الفصل 373 : هروب إيثان
الفصل 373: هروب إيثان
نظر إيثان إلى الشياطين بعينين أبرد من الفراغ نفسه.
كانوا مصطفّين أمامه في تشكيلات منضبطة، وهالاتهم كثيفة خانقة تُشوّه الهواء من حولهم. للوهلة الأولى، بدوا شبيهين بالشياطين العتيقة التي أعاد هو نفسه إحياءها بعد انقراضها. قرونهم، وحراشفهم، وحدقاتهم القرمزية، جميعها تتبع الأنماط السلالية الموروثة المحفورة في ذاكرته. غير أنه كلما أطال التحديق فيهم، ازداد إحساسه بأن فيهم خطأً فادحًا.
هؤلاء لم يكونوا المخلوقات نفسها.
فالشياطين العتيقة التي بعثها من جديد لم تكن سوى بقايا عصر منسيّ، كائنات تآكلت سلالاتها عبر دهور لا تُحصى. كانوا أقوياء، نعم، لكن قوتهم كانت تخضع لقواعد يفهمها. غرائزهم، وحدودهم، ومسارات نموّهم، كلها كانت ضمن نطاق سلطته.
أما الشياطين الواقفون أمامه الآن فكانوا مختلفين جذريًا.
لقد أعاد شيء ما كتابتهم من المستوى الأكثر بدائية. كانت سلالاتهم تنبض بإيقاعات غريبة غير مألوفة. وأجسادهم تستجيب للقوة بطرق تنتهك القوانين الأصلية التي نقشها هو بنفسه في هذا العالم. حتى أرواحهم حملت آثار إرادة دخيلة، خافتة لكنها لا يمكن إنكارها.
ضيّق إيثان عينيه.
«قوة قادرة على طمس سلطتي وإعادة تشكيل عِرق كامل من جذوره الجينية»، تمتم. «مثير للاهتمام».
تحرّكت داخله شرارة فضول حقيقي.
ضغط غير مرئي هبط على وعيه، خفيف لكنه مستمر، يدفعه إلى التفكير بعمقٍ أكبر من المعتاد. لم يكن ضغطًا عدائيًا، بل أقرب إلى الإحساس بالوقوف على حافة هاوية، وإدراك مدى عمقها الحقيقي.
ولبرهة وجيزة، راوده اندفاع قوي لفكّ أختام كامل قوته، وبسط إدراكه خارج حدود هذا العالم، ومطاردة الكيان المسؤول. كان الدافع حادًا وغريزيًا.
لكنه كبح نفسه.
التصرّف المتهوّر لم يكن يومًا من طبعه.
والأخطر من ذلك، أن العدو كان قد أنجز بالفعل أمرًا أشدّ إثارة للفزع. لقد اخترق منظومة دفاع هذا العالم، المنظومة التي أنشأها إيثان بنفسه مستخدمًا كامل قوته في ذروة وجوده.
وهذه الحقيقة وحدها تحمل دلالات مرعبة.
إمّا أن الدخيل أقوى منه، أو أنه يمتلك أداة، أو أثرًا، أو سلطة قادرة على تجاوز دفاعاته.
وفي كلتا الحالتين، كان إيثان في وضع غير مواتٍ.
«من المرجّح أنهم يراقبونني الآن»، فكّر بهدوء. «وربما هذا الضغط ذاته يجبرني على التأمّل، على فهم ماهية الحياة حقًا».
وبهذه الفكرة، تقدّم إيثان خطوة إلى الأمام.
زأرت الشياطين واندفعت للهجوم، وكانت قوتهم هائلة.
لكن بالنسبة لإيثان، لم يكن ذلك كافيًا.
قاتل الشياطين.
ولأول مرة منذ زمن طويل، قاتل إيثان بجدّية.
لا بدافع اليأس، بل بإخلاص.
وقد استمتع بذلك.
وعندما سقط آخر شيطان، متحوّلًا إلى دم فاسد ورماد، أطلق إيثان زفيرًا بطيئًا. ظلّ تعبيره هادئًا، لكن عينيه لمع فيهما بريق خافت.
الآن بات متيقّنًا.
لقد دخل شخص ما لعبته حقًا.
وأسياد هذا العالم أصبحوا في خطرٍ مميت.
«هذه لعبتي»، قال إيثان بصوت منخفض، تردّد صداه في ساحة المعركة المدمّرة. «ولا يُسمح لأحد أن يؤذي لاعبي».
واتّخذ قراره.
سيطارد كل شيطان عتيق عبثت به هذه القوة الدخيلة. سيقتلهم جميعًا. ومع كل قتل، سيزداد قوة، مستعيدًا تدريجيًا القوة التي كان قد ختمها ذات يوم.
وحين همّ بالتحرّك، ارتجف العالم نفسه.
وتشكّلت أمامه شاشة شفافة.
[إعلان: يُؤمَر جميع السادة بعبادة الملكة إن أرادوا البقاء أحياء.]
حدّق إيثان في الكلمات بصمت.
ثم أدار بصره ببطء نحو الأفق البعيد، حيث كان قصر ملك الشياطين يلوح كجرحٍ متقيّح في جسد الأرض.
«إذًا»، تمتم، «عدوّي أنثى».
تجعّد حاجباه قليلًا.
«ماذا تريد؟ اعترافًا من البشر؟ عبادة؟» هزّ رأسه بخفّة. «لا معنى لذلك».
لقد فقد عالم السادة غايته الأصلية.
فعدوّ بهذا المستوى، قادر على مجاراة أو تجاوز حاكم هذا العالم، يجعل صراع البشر بلا قيمة. لن ينموا، ولن يقاوموا، بل سيُمحَون فحسب.
وكيف لمخلوقات هشّة كهذه أن تعلّمه شيئًا عن الحياة، وقد حُرموا حتى من فرصة الصراع؟
«ماذا تريدين؟» سأل إيثان بصوت مسموع، بنبرة باردة ثابتة.
كان واثقًا أنها تراقبه في تلك اللحظة بالذات.
وجاءه صوت داخل عقله.
«هاه؟ أيتها الحشرة، لماذا كل هذا الاستعجال؟ أنا فقط ألهو قليلًا».
كان الصوت طفوليًا، خفيفًا، ومشبَعًا بتسلية مستهترة.
ارتعشت شفتا إيثان قليلًا.
«حشرة»، أعادها بهدوء.
وفي ذهنه، برزت صورة طفل نبيل مدلّل، وُلد وسط امتياز طاغٍ، يدوس كل شيء تحت قدميه لمجرّد أنه يستطيع.
«هل تخشين كشف هويتك؟» سأل إيثان بسخرية.
كانت استفزازًا بسيطًا، لا أكثر من جسّ نبض.
لكنه نجح.
«أخشى؟ منك؟» انقلب الصوت حادًا، يتسرّب منه الضيق. «لا تجعليني أضحك. اسمع جيدًا أيتها الحشرة. أنا سيلين ألوكارد، ابنة الكونت ألوكارد من سلالة مصّاصي الدماء التكوينيين في عالم الأصل».
استوعب إيثان الكلمات بحذر.
«سلالة مصّاصي الدماء التكوينيين. عالم الأصل»، فكّر. «أهو ذلك العالم الذي لمحتُه خلف هذا العالم؟»
وقبل أن يغوص أكثر في التفكير، واصل صوتها:
«أنت لست سوى طفيليّ يعيش داخل أحد حيواناتي الأليفة في حديقتي. طفيلي قويّ قليلًا، نعم، لكنه يبقى طفيليًا. وأنت تؤلم حيواني الأليف، لذلك جئت لأعاقبك».
تقلّصت حدقتا إيثان.
ذلك العالم اللانهائي الذي رآه ذات يوم، ذلك الامتداد الشاسع المليء بالكائنات البدئية والقوانين اللامتناهية، لم يكن سوى حديقة؟
وذلك الكيان البدئي العتيق لم يكن أكثر من حيوان أليف؟
أي نوع من الوجود يتعامل مع اللانهاية على أنها زينة؟
لم يكن أيّ من هذا منطقيًا.
ولأول مرة، تسلّل شكّ حقيقي إلى أفكار إيثان.
ومن نبرة حديثها، أدرك أن هذه العدوّة ليست متآمرة قديمة ولا سيّدة متعالية.
إنها طفلة.
طفلة وُلدت في سلالة قوية إلى حدّ أن الكون نفسه ينحني لها بطبيعته.
«كيف يتعامل المرء مع طفلة متغطرسة تملك قوة مطلقة؟» تساءل إيثان.
«هاه؟» دوّى صوت سيلين من جديد. «هل خفتِ الآن أيتها الحشرة؟ أنتِ مثيرة للاهتمام. لقد قرّرت. ستصبحين عبدي. وسأعتني بك عناية فائقة».
اختفى مرحها السابق، وحلّ مكانه استعلاء سافر وغضب مكشوف من سخريته.
انتهت لعبتها.
أرادت أن تأخذه، أن تقيّده، وأن تعذّبه على مهل لجرأته على إهانتها.
«يبدو أن والديك فشلا في تعليمكِ الأدب»، قال إيثان بهدوء. «ربما في يومٍ ما، سأعلّمكِ بنفسي. أمّا الآن، فأنا راحل».
ومع هذه الكلمات، فكّ أختام كامل قوته.
صرخ العالم.
اندفعت القوانين اللامتناهية. انطوى الفضاء. وتشوه الزمن.
حاول إيثان الانتقال خارج حدود خلقه.
لكن شيئًا لم يحدث.
اظلم تعبيره.
كان الفضاء نفسه مُحكم الإغلاق حوله.
حتى مع إطلاق قوة بدئية كاملة، لم يستطع أن يتحرّك قيد أنملة.
«أيتها الحشرة، هل منحتكِ إذنًا بالمغادرة؟»
وقبل أن يتمكّن من الردّ، قبض عليه جذب هائل، والتوت الحقيقة بعنف.
وفي اللحظة التالية، وجد نفسه داخل قصر ملك الشياطين.
أمامه امتدّت قاعة عرش هائلة غارقة في ضوءٍ أحمر قانٍ. وفي مركزها وقف سيّد الشياطين العتيقة، وقد بلغت هالته الآن مستوى يضاهي السلف المؤسّس.
وعلى كتفه، جلست طفلة صغيرة بلا اكتراث.
لم تبدُ أكبر من اثنتي عشرة سنة، بشعر فضيّ وعينين قرمزيتين تتوهّجان بلذّة قاسية.
ثم رفعت يدها.
شعر إيثان بقوة ساحقة تهبط عليه، فتجمّد جسده بالكامل.
كانت على وشك أن تضع عليه ختم العبودية.
قاوم بكل ما أوتي من قوة.
لكن بلا جدوى.
وفي تلك اللحظة، انكسر شيء ما في أعماق إيثان.
أدرك أنه مهما بلغ من القوة، فسيظل هناك من هو أقوى.
فما الجدوى إذًا؟
أن ترتقي بلا نهاية، لتغدو نملة أمام وجود أسمى؟
لكن ما إن تبلورت هذه الفكرة، حتى لحقتها أخرى.
أليست هذه الدونية بالذات، وهذا السلّم اللامتناهي من القهر، هو ما يجبر جميع الكائنات على الصعود أعلى؟
إن الحياة نفسها حلقة لا تنتهي من الصراع.
ما لم يصبح المرء مطلقًا، ما لم يكن هناك مستوى فوقه، فلن تنكسر الدائرة أبدًا.
في تلك اللحظة، فهم إيثان.
لم تكن غاية حياته التوازن، ولا المراقبة.
بل الهيمنة.
أن يصبح الوجود المطلق الذي يحكم كل شيء، كي لا ينظر إليه أحد بازدراء مرة أخرى.
بهذا الإدراك، اكتمل آخر شظية من كيانه.
وفي أعماقه، بدأت سوترا الارتقاء اللانهائي المقفلة بالعمل من تلقاء نفسها.
لكن لم يكن هناك وقت للاحتفال.
كان ختم العبودية يهبط.
«فلنمُت»، همس إيثان.
ومن دون تردّد، اختار التدمير الذاتي.
فهو يفضّل الموت على العبودية، في كل مرة ودائمًا.
لكن قبل أن ينفجر، انفتح تحت قدميه بوّاب.
بوّاب لا نهائي.
التوى وجه سيلين غضبًا.
«بوّاب لا نهائي؟ كيف يظهر هنا؟»
شعر إيثان بالقيود تتحطّم.
قوتها لم تستطع قمع اللانهاية.
«وداعًا أيتها الطفلة»، قال إيثان مبتسمًا ببرود. «سأزوركِ يومًا ما».
«لن تذهب إلى أي مكان!» صرخت.
فاض دمها.
«مجال الدم التكويني!»
تمدّد واقع قرمزي، وأعاد تشكيل الوجود نفسه.
ومع ذلك، ظلّ البوّاب قائمًا.
وقد جنّ جنونها، فعضّت إصبعها.
وانفصلت قطرة دم واحدة، اندفعت واخترقت جسد إيثان.
«علامة ألوكارد»، ضحكت بجنون. «أينما ذهبتِ، سيشعر بك أيّ فرد من ألوكارد بالقرب منك. استمتعي بحريتك ما استطعتِ. سأأتي لأجلك».
أُغلق البوّاب.
واختفى إيثان من عالم البدء.
لم يكن أحد يعلم أين سيظهر من جديد.
لكن أمرًا واحدًا كان مؤكدًا: لقد صنعت سلالة مصّاصي الدماء التكوينيين في ذلك اليوم عدوًا لا يُتصوَّر.
فمع أنها بدت صغيرة، إلا أنها لم تكن كذلك؛ فقد عاشت عبر عصور لا تُحصى. ولذلك، فإن إيثان لن يغفر هذا الإذلال أبدًا.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل