تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 544 : البطل ذو المصير الأسطوري

الفصل 544: البطل ذو المصير الأسطوري

إن أصل المتفجرات الموثق يعود إلى أبحاث حضارة الغوبلين القديمة في صيغ الخيمياء، وهي اليوم أحد أهم الفروع في مجال الخيمياء الميكانيكية الحديثة

لكن بالنسبة لسحرة المستوى العلوي، فإن هذه الأشياء تمثل تحديا حقيقيا

لقد قام حكام المستوى العلوي، من أجل إبقاء الإيمان نقيا، بالقضاء تماما على أي وجود لثقافات حضارات مختلفة

وهذا أمر يتجاوز فهم السحرة كليا

لا توجد تقلبات سحرية، ولا عملية تجمع للطاقة، والتركيب سهل، وما إن يشتعل المسحوق وتبدأ التفاعلات الكيميائية حتى تصبح عملية إطلاق الطاقة غير قابلة للتراجع إطلاقا

وفوق ذلك، فإن سرعة التفاعل مذهلة، أسرع بعشرات بل بمئات المرات من إطلاق سحر مماثل في القوة

وعند التعامل مع حرب المواقع، تمتلك المتفجرات ميزة لا تضاهى

إن حكمة الخيميائيين لا تقل عن القوة المتعالية التي يمنحها الإيمان بالحكام

ومع “دويا”، انفجر برج سحري آخر بعنف وتفتت، وفقد الحاجز السحري الهائل للمدينة زاوية في لحظة

في السابق، حين كان برج يدمر كان هناك آخر يحل محله، لكن بعد تدمير برج إضافي، لم يبق سوى ثمانية أبراج

وكان جوهر المشكلة أنهم كانوا يخوضون معركة شاقة مع التنين الفضي، ومع اختفاء حلقة مهمة من تشكيل الجيش السحري فجأة، انهارت بنية الدفاع المثالية على الفور

هذا الانفجار منح التنين الفضي المنهك أصلا بصيص أمل للنجاة، فقاتل فجأة بضراوة متجددة

وبفضل ذكائه الأعلى، رصد العيب في التشكيل السحري بسرعة واغتنم الفرصة ليخترق الفجوة، واستقبل الجميع بهجمات أنفاس التنين المتعددة، ممزقا الفجوة شيئا فشيئا لتتسع أكثر

كان السحرة يحاولون إنقاذ الموقف بصعوبة، إذ من دون حماية درع الجيش السحري لم يكن أحد قادرا على تحمل شراسة التنين

اندفع التنين الفضي محطمًا كل ما في طريقه، وبأسلوبه القتالي اليائس دمر برجًا سحريا آخر إلى حد كبير بعد وقت قصير

وفي تلك اللحظة

تقدم ساحر عجوز يشع من جبينه عمود من الضوء، ولم يكن سوى قائد الفيلق أوغست

أما سو لون، محرك كل ذلك، فكان قد أصبح خارج المدينة، يراقب الاضطراب من بعيد

بعد أن تسبب في الدمار مرة تلو أخرى، كيف لا يعرف أن أولئك القادمين من المستوى العلوي يستهدفونه بالتأكيد؟ لو لم يبتعد أكثر، فقد تتجه الوسائل المستخدمة ضد التنين الفضي إليه، وعندها لن يكون تحملها سهلا

راقب سو لون ذلك العجوز أوغست وهو يبدو كأنه يستدعي إرادة الحكام، متفجرا بالحيوية، حتى إن الضوء المنبعث من حدقته العمودية في الجبين كان قادرا على إذابة جزء من أنفاس تنين النور المكرم

قاد العجوز مجموعة من الناس وصد هجوم التنين الفضي المضاد بالقوة، وازدادت المعركة بينهما شراسة

ومن خلال هذا القتال العنيف، تشكل لدى سو لون تصور واضح عن قمة قوة العدو القتالية، فتمتم لنفسه، “إن موهبة الحقيقة الشاملة تبدو وكأنها موجودة للقتال وحده”

وكان أكثر يقينا بأنه لا يمكنه أبدا أن يسمح لهؤلاء الناس بالعثور على نبع ميمير

إن كان الأمر كما يشتبه، وأن ماء النبع مرتبط بأصول العين البصيرة، فمع الحقيقة الشاملة، واحدة بكل المعارف وأخرى بكل الحلول، سيصبحون في الجوهر بلا هزيمة

تحولت المعركة داخل المدينة في لحظة إلى اشتباك قريب وحشي، لكن بدا أنها لن تنتهي قريبا

لم يجرؤ سو لون على محاولة دخول المدينة لإحداث المزيد من الفوضى، فقد كان وصوله إلى هذا الحد هو أقصى ما يمكن في ظل تقاطع ظروف مواتية

ولا يزال غير واضح ما إذا كان التنين الفضي سيصل إلى تدمير متبادل مع أهل المستوى العلوي

لكن على الأقل، جعل خطط السحرة أقل سلاسة

لم يبق سو لون ليراقب المعركة، بل كان أكثر فضولا لمعرفة ما آلت إليه المواجهة الداخلية بين الغورغونين عند أطراف المدينة

وبانتقال مكاني، ظهر مرة أخرى في الغابات الشمالية الغربية خارج المدينة

كان الغراب العجوز نفسه يرفرف قريبا للاستطلاع

وبعد أن طار فوق المكان وتحجر مرة أخرى، وجد أخيرا نقطة العمى في نظرة الغورغون الحجرية

ظل الوضع كما هو، كانت الغورغون تمتص الطاقة الذهبية من داخل هيلين

راقب سو لون الطرفين وحلل احتمالات في ذهنه، “إذن هذه الغورغون حليفة للمستوى العلوي، لكنها ليست حليفة قريبة جدا، وإلا فبمشاركة غورغون مباشرة في المعركة لما كان صيد تنين عملاق من الرتبة الثامنة معقدا إلى هذا الحد”

بالنسبة للبشر، تنتمي الغورغونات إلى المعسكر الشرير

وفوق ذلك، هذه سلالة تحمل دم نصف حاكم، يتدفق فيها الشر والغرور والتعالي، مما يجعل التعايش السلمي شبه مستحيل

والمعطيات الحالية تشير إلى أن هيلين على الأرجح هي الغورغون الأسطورية التي تحملت المحن لتصبح ميدوسا

في البداية، لم يكن قتال الموت بين هاتين الغورغونين ليعني شيئا لسو لون

لكن الآن، التي تهاجم بنشاط هي حليفة للمستوى العلوي

وحليف العدو عدو

تغيرت أفكار سو لون

إن وُجدت مساعدة من الغورغون، فهو يعتقد أن أهل المستوى العلوي قد يعبرون البحار الغربية الخطرة بسلاسة ويصلون إلى أطلال مملكة التنين القديمة، مما يزيد كثيرا فرصهم في العثور على نبع ميمير

وهذا ما لا يريد سو لون أن يراه

وفوق ذلك، لاحظ تفاصيل واكتشف أن هذه الغورغون ليست على الأرجح من الرتبة الثامنة، بل أقرب إلى قمة الرتبة السابعة، إلا أن امتلاكها لخمس عصي أفعوانية لميدوسا جعل قوتها القتالية تتجاوز رتبتها الحالية

لكن امتصاص طاقة سلالة هيلين قد يغير ذلك

وهذا يعني أيضا أنه إن استنزفت الغورغون هيلين بالكامل، فإن مجموعة الفجر إن احتاجت لاحقا لإيقاف أهل المستوى العلوي، فستواجه عدوا غورغونا مرعب القوة

ومع هذا التفكير، قرر سو لون أن يفعل شيئا فورا

أفضل خيار خطر له هو قتل هيلين

إنقاذ شخص تحت نظرة غورغون عليا قد تحجر بنظرة واحدة أمر صعب، لكن قتلها سيكون أسهل بكثير

لكن سو لون تردد، وفكر، “لكن إن قتلت هيلين فقد تصبح ميدوسا، وهذا أيضا مشكلة”

إن كانت طريقة إيقاف العدو هي صنع غورغون شعر الأفاعي أكثر رعبا، فقد تكون العواقب كارثية

الحظ لا يمكن توقعه

ومع ذلك، وبعد أن خطر له أمر ما، قرر سو لون أن يجرب

وخلال زيارة سو لون الثانية، استشعرت الغورغون بحسها الحاد أن شيئا غير طبيعي يحدث

لكن بعد تفقد دقيق للمحيط، لم تجد شيئا خارج المألوف

كانت الطيور والوحوش التي تضل طريقها إلى مجال لعنة التحجر تتحول إلى حجر واحدا تلو الآخر

لم تفكر الغورغون كثيرا في الأمر

فإحساس هيلين وهي تفقد معظم قوة سلالتها العادية كان يمنحها شعورا رائعا

والآن، كانت واثقة أنه حتى لو جاء شخص أقوى فلن يستطيع إيقافها

وبينما كانت تستمد القوة وتوقظ ذكريات هيلين، أطلقت ضحكة منتصرة ساخرة، “هاهاها، أيتها الأخت العزيزة، وأنت ترين نجاح محنتك يقترب ثم تُسلب قوة سلالتك، ألا يثير ذلك غضبك؟ آه، لا تعيشي الوهم، الآن حتى لو جاء إنسان مفتون بك لينقذك فلن يستطيع أن يسمح لك بإكمال محنتك، ففي النهاية لا أحد يستطيع قتلك إلا إن كان بطلا أسطوريا ذا مصير مقدر، ذلك هو قدرك الذي لا مفر منه”

ازداد وجه هيلين شحوبا، إذ كان إحساس سحب قوة سلالتها من جسدها يشبه استيقاظ روحها المختومة

وخلفها، لمع ظل روحي ذو شعر من الأفاعي، يظهر ويختفي، وفي عينيه هيمنة كأنها تحتقر جميع الكائنات

لكن الظل لم يكن متماسكا بما يكفي، وبدا كأنه قد يتلاشى في أي لحظة

في هذه اللحظة

كان الغراب في نقطة العمى خلف رأس الغورغون، لا تراه، لكن هيلين كانت تراه بوضوح

وعندها تحول الغراب فجأة، فصار جسده خطوطا تجمعت لتشكل جملة بالكتابة المشتركة لبلاد التنانين، “يا سيدتي هيلين، أعلم أنك تمرين بمحنة للتخلص من الجسد الفاني، يمكنني أن أحاول مساعدتك، لكن عليك أن تقسمي أنك لن تلحقي الأذى بالبشر في المستقبل، وأن يكون بيننا اتفاق متكافئ، ولا نؤذي بعضنا بعضا”

وعندما رأت هيلين هذه الكلمات، ملأ الارتباك عينيها الصافيتين، لكنها حين نظرت بنظرة أخرى أشد قسوة، أومأت برأسها

لقد وافقت

كان سو لون يعلم أن هيلين تستطيع فهم النص، لذلك فكر في هذه الطريقة ووضع بعض الشروط مسبقا

لم تكن لديه وسيلة أخرى لتقييد هيلين، لذلك جعل الغراب يغير الرسالة، “أعتذر، لكن من فضلك اقسمي بحاكمة أم الأرض”

كلما ارتفع الكيان زادت قيمة القسم لديه، لأنهم قادرون فعلا على استخدام قوة عظمى

كانت هذه الطريقة الوحيدة للتقييد التي خطر بها سو لون

وعند سماع ذلك، لمع في عيني هيلين حد حاد بعد لحظة من الارتباك، وأطلقت شخيرا باردا، “همف”

حتى وهي في هذا المأزق، لم تسمح كبرياؤها كحاكمة متعالية من دم نصف حاكم أن تُكره على يد إنسان عادي

جعل شخيرها البارد الغورغون المقابلة لها تظهر ارتباكا على وجهها أيضا

وعندما رأى سو لون ذلك، لم يجامل الكائن المتكبر، وغيّر الرسالة بحسم، “هذا مؤسف، وداعا”

ثم بدأ الغراب يعود إلى هيئته كطائر، مستعدا للطيران بعيدا

لم يكن ذلك تمويها لأسر لاحق، بل كان يرى حقا أن تهديد غورغون عدوة عليا خطير، وأن ميدوسا ملكة غير قابلة للسيطرة أخطر بكثير

إن لم توافق، فلن يتراجع

وبينما كانت تراقب سطر الكلمات، أعادت صدمة الخيانة وإحساس استنزاف قوة السلالة إليها بعض وعيها الأصلي، وعلى نحو غريزي قدمت تنازلا أخيرا في اللحظة الأخيرة قبل أن يطير الغراب بعيدا، “أقسم بحاكمة أم الأرض، وفق اتفاقك”

ما إن قيلت هذه الكلمات حتى تغيرت ملامح الغورغون تغيّرا كبيرا

لقد أدركت وجود طرف ثالث

وبدا أنها عرفت مكان العدو، فاستدارت بسرعة، ولم يكن الغراب قد تمكن من الطيران بعد حتى غمره ضوء لامع وتحول إلى تمثال حجري

وعندما رأت الغورغون تمثال الغراب المتحطم وهو يسقط على الأرض، لاحظت غرابة في هالة الموت وعبست بشدة

وفي لحظة، كان الغراب قد تشكل من جديد، ولم يكد يهم بالطيران حتى تحجر مرة أخرى

في مجال لعنة التحجر هذا، ما إن يُحتجز المرء حتى يصبح التحجر متواصلا، ولا فرصة للهرب، وحتى لو أمكنه أن يعود للحياة فلن يستطيع المغادرة

لكن الغراب لم يكن فقط لا يموت، بل كان تابعا لسو لون

ولأنه لم يستطع أن يعود للحياة في المكان، فقد اختفى عبر الاستدعاء

ومع ومضة برد في عيني الغورغون، شعرت أن القادم مألوف، يبدو أنه الشخص نفسه الذي صادفته في المدينة من قبل

راحت أفاعي شعرها تمسح الغابة في كل الاتجاهات، بينما لامس جسد الأفعى السمين الأرض وأطلق قوة أرض كثيفة تسربت عميقا تحت التراب وامتدت لأميال حولها

وبشكل شبه فوري، أحست بعشرات البشر يقتربون خلسة عبر الغابة

وبمجرد انكشافهم، اندفع أولئك العشرات إلى الهجوم

بعضهم لوّح بالسكاكين، وآخرون أطلقوا النار، ومع “طقطقة” دوي الرصاص

“همف”

أطلقت الغورغون ضحكة باردة، وتزايد الوهج في عيون الأفاعي الزرقاء الجميلة لكنها سامة

وانكشف مشهد موحش في الحال

فما إن ظهر البشر، حتى مع تغطية أعينهم، تصلبت أجسادهم بمجرد أن لامسهم الضوء الرمادي

وكلما اقتربوا، أبطأوا أكثر

ليس الناس وحدهم، بل حتى رصاص الخيمياء تأثر بالطريقة نفسها

كان الرصاص الذي طار قرب الغورغون كأنه اخترق طبقة من مادة شديدة الكثافة وفقد كل طاقته الحركية، فسقط على الأرض على بعد أمتار منها

وعندما رأت الغورغون الرونات الخيميائية المكشوفة على أجسادهم، ظهرت عليها ملامح حذر

هؤلاء ليسوا بشرا عاديين

جالت نظرتها في كل الاتجاهات، دون جدوى

وفي الوقت نفسه، في مكان ما في الهواء، كان شخص غير مرئي يراقب كل ما حدث للتو عبر الرؤية المشتركة لغراب أسود

لم يكن ذلك سوى سو لون الملفوف برداء

كان قد فهم الآن بعضا من أساليب ميدوسا عالية الرتبة، وأدرك أنه كان قد قارب الموت فورا في الماضي

لكن طالما حافظ على مسافة آمنة، فلن يكون الخطر كبيرا جدا

ومن خلال رؤية الغراب الأسود، رأى أن مجموعة الموتى الأحياء التي اندفعت نحو ميدوسا تجمدت تماما ضمن 300 متر منها، فاستخلص سو لون بعض المعلومات وتمتم لنفسه، “حتى إن لم أنظر مباشرة إلى عينيها، ففي مجال التحجر تتباطأ الأشياء وتشل، ضمن 300 متر، وحتى دون رؤية العينين، يمكن أن يحدث التحجر”

استخلص سو لون بعض النتائج ولم يجرؤ على الإهمال

عاد يتحكم بالموتى الأحياء والدمى ويدفعهم للهجوم على ميدوسا من جديد

فميدوسا، بدم نصف حاكم، تملك إدراكا حادا للغاية، وبعد أن قتلت أولئك الموتى الأحياء في المرة الأولى، أحست فورا أن هناك من يحركهم من الخلف

ورغم أن خيوط التحكم كانت طاقة محولة وغير مرئية، فإنها كانت واضحة جدا داخل مجال التحجر

تظاهرت بأنها لم تلاحظ

وهي تراقب موجة الدمى الثانية تأتي للاستكشاف، سخرت ميدوسا في داخلها، فقد رأت أن جميع خيوط الدمى تتجمع نحو اتجاه واحد بعينه

ذلك الاتجاه هو مكان المحرك الحقيقي

وفي تلك اللحظة تقريبا، ذاب جسد ميدوسا داخل الأرض

وفي الوقت نفسه، وعلى بعد 800 متر على الأرض، تجسدت من جديد، وما إن ظهرت حتى لم يجد المتخفي على هيئة المحرك وقتا ليتحرك، فتحول إلى تمثال حجري بمجرد دخوله مجال الضوء الرمادي

لكن ما إن رأت ميدوسا الرونات على جلد التمثال الحجري حتى أدركت فورا، “لقد خُدعت”

هذا ليس المحرك الحقيقي، بل طعم

ومع ذلك، حتى بعد أن اكتشفت الخداع، لم ترتبك أبدا، بل ظهرت ابتسامة باردة في عينيها

كيف لا تعرف أن الآخرين يستهدفون هيلين؟

حين يبعدونها الآن، فلا بد أنهم تحركوا في الجهة الأخرى بالفعل

وكما توقعت

في اللحظة التي ظهرت فيها ميدوسا داخل الغابة، اندفعت دمية غير لافتة تحمل منجلا أسود نحو هيلين، تريد إنهاءها بضربة واحدة

لكن في اللحظة نفسها تقريبا، عادت ميدوسا

وبسخرية، اشتد الوهج في عيون شعرها الأفعواني، وتألق الثعابين الذهبية الخمس على جبينها بسطوع أكبر، وفي اللحظة التالية أُبيد الشق المكاني الذي صنعه المنجل الأسود داخل مجال الوهج

ولم يكتف الشق بالإبادة، بل استخدمت ميدوسا مرة أخرى قوة سيد الأرض لتنتقل بسرعة خاطفة أمام حامل المنجل الأسود وتحجره في مكانه

ارتخت نظرتها، “قتلته”

كانت هالة هذا الفرد مطابقة لهالة الشخص الذي أفلت منها في المدينة من قبل

لكن ما أدهش ميدوسا تماما أن هذا أيضا كان طعما

في هذه اللحظة بالذات، أكد سو لون وهو غير مرئي في السماء بعد أن شاهد هذا المشهد، “كما توقعت، يمكنها أيضا الانتقال بسرعة شبه فورية بملامسة الأرض، وشعرها الذهبي الأفعواني يطلق تأثير تحجر أعلى من معظم سحر الرتبة الثامنة، مما يجعل قتلها بالطرق العادية شبه مستحيل”

في اختبارين فقط، كان قد أمسك بمعظم أساليب هجوم ميدوسا

وفي اللحظة التي قتلت فيها ميدوسا الموتى الأحياء الذي نبت من أنسجة جسده هو، بدأ تحركه

كانت ميدوسا تعرف أن نقطة العمى في رؤيتها قد كُشفت، لذلك ظلت شديدة الحذر، وشعر الأفاعي على رأسها يمسح باستمرار كي لا تبقى نقطة العمى في موضع واحد ولو لحظة

لكن الآن، في اللحظة التي قتلت فيها طعم المنجل الأسود، كان لا بد أن تركز نظرتها على الطعم، فتشكلت نقطة العمى خلف رأسها

كانت تلك الفرصة الوحيدة التي حسبها سو لون ليقترب من نقطة العمى بأمان

لذلك لم يتردد مطلقا وانتقل إلى هناك

ظهر داخل مخروط الضوء الذي يمثل نقطة العمى خلف رأس ميدوسا، وفي يده كان قوس لعنة الزمن مشدودا بالكامل، يشكل سهما من الزمن

كان مجال التحجر قادرا على تحجير كل شيء تقريبا، لكن قوانين الزمن بالكاد تتأثر بقوانين أخرى

لم يستطع سو لون أن يضمن النجاح بطرق أخرى، والوسائل العادية لن تقتل هيلين على الأرجح، لكنه لم يملك إلا فرصة واحدة فاختار هذا القوس

اندفع سهم الضوء كأنه مكوك، وضرب هيلين بين عينيها مباشرة

سواء نجح أم لا، لم يمكث سو لون، بل فعّل انتقالا مكانيا فورا ليبتعد مسافة 1000 متر

مثل هذه الخطة لا يمكن استخدامها إلا مرة واحدة، سواء نجحت أم فشلت، إذ سيكون تنفيذها مرة ثانية صعبا جدا

لم تر ميدوسا ما حدث في نقطة العمى، لكنها أحست بشؤم

وعندما استدارت، رأت جلد هيلين يذبل في لحظة كأن العمر يلتهمه، وكانت الحياة قد سُلبت بالفعل بواسطة سهم الضوء

“كيف يمكن هذا”

تمتمت ميدوسا، ووجهها مليء بعدم التصديق

المشكلة لم تكن في طريقة القتل، بل في من نفذ الفعل

في محنتها، ليس أي شخص يستطيع قتل ميدوسا، بل فقط الأبطال ذوو المصائر الأسطورية الموعودة قادرون على ذبحها

وإلا، ومع جمالها، لما بقيت حية حتى اليوم في العالم البشري القذر

إن لم يكن قاتلها بطلا، فلن يستطيع قتلها حتى بأداة عظيمة علويّة

لكن لماذا

لماذا حدث أن إنسانا استطاع قتلها بهذه السهولة

وقبل أن تفهم ما يجري، كان الجلد قد ذبل بالكامل، ومن جسد هيلين خرج رأس أفعى كأنه يشق قشرة بيضة، ثم تلاه آخر، ثم المزيد ثم المزيد

ثم ظهرت ملامح وجه هيلين الساحر من الجسد

وبعد ذلك برز جزء علوي بشري عار، ببشرة شاحبة وردية، بجمال يكاد يستحيل صرف النظر عنه

بدت كأنها تنمو من الأرض، ترتفع ببطء في قامتها، بينما انكشف نصفها السفلي المغطى بحراشف أفعوانية مزينة بنقوش ذهبية بالكامل

كانت ما تزال تحمل هيئة هيلين، لكن هالتها صارت مختلفة تماما، فشعرها المليء بالأفاعي وجمالها الذي لا يضاهى صنعا تناقضا حادا، كأن خير العالم وشره اجتمعا فيها معا

والأهم أن حضورها تبدل كليا، فالغورغون المولودة حديثا كانت تحمل في عينيها احتقارا ملكيا متعاليا

كانت هذه هي الملكة ميدوسا، كائن تخلص تماما من قيده الفاني

نظرت ببرود إلى الغورغون التي كادت تستنزف منها قوة سلالتها، وفي نظرتها الباردة لم يكن هناك إلا تجاهل للحياة

بل لقد ذاقت العذاب في العالم، فصارت ترى كل شيء بلا اكتراث

لم يكن على وجهها أي أثر للمشاعر، لكن شعر الأفاعي على رأسها ازداد ضراوة، ومع ومضات من الضوء الذهبي في الحدقات الشقية، جُرّدت الغورغون التي أمامها من الحياة وصارت مجرد تمثال حجري وسط يأسها

وعند رؤية عيني أختها السابقة التي لم تفهم شيئا، قالت ميدوسا بهدوء، “علي أن أشكرك يا هرتوس، لقد سمحت خيانتك لي بإكمال آخر اختبار للخيانة”

وفي تلك اللحظة نفسها، وكأن قيدا لقسم قد تبدد، علم سو لون عبر وصلة اتصال أن المعركة في عاصمة آيكه قد انقلبت فجأة

لقد ضعفت قوة سيد الأرض داخل المدينة كثيرا، وتمكن التنين الفضي من التحرر من مقيد غلايبنير، ومن دون أن يواصل القتال، حلق مبتعدا

ارتاح سو لون عندما عرف أن التنين الفضي قد طار بعيدا

ورغم أنه من المؤسف أن تنينا فضيا جريحا من الرتبة الثامنة قد أفلت، فإنه لم يكن ممكنا الحصول عليه على أي حال، فتجاوز الأمر

وفوق ذلك، فإن تنينا فضيا حيا سيصبح كابوسا لأولئك القادمين من المستوى السماوي في المستقبل

فالتنانين بطبعها تحقد ولا تنسى، وبعد استفزاز تنين قوي من الرتبة الثامنة، لا بد أن يواجهوا انتقاما إن أرادوا العمل في هذه المياه لاحقا

كما أن تأسيس مجال إيمان في العاصمة آيكه صار مستحيلا الآن

وبالنسبة لمجموعة الفجر، فإن هذا الوضع ميزة كبيرة بالتأكيد

لكن ذلك أمر لاحق

فالآن كان هناك ما هو أهم

في البعيد، رأى سو لون عبر عيني غراب أسود الملكة ميدوسا التي وُلدت من جديد، وشعر بخوف خفيف يمر في قلبه

سواء كانت غورغونا من الرتبة الثامنة أو التاسعة، فهي الآن واحدة من أخطر المخلوقات على مستوى الخيمياء

وبعد أن امتصت تلك الغورغون الأخرى، صار على رأسها ليس خمس أفاع ذهبية بل ثماني أفاع ذهبية

“يا ترى إلى أي حد بلغت قوتها الآن”

مجرد النظر إليها جعل فروة رأس سو لون تقشعر

لم يكن متأكدا إن كانت مساعدتها على تجاوز محنتها نعمة أم نقمة، لكنه في هذه اللحظة لم يملك خيارا آخر

فلو لم تهلك الغورغون السابقة، لكانت المتاعب التي ستجلبها لمستوى الخيمياء لا تقل فداحة

والآن، وبعد أن أنهت ميدوسا امتصاص حليفتها السابقة، حولت نظرتها نحو الغراب الأسود الجاثم على غصن شجرة

والغريب أن الغراب لم يتحجر هذه المرة

كانت عينا الغراب تعكسان ذلك الوجه الذي يجسد أقصى جمال وشر معا

سخرت ميدوسا وسألت، “أيها الإنسان، لماذا تملك الجرأة لتجعلني أقسم ألا أزعجك، ثم تفتقر إلى الشجاعة لتأتي وتكلمني بنفسك”

كان سو لون يعلم جيدا أنها ما تزال تحمل ضغينة لأنها استُغلّت سابقا

حتى مع وجود قسم، لم يجرؤ بطبيعة الحال على الاقتراب منها، فأجاب عبر الغراب، “يا جلالة الملكة ميدوسا، لا حاجة للقاء مباشر، إن واجهتِ أي متاعب في المستقبل، أتمنى ألا تعتبريني عدوا”

تهديد كائن عال الرتبة ليفعل المزيد هو انتحار صريح

كان يكفي ألا تكون عدوا

سمعت ميدوسا كلامه، ولم يظهر على وجهها شيء، لكنها قبلت اقتراحه ضمنيا بوضوح

كلما ارتفعت رتبة الكائن زادت قيمة الوعد لديه

وكان هذا الإنسان حكيما لأنه لم يستخدم الاتفاق السابق ليفرض مطالب طائشة، وهي لم تكن تنوي أن تبحث عن أذيته من تلقاء نفسها

ومن دون أن تعيره انتباها إضافيا، غادرت ببرود

راقب سو لون رحيلها وتنفس الصعداء

من الجيد أنها رحلت

انتهت معركة العاصمة آيكه، وبدأ سحرة المستوى السماوي بالانسحاب

كانوا يخططون في الأصل لقتل التنين الفضي، واتخاذ بلاد التنانين أساسا لهم لتأسيس مستوى علوي

لكن الآن بعد أن هرب التنين الفضي، لم يجرؤوا على البقاء في المدينة مدة أطول، وحتى لو أسقطوا عائلة غرايسي المالكة فلن يكون لذلك أي معنى

غرقت المدينة في الفوضى، ومن دون العائلة المالكة ومن دون الغرباء، عاد من بقي من الناس تدريجيا

لم يمكث سو لون طويلا في المدينة، بل أخذ كيان تياو معه وعاد إلى بحر الليل الأبدي

والآن بعد أن اكتملت المواد، كان عليه أن يجهز الترياق لإزالة التحجر عن أم تاني

ولكي يحل المتاعب التي جلبها المستوى السماوي حلا كاملا، كان لا بد أن يغلق المنبع

وفقط بإغلاق بئر قوس قزح في جزيرة قوس قزح، يستطيع قطع مصفوفة الانتقال المكاني بعيدة المدى للمستوى السماوي إلى الأبد

التالي
544/644 84.5%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.