، وكان ذلك الرجل قد سرق ذات مرة نحو نصف الشظية من إمبراطورية مافا، والآن كانت الشظية في جيب عالمه المكاني
جرب سو لون فوجد أن كسر القطعتين ينسجم تماما، لكنه ما زال ينقصه نحو ربع من الشكل الكامل
عندما كان يملك نصفا فقط، لم يكن قد اهتم كثيرا
فلو أن إمبراطورية مافا كانت تملك القطعة كاملة لما تُرك منها نصف مسروق أصلا
أما الآن وقد وجد ربعًا آخر، بدأ سو لون يشعر بالأمل
فكر أن يسأل هنا وهناك، فإن سنحت له فرصة إكمالها ورصّها، فسيعرف أيضا ما هذه القطعة حقا
ثم
سقطت نظرة سو لون على آخر صندوق كنز داخل الخزانة
كان صندوقا مختوما بسحر خاص، وعليه رموز تبدو مثل الرون لكنها مختلفة تماما عن نظام لغة الرون في حضارة الخيمياء
كان يبدو كصندوق لحفظ الأشياء المهمة
وأظهر التعرف أنه “نظام لغوي روني مجهول من مستوى عال”، يعمل كقفل سحري ويحتاج طريقة محددة لفتحه
وعندما رأى سو لون هذا الصندوق، فكر أيضا: ماذا يوجد بداخله؟
كان هذا الصندوق قديما لدرجة أن أوغستوس لم يعرف من أين جاء
وعلى أي حال، فقد توارثته العائلة جيلا بعد جيل، ولم يستطع أحد فتحه
هذا الصندوق، مع “خنجر سيغفريد قاتل التنانين” وطريقة تدريب الفارس، كلها كانت من مقتنيات إرث عائلة رودريغيز
درس سو لون الصندوق لحظة، لكنه لم يجد طريقة لفتحه
وبعد تفكير، قرر أن يبحث عن العارف السيد هي
بعد أن نهب سو لون مخبأ أوغستوس السري، لم يواجه أي حادث وغادر البنك الملكي بسلاسة
بعد قليل، قاد دراجته النارية إلى المكتبة الوطنية في حي فرانكلين
دخل وهو يعرف الطريق، ثم وجد السيد هي منغمسا في فرز الكتب القديمة داخل منطقة ترتيب الكتب
عند رؤية سو لون، قال السيد هي: “جئت في الوقت المناسب، لقد نجحت في فك تلك بطاقة التاروت ذات الأسرار 22 التي طلبت مني ترجمتها، بطاقة الرجل المعلق لسايكلوبس”
ظهر الترقب في عيني سو لون، فتقدم وجلس بلا تكلف على كرسي قريب وسأل: “أوه؟ هل هناك سر كبير مخبوء فيها حقا؟”
كانت تلك البطاقة قد حصل عليها سابقا على سفينة الملكة رودريكا، ولأنه لم يستطع فكها بنفسه، سلمها للسيد هي
لم يكن يعلق آمالا كبيرة
حتى سو لون نفسه، وهو بارع في فك الشفرات ويملك العين العليمة، لم يستطع قراءتها، وهذا وحده يدل على مدى تعقيدها
لكن السيد هي أعطاه مفاجأة سارة
قال السيد هي وهو يضع الكتاب الذي كان يرتبه جانبا: “المحتوى الذي فُك هو خريطة كنز، تسجل مكانا يُدعى بئر ميمير، وهناك أيضا ملحمة أسطورية تروي بشكل عام قصة عملاق ضحى بإحدى عينيه عند ضفة الماء ثم حصل على بعض الرون، ومن صنع هذه البطاقة ترك خريطة كنز عليها وقال إنها قد تقود إلى ذلك البئر، وهناك أيضا طقس تضحية، لكن بعد مقارنة دقيقة لاحظت أن المنطقة البحرية المعلّمة على البطاقة تقع في مكان مجهول لا يظهر في أي خريطة بحرية لإمبراطورية لوينغ”
عند سماع هذا الخط، انقبضت حدقتا سو لون قليلا
التضحية بالعين عند ضفة النبع مع أعمق نظرة
أليست هذه الحكاية الأسطورية نفسها التي رآها في أطلال العملاق داخل الغابة الصامتة؟
هل سجلت البطاقة القصة نفسها؟
بعد أن قال السيد هي جملة بسيطة، لاحظ اهتمام سو لون الشديد فأخرج بطاقة التاروت وقال: “انظر بنفسك”
ركز سو لون فورا على البطاقة
وبما أن طريقة التشفير قد فُكّت، فقد ألقى نظرة ورأى تحت صورة الرجل المعلق خريطة بحرية تبدو كأنها إسقاط ضوئي
وفي مركز الخريطة كانت جزيرة ضخمة على شكل “حدوة حصان”
ثم ظهرت أسطورة التضحية بالعين التي ذكرها السيد هي قبل قليل، ومعها طقس غامض للحصول على ماء النبع
قال سو لون: “إنها فعلا”
وبدأت أفكاره تتسارع
لم ير سو لون هذه الأسطورة في أي كتاب من قبل، والسيد هي قال إنه لم يسمع بها أيضا
لكن كون هذه الأسطورة نفسها مسجلة في أطلال العملاق وعلى بطاقة “الرجل المعلق” يجعل الأمر جديرا بالتأمل
سابقا، لم يكن سو لون يصدق أن مجموعة “بطاقات التاروت ذات الأسرار 22” من صنع شيوخ الفجر فعلا، فالأساطير تبقى أساطير، والتجار يحبون إضافة خلفيات غامضة ليرفعوا السعر
لكن الآن بدأ يصدق
كل ما يرتبط بالحضارات الأسطورية ليس بسيطا أبدا
هل بئر ميمير موجود حقا؟
شعر سو لون أن هذا قد يكون فرصة مرتبطة بأصل موهبته “العين العليمة”، وإن تهيأت الشروط فعليه أن يذهب ليرى بنفسه
لكن من الواضح أن الشروط لم تنضج بعد
الخريطة على البطاقة كانت تُظهر فقط محيط جزيرة حدوة الحصان، وتشير إجمالا إلى أنها تقع في البحر الغربي
لكن بهذه المعلومات القليلة، فإن العثور على تلك الجزيرة وسط البحر الواسع يشبه البحث عن إبرة في كومة قش
والسيد هي يملك ذاكرة تصويرية، وحين قال إنه لم يرها، فهذا يعني أن خرائط بحر ليندون بالفعل لا تحتويها
كأن بصيص أمل ظهر فجأة ثم انطفأ تماما
ضم سو لون شفتيه وابتسم بمرارة وهو يشتكي: “واضع خريطة الكنز هذه أراد أن يعذب الناس حقا، من دون مسار واضح كيف يمكن البحث؟”
لكن السيد هي ضحك وقدّم زاوية أخرى: “هل فكرت أن سبب عدم رسم المسار الدقيق هو أن تلك المنطقة البحرية شديدة الخطورة؟ من ترك خريطة الكنز على بطاقة التاروت لم يُرد أن يقود الناس إلى موت عبثي، لو أن سفينة اقتربت من تلك المنطقة من قبل، لكانت هذه المعلومات وحدها كافية لتأكيد موقعها، وغيابها عن خرائط البحر الحالية يعني أن من اقترب لم ينجُ”
عند سماع هذا، أضاءت عينا سو لون وفهم فجأة وقال: “هذا منطقي”
مستوى الملاحة البحرية في إمبراطورية لوينغ لم يكن منخفضا، فقد وسّع آلاف المغامرين خرائط البحر مرات كثيرة على مدى قرون
لكن كون هذه المنطقة لم تُكتشف حتى الآن يعني إما أنها بعيدة للغاية، أو خطرة للغاية
وفي الحالتين، فهي مناطق بحر لا يستطيع البشر بلوغها حاليا
تنهد سو لون بهدوء: “خريطة كنز أخرى بلا خيط يقود إليها”
ورغم فك البطاقة، فمن المرجح أنها ستبقى مكدسة في المستودع
استكشاف مناطق بحر مجهولة ليس قرارا سهلا، وقد يحتاج عقودا، بل قرونا
والخريطة الشبيهة بالإسقاط الضوئي ذكرت سو لون أيضا بخريطة بحر العالم التي كان قد حصل عليها سابقا من بلاك سام، ويبدو أنها صُنعت بالطريقة نفسها
ملك القراصنة قبل ثلاثين سنة لم يعد أبدا من استكشاف مناطق البحر المجهولة
فكر سو لون وشعر ببعض السخرية الخفيفة
في الوقت الحالي يمكنه ترك بطاقة التاروت جانبا، فتذكر سبب زيارته وأخرج صندوق السحر المختوم الخاص
سأل: “السيد هي، هل يمكنك مساعدتي في فحص هذا الصندوق السحري، ما نوع القيد عليه، وهل يمكن فكّه؟”
نظر السيد هي إلى الصندوق مرة واحدة، فظهرت على وجهه فورا ملامح حذر شديد
رفع النظارة التي انزلقت عن جسر أنفه، وأمسك الصندوق بجدية وبدأ يفحصه عن قرب
وقف سو لون جانبه بهدوء يراقب دون كلام
بعد فحص طويل قال السيد هي أخيرا: “هذا ليس رونًا من نظام حضارة الخيمياء، يبدو أنه نوع من كتابة سحرية عالية المستوى”
وبنبرة فيها شيء من عدم اليقين، قال سو لون بدهشة خفيفة: “السيد هي، لا تعرفها؟”
قال السيد هي مبتسما: “من الطبيعي ألا أعرفها، نهر الحضارات يتلألأ كالمجرة، ومعرفتنا ليست سوى نقطة من بين عدد لا يُحصى”
ثم تبدلت نبرته وهو يتابع: “لكنني رأيت رموزا مشابهة على تحف من حضارات منقطعة، لأن الناجين قليلون جدا لم يؤكد عالم الخيمياء بعد ما الذي تعنيه بشكل قاطع، بالمناسبة، من أين حصلت على هذا؟”
لم يكن لدى سو لون ما يخفيه عنه، فشرح مباشرة ما حدث مع أوغستوس
وبدا أن السيد هي تذكر شيئا عندما سمع ذلك
وبعد لحظة تفكير سأل: “سو لون، هل رأت عينك العليمة شيئا مختلفا في هذه الرموز؟”
فحص سو لون الرموز من جديد وقال: “رأيت خصائص متسامية تشبه لغات الرون عالية المستوى”
عندها غرق السيد هي في تفكير عميق، وبعد وقت طويل قال: “إذن هذا هو الأمر، من المرجح أنها سحر لغة التنين”
تفاجأ سو لون: “لغة التنانين؟”
كان هذا مجالا لم يصله رغم اتساع ما جمعه من معارف
قال السيد هي بثقة: “نعم، في الحضارات الأسطورية القديمة، إلى جانب لغات الشياطين والأرواح والغابة والحكام، كانت لغة التنانين تُعرف بأنها واحدة من أنظمة اللغة الأربعة المتقدمة، وهي ليست نصوصا يستطيع البشر لمسها وفهمها، لأن هذه النصوص اللغوية العليا ليست مجرد أشكال، بل تحمل قوانين محددة وخصائص متسامية، تماما مثل رون الخيمياء، وباختصار، نظام اللغة العالي يشبه تعويذة سحرية، فيه قوة سحرية بذاته”
كان سو لون يستمع ويحاول الفهم، يفهم بعض الشيء ويتعثر في بعضه
وبعد وقفة، أعطى السيد هي مثالا: “مثل الهمسات الغريبة التي ترافق بعض الأدوات الملعونة، البشر العاديون لا يحتملون كلمات تحمل خصائص متسامية فتتشوه عقولهم”
عند سماع هذا المثال فهم سو لون فورا
تشوه العقل كان أمرا يعرفه جيدا
أكمل السيد هي: “كنت أشتبه أن هذه الرموز مرتبطة بحضارة التنانين لأن التحف التي تظهر عليها غالبا ترتبط بحضارات قديمة كانت التنانين العملاقة موجودة فيها، لكن لأن تلك القطع فقدت خصائصها المتسامية، فقدت الرموز وحدها معنى التعبير بوصفها نظام لغة عالي، فلم يعد ممكنا الجزم، أما هذا الصندوق فهو الوحيد الذي رأيته يحافظ على خصائصه السحرية بهذا الشكل الجيد ويأتي من عائلة رودريغيز، لذا فهو على الأرجح صندوق سحر لغة التنين”
وبعد أن اتسع أفقه، سأل سو لون: “إذن، السيد هي، هل تستطيع فكّه؟”
نشر السيد هي يديه بعجز وقال بحسم: “لا أستطيع، هذا خارج مستوى فهمي الحالي، حتى أنا لا أستطيع إدراك الخصائص المتسامية على هذه الرموز”
هز سو لون كتفيه فقط
من دون العين العليمة، لم يكن هو قادرا على رؤيتها أيضا
لكن هذا كان متوقعا
فعائلة رودريغيز ورثت هذا الصندوق مئات السنين وجربت كل شيء، ولم يفتحه أحد، فمن الطبيعي ألا يكون فتحه سهلا
وإن كان حقا سحر لغة التنانين التي لا يفهمها البشر، صار كل شيء مفهوما
وهكذا بدا أن ادعاء عائلة رودريغيز بأنها “أحفاد قاتل التنانين” ليس مجرد زينة كلامية
ربما كان الأمر حقيقيا فعلا؟
وفجأة أضاف السيد هي: “لكن يمكنك أن تسأل معلمتك، فهي على الأرجح تعرف أكثر، فجدنا كان نصف حاكم وقد رأى التنانين بعينيه”
عندها أدرك سو لون شيئا وقال: “صحيح!”
كان السير إسحاق قد رأى التنانين بعينيه، وبوصفها أقرب أبنائه إليه، فهل تعرف السيدة جينغ شيئا عن سحر لغة التنانين؟
وبما أن سو لون لا يعاني من فجوة الأجيال مثل السيد هي، فقد اتصل مباشرة عبر جهازه
وبعد السؤال
كانت السيدة جينغ تعرف فعلا شيئا عن لغة التنانين
وصل سو لون إلى المكتبة الوطنية ولم يتجول، بل اختار البقاء فيها
فبعد أن ارتقى إلى المستوى السادس، صار لديه الكثير ليتعلمه، ويحتاج إلى نقاش مع أنداد في المستوى نفسه
وكان السيد هي مناسبا جدا لذلك، فهو أيضا ارتقى إلى المستوى السادس قبل مدة ليست بعيدة، وفوق ذلك هو عالم قادر على حل مشكلات كثيرة
لكن عندما ذكر سو لون أنه أضاف ردهة المرايا في المكتبة الملكية إلى عالمه الفراغي الصغير، لم يستطع السيد هي إخفاء غيرته
السبب الأساسي الذي جعل السيد هي يقبل منصب هذا الإداري هو أنه يمنحه وصولا إلى كم هائل من المعرفة، ويشبع شغفه، ويساعده على التقدم في مسار مهنة العالم
ورغم أن المنصب يمنح هدوءا، فإن فيه مهاما جانبية كثيرة قد تلتهم الوقت
ثم إن مجموعات المكتبة الملكية أغنى بكثير من مكتبة عامة مثل المكتبة الوطنية، وفيها كتب خيمياء عالية المستوى أكثر بكثير، الفرق يشبه مقارنة الذهب بالفضة
أبدى السيد هي فورا رغبته في الانتقال إلى العالم الفراغي الصغير بمجرد أن ينهي تسليم بعض أعمال المعلومات الخاصة بمنظمة جينغ
رأى سو لون أن الفكرة جيدة
ثم استقر الاثنان في المكتبة، يقرآن ويتبادلان الفهم حول تقدمهما
ولم تمضِ سوى يومين حتى اتصلت السيدة جينغ فجأة، وأخبرته أنها وصلت إلى ليندون بالسفينة

تعليقات الفصل