تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 485 : القمران المزدوجان، صورة المرآة، مجال النطاق

الفصل 485: القمران المزدوجان، صورة المرآة، مجال النطاق

تجمعت في السماء ظلال ببطء، وخلفها القمر الأحمر، فبدت لامعة على نحو يخطف البصر

ورغم أنها كانت بعيدة جدًا، فقد بدا ذلك الشكل حادًا ومهيبًا في أعين الجميع

كان يرتدي درعًا ذهبيًا مشعًا، وجسده يتلألأ بالنور المكرم، وخلفه بدا كأنه يمتد قصر سماوي شفاف، وعالم المكرم حيث تطفو أنغام سماوية، وترقص كائنات مجنحة بأجنحة مكرمة حوله…

هذا المشهد وافق تمامًا ما يتخيله البشر عن حاكم سماوي: مكرم، مهيب، رحيم، وفي عينيه شفقة على الفانين الذين يعانون

لم يكن هذا المنظر إلا أن يوقظ في قلوب الناظرين رغبة في التبجيل بخشوع

وجعل المرء يشعر فورًا أنه صغير للغاية، لا يكاد يساوي شيئًا

كان هذا هو الرهبة الفطرية لكائن أدنى أمام كائن أعلى، نابعة من نسيج الحياة نفسه

لم تنشأ في قلوبهم فكرة واحدة عن قلة احترام أو تدنيس

راقب سو لون المشهد وعيناه تضيقان، فهو يملك العين العليمة، التي تحميه من بعض الأمور التي لا تُصدَّق

كان الأعضاء القدامى في منظمة المرآة قد واجهوا حكامًا في لينغتون القديمة، وكانوا يعرفون ألا ينظروا إليهم مباشرة، لذا حين أصدر السيد جينغ تحذيرًا قبل قليل، صاروا على حذر

لكن الآخرين لم يكونوا بهذه الحظوة

اختفى الحكام عن هذا المستوى منذ أعوام لا تُحصى، ولم يسمع الناس عنهم إلا في الأساطير

ومع هبوط ذلك الشكل داخل القمر الأحمر، انجذبوا بلا وعي إلى رفع رؤوسهم والنظر

كان عشرات الملايين من سكان مدينة لينغدون قد دفعتهم أسراب الموتى السائرين التي لا تنتهي إلى اليأس، والآن رأوا في السماء ذلك الحاكم المتلألئ بالنور المكرم، فرأوا فيه منقذًا، وتحول يأسهم إلى رجاء للنجاة

هل جاء حاكم أخيرًا لينقذ هذا العالم المبتلى؟

من يقع في اليأس يتمسك بأضعف خيط أمل

وركع المزيد والمزيد من الناس بخشوع

وفي لحظة واحدة، تقوت خيوط إيمان لا تُرى بالملايين، واستمرت في النمو

ازداد لمعان ذلك الشكل في السماء سطوعًا

حتى أولئك الذين عرفوا أنه عملاق البحر من أمة ناسك الجبل، الحاكم الغريب، انتهى بهم الأمر إلى النظر

لم يشعروا بأي تبجيل لهذا الحاكم الخارجي، بل بالعداء فقط، ولذلك، بمجرد التحديق، اندفعت إلى عقولهم رهبة عظيمة لا توصف، وتدفقت طاقة روحية جامحة كأن سدًا انهار، وكأنهم يسمعون همسًا سماويًا لا ينقطع، فتألموا وأمسكوا رؤوسهم وصرخوا، واقتربت طاقتهم الروحية من الانهيار

لا يجوز النظر إلى الحكام مباشرة، فمعظم عقول البشر لا تحتمل عبء معرفة تتجاوز هذا العالم

كان القمر الأحمر في السماء يشبه عينًا عملاقة غريبة، والقمر كأنه الحدقة، ويدور الضوء حوله مثل لهب، استغل مشاعر الرعب لدى الملايين ليطلق وهمًا واسعًا على مدينة لينغدون كلها، ثم امتص قوة إيمانهم عكسًا، وكرر هذه الدورة مرة بعد مرة

كان عشرات الملايين في لينغدون مجرد غذاء للحاكم الخارجي

حدق سو لون في ذلك الشكل السماوي في السماء، ثم صاح فجأة: “لا، هذا ليس الحاكم الخارجي، إنها تقنية وهم”

كان قد رأى هيئة عملاق البحر الشرير على التمثال من قبل، ولم تكن بهذا الشكل قطعًا

عندها أدرك هدف المذبح الذي رآه تحت الأرض، وتوقف لحظة وهو يشعر أن هذا المشهد مألوف على نحو يبعث القشعريرة، ثم تغيرت السماء مرة أخرى فجأة

حالما ظهر القمر الأحمر، وقبل أن تؤثر صدمة العقل الروحي بعمق في الناس، لمع ضوء خاطف

وانكشف مشهد غريب

نظر سو لون بعينين واسعتين، فرأى أنه ليس بعيدًا عن ذلك القمر الأحمر الغريب، ظهر قمر أحمر آخر مطابق له تمامًا

عرف فورًا أن هذا ليس قمرًا ثانيًا صنعه الحاكم الخارجي

لأنهما كانا متطابقين

وبين القمرين خط واضح، كأن… مرآة عملاقة معلقة في السماء تعكس القمر الأحمر

“استنساخ المرآة؟”

تلألأت عينا سو لون، وخمن فورًا أن زميلته المتدربة قد تحركت

لو كان لدى الحاكم الخارجي هذه الحيل، فالمعلم بيير والسيد جينغ لا بد أن لديهما استعداداتهما

بدأ القمر الأحمر المستنسخ يحرف نصف خيوط إيمان المدينة نحوه

“جاء ذلك الحاكم الخارجي مبكرًا فضعف قبل الأوان، والآن تُسحب منه نصف قوة الإيمان، هذه خطوة بارعة إلى أقصى حد…”

وبمشاهدة هذا المشهد، فهم سو لون فورًا قصد زميلته المتدربة

قطع مصدر إيمان الحاكم الخارجي سيضعف قوته القتالية بلا شك

لكن الضربة الأشد قسوة لم تأت بعد

ركز سو لون نظره، فرأى أن من القمر الأحمر المستنسخ، هناك شخصية أخرى تهبط ببطء

وعلى عكس الحاكم القريب الذي يرتدي الدرع المشع، كانت هنا امرأة ترتدي رداءً فخمًا، جميلة إلى حد يوقف الأنفاس

كان لها وجه فاتن يسحر من ينظر إليها

وكانت هي أيضًا تشع هالة نقية مكرمة وغامضة لا توصف

“باندورا؟ الحاكمة العظمى لقراءة القمر؟”

التوت ملامح سو لون لحظة، إذ تعرف على معرفة قديمة، الآنسة باندورا، الإنسانة المصنوعة

كان قد رآها على هذا النحو مرات كثيرة، بوصفها حاكمة أمة ناسك الجبل العظمى لقراءة القمر

هل هذا… سرقة الإيمان؟

وبينما رأى خيوط الإيمان تُمتص نحو باندورا، فهم سو لون أخيرًا خطة السيد جينغ بالكامل

لا يستطيع امتصاص قوة الإيمان إلا حاكم يمارس فنونًا سماوية، وكانت ميزة باندورا هي سرقة الإيمان

لكن الميزة الأهم لدى الحاكم العظيم لقراءة القمر كانت تقنية الوهم الروحي

ومع ظهور باندورا، لوثت القمر أيضًا، واستخدمت تقنية وهم قراءة القمر

أولئك الذين سقطوا قبل لحظة في خشوع محموم استفاق معظمهم فجأة، والذين عُذبوا بتقنية الوهم الروحي وجدوا أخيرًا فرصة لالتقاط أنفاسهم

لكن هذا لم يكن مجرد سرقة لقوة إيمان الحاكم الخارجي، بل ضربة لأساسه أيضًا

ومع ظهور القمرين الأحمرين، لم يعد عملاق البحر كلارنس قادرًا على الحفاظ على وهمه الجماعي الواسع، فانكشفت هيئته الحقيقية أخيرًا

انهارت صورته المكرمة لحاكم بذرع ذهبي في لحظة، وانفجرت أولًا أجنحة لحمية، ثم امتدت خيوط لزجة مرعبة لا تُحصى، وصار وجهه شرسًا وقبيحًا إلى حد صادم

وعند التدقيق، كان قد تحول إلى وحش جلده أزرق، يبلغ طوله نحو 100 متر

عوى نحو السماء، فاجتاحت موجة صدمة روحية المدينة كلها في لحظة، وجلبت الكوارث: عواصف، أوبئة، مجاعات، تلوثًا، حرائق، بردًا قاسيًا… وانفجرت في أرجاء المدينة مصائب تزيد الخوف واليأس

وتلك الوحوش المشوهة، وكأنها تلقت نداءً، عادت لتغرق من جديد في جنون الإفساد

المعركة الشرسة التي كانت قد هدأت قبل قليل بدأت من جديد سريعًا

“إذًا هو عملاق البحر فعلًا”

كان سو لون قد عرف بوجود “عملاق البحر” خلال وجوده في الغابة الصامتة

قبل قرون، حاول ذلك المخلوق ضرب مدفن الحكام قرب الوادي الملعون، فأصيب إصابة بالغة على يد أسلاف قبيلة دالو، ثم اختفى بلا أثر

والآن جاء إلى إمبراطورية لوينغ، يريد إعادة بناء نظام إيمان ليستعيد قوته

وهكذا وصلنا إلى هذا الوضع

في السابق، طلب “الراهب الشيطاني غير الميت” أن يهبط مبكرًا، لكنه وقع في كمين سو لون وبيستويا، وتعرضت روحه لضرر شديد، والآن هبط عملاق البحر قبل الأوان، فوقع في كمين السيد جينغ وباندورا مرة أخرى

كانت الخطة الأصلية أن يضحي هذا العملاق بملايين من لينغدون، وحتى لو لم يجمع نارًا سماوية ولا جوهرًا سماويًا، فسيصبح قوة سيادة في هذا المستوى

لكن الآن… من الصعب معرفة مقدار القوة التي بقيت لديه

ما إن ثبت عملاق البحر جسده الهائل حتى اندفع ليقتل باندورا التي سرقت إيمانه

لكن هل سيسمح المعلم بيير، الذي كان ينتظر منذ وقت طويل، أن يمضي الأمر كما يشتهي؟

“همف”

شخير بارد، كأنه موجة من قوة غير مرئية، بدد قوانين الكارثة العالقة بين السماء والأرض

كان سو لون قد ابتعد بعيدًا، لكن حين سمع ذلك الصوت المتفجر، استدار فجأة لينظر في ذلك الاتجاه

لمح فقط عملاقًا من اللهب ينهض ببطء في ساحة القصر الملكي البعيدة

كانت عينا المعلم بيير مغمضتين بإحكام وهو يرتفع ببطء، وكان وجهه شاحبًا كأنه ورق ذهبي، وتسيل من عينيه وأنفه وفمه وأذنيه دماء سوداء، وكلما ارتفع جسده، ازدادت هالته مهابة، لكنها صارت أثقل عليه، شكل بيديه أختام الساحر، وملامحه حاسمة، ثم فتح عينيه على اتساعهما وصرخ صرخة كالرعد: “الفنون السماوية: الخادم غير المقيد الأعلى”

كان هذا جزءًا مفقودًا من الفنون السماوية ضمن تقنية الخدم الأربعة السرية

وبنظرة أخرى، اندفعت ألسنة اللهب الأزرق الشاحب على جسده كالسيل الجارف، وتكونت بسرعة هيئة أعلى لهب مماثلة، يبلغ طولها نحو 100 متر

وفي لحظة، بدا أن سماء لينغدون اشتعلت، وتحولت الغيوم إلى لهب أزرق ذهبي، وصارت كل سحابة تتخذ شكل صفوف كأنها آلاف الجنود مصطفين للمعركة

لم تكن هالته أضعف من هالة ذلك الحاكم الشرير القبيح ذي الخيوط اللزجة

عند رؤية المعلم بيير بهذا الوضع المبالغ فيه، انتعش الجميع ممن كانوا لا يزالون يقاتلون الموتى السائرين، واندفعت الحماسة في قلوبهم

حتى سو لون شعر بإثارة لا تفسير لها، وتمتم لنفسه: “إذًا هذه هي قاعدة الحرب”

وهو يرتدي تاج التجديف، أدرك أكثر، وكان مستعدًا لأن يدفع من عمره ليلتقط هذا الفهم النادر

كان هذا كارثة، لكنه أيضًا فرصة نادرة

ليس كل شخص محظوظًا بما يكفي ليرى خيميائيًا من الرتبة التاسعة يقاتل قتال اليائس

وبمشاهدة هيئة المعلم بيير الكاملة، بدا لسو لون أنه يطل على حياة المعلم، سلسلة من الحروب القاسية، وأعداد لا تُحصى من الوجوه تندفع بروح لا تلين، رفاق، حلفاء، أعداء، وحوش… يسقطون واحدًا تلو الآخر، وفي النهاية يتجهون إلى الموت

ولم يبق حيًا إلا شخص واحد، يصل إلى النهاية

تمامًا مثل لهب السماء الأزرق، يقف وحده، وخلفه آلاف الجنود

دماء، قسوة، شجاعة، قوة، موت…

كانت هذه هي القاعدة التي رأى المعلم بيير لمحتها في حركة الطبيعة

ظل سو لون يراقب وهو غارق في التفكير طويلًا

وخلال تلك النظرة، رأى عملاق اللهب الذي تحول إليه المعلم بيير يمسك رمحًا ذهبيًا، ويندفع نحو الوحش

كيف يمكن للرتبة التاسعة التي تحمل رغبة في الموت أن تُقاس قوتها القتالية بمعايير الناس العاديين؟

بدت معركة العملاقين كأنها تشق السماء، والظواهر الغريبة تتكرر بلا توقف

مع كل اصطدام، كانت مساحات واسعة من القوانين العليا تتصادم

حتى النيازك التي تساقطت من السماء بدت ضعيفة أمام قوة لمسة واحدة منهما

غرق شمال لينغدون كله في مشهد كأنه نهاية العالم، جبال تنهار وأرض تتشقق

انهارت المباني بأعداد كبيرة، وتصدعت الأرض بشقوق هائلة مبالغ فيها، واندفعت مياه البحر من الساحل البعيد إلى الداخل، وارتفعت موجات الصدمة العنصرية أعلى فأعلى…

ولاحظ سو لون أيضًا أنه رغم أن قوة المعلم بيير لا تُجارى، فإن حالته كانت سيئة للغاية، فقد سُمم وتعرض لكمين من قبل، واحترق جسده حتى آخره، وكان هذا نضاله الأخير

أما عملاق البحر فكان لا يزال يملك إمدادًا لا ينتهي من حيوية الموتى السائرين والإيمان ليجدد نفسه، إن لم يُسقط بسرعة، ودخلت المعركة في استنزاف، فقد لا يصمد جسد المعلم بيير طويلًا

لكن في معركة بهذا الحجم، حتى محترف من الرتبة الثامنة لن يجد مساحة كبيرة للتدخل، فضلًا عن غيره

وفوق ذلك، كان الخبراء الكبار من عائلة بونابرت والموتى السائرون متشابكين في القتال، فلا فرصة لتخفيف الضغط عن المعلم بيير

ومع ذلك، حدثت مفاجأة أخرى في تلك اللحظة

اندفع فجأة ضوء مرآة خاطف

ثم قفزت شخصية إلى ساحة القتال بشجاعة

لم تُظهر أي خوف وهي تندفع نحو الحاكم الشرير الشاهق

وكأن قمرًا ثانيًا كان قد ظهر في السماء قبل قليل، وفجأة ظهرت حولها صورة طيفية مطابقة لهيئة حاكم اللهب التي يجلها المعلم بيير

وبدا كأن معلمين بيير اثنين يهاجمان الحاكم الخارجي

تعرفت بيستويا على الشخص وصاحت فورًا: “أختي؟”

حدق سو لون في العباءة ذات الزخارف الذهبية، وانقبضت حدقتاه فجأة: “أختي الكبرى؟”

لم يندهش من تدخل السيد جينغ، لكنه اندهش لأن قدرة المرآة لدى أخت معلمه استطاعت محاكاة قوة قتال من الرتبة التاسعة

اتحدت ضرباتهما، فسيطرتا على الموقف فورًا

راقب سو لون بدهشة، لكنه بعد وقت قصير بدأ يفهم شيئًا

يبدو أن السيد جينغ لا تستطيع النسخ إلا بعد أن يستخدم المعلم بيير تقنية ما، فهي لا تبدأ هذه التقنيات من نفسها، بل تنسخها فقط

ومع ذلك، فإن امتلاك جزء من قوة الرتبة التاسعة داخل الرتبة الثامنة كان قدرة لا تُصدق

تلألأ الضوء في عينيه، وصرخ سو لون في داخله من روعة المشهد

ومع مضاعفة الفهم، شعر بإحساس غامض يزداد وضوحًا

لم يستطع أن يعرف لماذا تستطيع السيد جينغ، وهي في الرتبة الثامنة، نسخ تقنيات الرتبة التاسعة بهذه الدقة، حتى تلك المرتبطة بقاعدة الحرب، لكنه أعجب بها من قلبه: “قدرة أخت معلمي مذهلة فعلًا”

وبينما يرى المعركة العظيمة أمامه، شعر سو لون أيضًا بالامتنان في صمت لأنه تم التخطيط ضد ذلك الحاكم الخارجي مرارًا، فاضطر إلى القدوم قبل الأوان

وإلا، من كان سيوقفه لو جاء بكامل قوته؟

لو صار حارسًا سماويًا لعائلة بونابرت الملكية، لتحولت أرض لوينغ كلها إلى تربة خصبة لزرع أتباعه، وربما حتى في مافا

أعمار البشر محدودة، أما الحكام فيعيشون لفترة طويلة جدًا

ولو رحلت الإمبراطورة تشارلوت، فستتبدد قوة العقد ببطء

وخلال بضع مئات من الأعوام، ستختفي الحضارة الخيميائية حقًا

إن آثار معركة يشارك فيها محترفون من الرتبة التاسعة مرعبة للغاية

رأى سو لون أن السيد جينغ والمعلم بيير تعمدا نقل ساحة القتال إلى ضواحي أقل سكانًا في شمال المدينة

وأثناء القتال، دفعا عملاق البحر نحو الشمال

لم يكن الأمر مقتصرًا على الثلاثة فقط، الأتباع والمعارضون وساحة المعركة كلها كانت تتحرك تدريجيًا نحو الشمال

حتى النيازك توقفت

كان الجميع قد هاجم القصر من قبل أساسًا لإجبار الحاكم الخارجي على الهبوط

والآن بعدما ظهر الحاكم الخارجي، لم يعد أحد يهتم بالقصر

كان الجميع يعلم أن مفتاح المعركة هو ذلك الحاكم الخارجي

ما دام قد قُتل، فستنتهي كل الأمور

عند رؤية ذلك، لم يعد سو لون يواصل الإخلاء إلى المدينة الجنوبية

صحيح أن ساحة القتال خطرة، لكنها فرصة ممتازة للفهم، وقد لا يصادف مثلها مرة أخرى طوال عمره

ومع انتقال ساحة المعركة كلها شمالًا، ذهب معظم المحترفين الأقوياء هناك، فلم تعد المنطقة قرب القصر بنفس الخطورة

“لا تزال هناك شظايا أرواح كثيرة في ساحة القتال…”

فكر سو لون في ذلك، ولم يتردد، وانتقل عائدًا

ساحة القتال لا ينقصها الموت، وحيث يوجد الموت توجد الأرواح

في السابق لم يجرؤ على الاقتراب لأن مركز المعركة كان طاحونة لحم حقيقية، واشتباكات الجيوش تعني موتًا مؤكدًا لشخص من الرتبة السادسة مثله

لكن الآن اختفى ذلك القلق تمامًا

وبعدة انتقالات، عاد سو لون بالفعل قرب شارع النور المكرم

هنا كانت الشوارع قد امتلأت بالجثث بكثافة

صحيح أن وقتًا قد مضى ولم تعد الأرواح في الأجساد كاملة، لكن العدد الهائل عوض كل شيء

نهض ظل الموت خلف سو لون، واستدعى عدة دمى لتفتيش الغنائم، وهو يتقدم بحذر

ومع اشتداد المعركة الكبرى، لم يكن لدى أي طرف وقت لتنظيف ساحة القتال، فصار هو جامع الغنائم المثالي

“قمت بتجريد شظية روح ويني مونغ، وحصلت على شظية قاعدة قوة من الرتبة الرابعة…”

“قمت بتجريد شظية روح ديف غارسيا، وحصلت على معرفة جرعات خيميائية…”

“قمت بتجريد شظية روح نيلسون كلير، وحصلت على قاعدة عنصر الرياح من الرتبة الخامسة…”

“قمت بتجريد…”

كان من يشارك في المعركة في شمال المدينة من أعلى طبقات هرم سحرة الخيمياء في لوينغ

كانت هذه الجثث إما قوات نخبة عسكرية، أو فرسان نبلاء، أو جنودًا خاصين من الصفوة…

وكان معظمهم قد جاء من الأكاديمية الملكية، وكانت مخزوناتهم المعرفية مذهلة

حتى كمية صغيرة من شظايا الأرواح كانت تمنح مكاسب كبيرة

كانت هذه المنطقة المليئة بالجثث كنزًا، وأحيانًا يلتقط منها “مفاجأة” ويكسب معرفة جديدة غريبة

كانت الجثث في كل مكان، وكلما حصد سو لون طريقه بينها ارتفعت معارفه بقوانين شتى بسرعة كبيرة

وأي موتى سائرين أو أتباع للحاكم الخارجي صادفهم كانوا يسقطون بضربة واحدة

وفوق ذلك، كان يكسب أفكارًا أخرى وهو يتحرك

في السابق، وبإرشاد متعمد من السيد جينغ، لمس سو لون بعض ما في قاعدة “الحرب” لدى المعلم بيير، وكان ذلك قد هزه من الأعماق

ومنذ تلك اللحظة، كأن بابًا انفتح للفهم، وصار إحساس الوقت وهو يفلت من بين أصابعه أكثر وضوحًا

“الإفناء، التبدد، عودة الحياة إلى العدم، تلاشي الطاقة بالكامل… هل هذا هو الموت؟”

وهو يمشي بين الجثث، شعر سو لون كأنه أمسك بشيء ما، وتلألأ تاج التجديف على رأسه بقوة

لم يكن يعرف ما الذي ينبغي أن يدركه

هذا الإحساس كان قد ظهر من قبل حين قتل قرابة 10,000 قرصان في مدينة دولة موروس

لكن في ذلك الوقت، من دون التاج، كان فهمه للقوانين ناقصًا، فتبدد الإحساس سريعًا

أما الآن، ومع تعزيز تاج التجديف، رأى سو لون شيئًا آخر

بعد موت الإنسان، لا توجد فقط المظاهر المرئية للجسد والروح

هناك شيء أعمق، قاعدة طبيعية تخص الموت نفسه

كأن… منذ لحظة ولادة الكائن، يكون مقدرًا له أن يبهت تدريجيًا ثم يعود إلى العدم

هذه القاعدة موجودة بذاتها

لكن الناس عادة لا يرون إلا ظاهرة “الموت”، ولا يرون قاعدة نفاد الطاقة والفناء

وبينما يخطو خطوة بعد خطوة وسط الجثث، بدا سو لون غارقًا في حالة فهم عميقة

كان إحساس الأشياء كأنها تُرى من خلال ضباب غامض، ومعه اندفعت شراسة مهيمنة وطاقة روحية مظلمة إلى تاج التجديف على رأسه، فصار الإحساس أوضح فأوضح

كان شعورًا رائعًا، كأنه في تفاعل خفي مع بعض قواعد الكون، فهم أشياء لم يكن يفهمها من قبل

حتى سو لون نفسه لم يكن يعلم أنه في وقت ما، وهو يمشي في الشارع، انطلقت قوة قاعدته إلى الخارج، والتفت حوله ساحة ضوء أسود غريبة

ضمن نطاق هذه الساحة السوداء، ذبلت الزهور والأعشاب القليلة التي بقيت على جانب الطريق بسرعة، وتعفنت الجثث سريعًا وتحولت بوضوح إلى أجساد يابسة بلا حياة، وركضت فئران مذعورة، ثم فقدت حياتها في لحظة وتعفنت…

وحين استفاق سو لون من تلك الحالة، كان قد وصل بالفعل إلى نهاية الشارع

نظرات العداء القادمة من اتجاه القصر أيقظته فورًا، ورفعت إحساسه بالخطر

عبس سو لون، وشعر بضيق شديد لأن فهمه انقطع

نظر إلى بضعة من حراس القصر الذين انتبهوا إليه

هؤلاء لم يجرؤوا على الخروج

كل ما استطاعوه هو الاعتماد على تعاويذ الدفاع الخاصة بالقصر، لحماية الملكة تشارلوت، وعدم الجرأة على أي خطوة مبادرة

ثم إن مواجهة “الحاصد”، فضلًا عن أنهم قد لا يقدرون على قتله، فماذا لو كان الأمر خدعة لاستدراجهم؟

خمن سو لون أفكارهم، فتجاهلهم ببساطة

أراد أن يعود إلى الحالة التي كان فيها قبل قليل، لكنه اكتشف أنه لم يعد يستطيع الوصول إليها

وحين نظر إلى الطريق الذي جاء منه، بدا أثر الذبول، والشارع الممتلئ بالجثث، كأنه مر عليه 100 عام، مشهد عتق متداعٍ

تساءل سو لون بدهشة: “هاه… هل أنا من فعل هذا؟”

في تلك اللحظة، ظهرت على وجه بيستويا الهادئ عادة تعبيرات غريبة أيضًا، وقالت: “لقد أدركت قبل قليل مجال موت خاصًا جدًا، ثم مشيت إلى هنا، فصار كل شيء هكذا”

تلألأت عينا سو لون بفرح، وأدرك أن هذا هو الشكل الأولي لمجال

يا للدهشة… هذا المجال قوي بعض الشيء

لكن حين حاول إعادة تجميعه، اكتشف أنه لا يستطيع فعل ذلك مرة أخرى

ومع ذلك، كان هذا بداية جيدة بلا شك

حين يتكون مجال، يكون كشق طريق وسط الأدغال، حتى لو غطته الأعشاب البرية لاحقًا، فإن المحاولة مجددًا والإمساك به في المرة التالية يصبح أسهل بكثير

وفوق ذلك، كان لتاج التجديف أثر مذهل في دعم الفهم

فكر سو لون في ذلك، ولم يعد قلقًا

رمق الجثث المبعثرة في ساحة القصر، ثم تقدم بثقة

يحصد الأرواح وهو يمشي، ويستخدم الدمى لجمع المواد على الطريق

دروع فرسان، معدات، مواد تجهيز، وكذلك دروع قتالية ميكانيكية من مافا، ومحاربو رافائيل الميكانيكيون الفائقون، وجثث وحوش ميكانيكية…

أشياء متنوعة، جمعها أكوامًا

لم يكن لدى سو لون أي هالة تقديس، فهو صعد من القاع خطوة خطوة، وأمام فرصة ممتازة كهذه ليقوي نفسه، لن يدعها تفلت

واصل حصد أرواح الجثث في الساحة، وجمع غنائم الحرب، وفي الوقت نفسه يراقب المعارك البعيدة، وحركات من يختبئون داخل القصر

وخاصة بعد أن قتل سو لون بسهولة عدة وحوش مشوهة من الرتبة السادسة، صار الملكة تشارلوت وحراسها أكثر خوفًا من الخروج

لم يستطيعوا إلا أن يشاهدوا بذهول كيف ينظف سو لون عشرات الآلاف من الجثث وغنائمها حول الساحة

حتى وهو يحصد شذرات فقط، شعر سو لون أن الحصاد وفير

حرب؟

موت؟

بعد أن سار بين جبال من الجثث وبحار من الدم، شعر سو لون أنه بدأ يفهم شيئًا من جوهر “الحرب” الحقيقي

التالي
485/640 75.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.