تجاوز إلى المحتوى
صفاتي تتزايد بلا حدود

الفصل 455 : مدينة الأشباح

الفصل 455: مدينة الأشباح

انهار النطاق الطيفي كستارة أُسدلت فجأة.

خفتت الكوكبات. تلاشى السهل الصامت. أعادت جدران الحانة الخشبية تشكيل نفسها حول إيثان والرجل العجوز وكأن شيئًا لم يحدث. عادت الجرار المنقلبة سليمة كما كانت. اشتعلت المصابيح بثبات. وفي الخارج عاد هواء الجبل إلى همسه المعتاد.

وقف الرجل العجوز مستقيمًا الآن، وقد زال ضعفه. كان ظهره منتصبًا، وحضوره يحمل ثقلًا مكبوحًا لكنه واضح.

نظر إليه إيثان بهدوء.

قال بنبرة متزنة:

“أيها العجوز، لا تأخذ الأمر إلى قلبك. أنا مجرد مسافر يستمتع باختبار نفسه أمام الآخرين. اعتنِ بنفسك.”

ضيّق الرجل العجوز عينيه قليلًا.

“لقد جئت لتستفزني عمدًا.”

“نعم.”

مدّ إيثان يده. فظهرت شفرة في كفه، مصنوعة من خام روحي فضي باهت، منقوشة بطبقات من الرموز التي تلمع بخفوت. كانت هالتها مكبوحة، لكن أي خبير سيدرك أنها سلاح روحي من الدرجة العليا قادر على دعم إرادة بمستوى السيد.

قال إيثان:

“اعتبرها اعتذارًا. نبيذك كان يستحق أكثر بكثير.”

لم يمد الرجل العجوز يده إليها فورًا. ظل بصره معلقًا بوجه إيثان، يبحث عن سخرية أو نية خبيثة خفية. لكنه لم يجد شيئًا.

قال المزارع العجوز بصوت هادئ:

“أنت شاب غير مألوف.”

أجاب إيثان:

“قيل لي ذلك من قبل.”

وضع إيثان السلاح على الطاولة ثم تراجع خطوة. تشوش جسده قليلًا، ثم اختفى دون أن يُحدث أدنى تموج في الفضاء.

ظل الرجل العجوز واقفًا مدة طويلة. أخيرًا رفع الشفرة وفحصها بعناية. تبدلت ملامحه إلى شيء تأملي.

تمتم:

“كان يريدني أن أضرب أولًا… لكنه لم يكن ينوي القتل.”

ثم نظر نحو الباب حيث كان إيثان يقف قبل لحظات. بدا ليل الجبل مختلفًا قليلًا، كأن عاصفة مرت دون أن تسقط مطرها.

كان إيثان يسير على طريق هادئ خارج بلدة القصب الأسود. ألقى ضوء القمر ظلالًا طويلة فوق الحقول. أبقى هالته مكبوتة، ووضعه مريحًا.

داخل وعيه، نبضت واجهة النظام بخفوت.

[تم تسجيل البنية الهدف.]

[بدأت عملية الدمج.]

زفر ببطء.

قال بصوت خافت:

“وفقًا ليوميكو، هناك العديد من الخالدين المتجولين في العوالم البشرية. بعضهم يضاهي أباطرة الخالدين قوة. سأتحداهم واحدًا تلو الآخر.”

توقف لحظة، شاعرًا بالاهتزازات الأولى لقوة الاندماج وهي تنسج عبر مسارات طاقته.

“أولًا، يجب أن أنتظر حتى تستقر البنية.”

ثم واصل السير.

بعد لحظة، دوى صوت يوميكو في ذهنه.

[سيدي، أرصد أثرًا للحاكمية على بعد نحو ألفي ميل إلى الجنوب الشرقي.]

اشتد بريق نظر إيثان.

“حاكمية؟”

[نعم. الرنين ضعيف لكنه نقي.]

ابتسم قليلًا.

“إذًا فلنرَ.”

خطا خطوة واحدة إلى الأمام.

تشوش العالم، لكن لم يحدث أي تشوه في الفضاء. لا تمزق. تحرك جسده ببساطة، مدفوعًا بسرعة خام جعلت الأفق ينحني حوله.

وفي اللحظة التالية كان يقف أمام البوابة الحجرية لبلدة لم يزرها من قبل.

تدلّت المصابيح في صفوف فوق الرأس. انجرفت الموسيقى في هواء الليل. تردد الضحك بين البيوت المزينة بالرايات الحمراء وشرائط الحرير. ملأت رائحة اللحم المشوي والنبيذ الحلو الشوارع.

كانت البلدة بأكملها تعيش أجواء احتفال.

ضيّق إيثان عينيه.

“هم.”

اتسع إدراكه الروحي.

تحت دفء الصوت والألوان كان هناك شيء بارد. كانت الأبنية سليمة، لكن أساساتها جوفاء. الأشخاص الذين يتحركون في الشوارع يملكون هيئة، لكنهم يفتقرون إلى الحيوية.

قال بهدوء:

“هذه مدينة أشباح.”

كل ما تراه العين العادية كان مجرد وهم مكدس فوق الضغائن والذكريات.

“كم هو مثير للاهتمام.”

تقدم عبر البوابة.

في اللحظة التي لامست فيها قدمه الرصف الحجري، انتشر تموج غير مرئي عبر البلدة. أحست كل روح هائمة بوجوده عبر بصمة مشتركة تربطهم جميعًا.

اقتربت منه امرأة.

كانت فاتنة الجمال، ترتدي حريرًا احتفاليًا. ابتسامتها مشرقة وعيناها تتلألآن بالحماس.

قالت بلطف:

“سيدي، هل ستمكث الليلة في بلدتنا؟”

سأل إيثان:

“ما الذي يحدث هنا؟”

“اليوم هو حفل زفاف ابنة عمدة البلدة. الجميع يحتفل.”

كان في نبرتها فرح حقيقي. لم يكن في هالتها أي خداع.

أصبح تعبير إيثان متفكرًا.

[يوميكو.]

[سيدي، هذا هو اليوم الذي ماتوا فيه. أنت تشاهد شظية محفوظة من الماضي.]

أومأ برأسه.

اشتد الغناء قرب الساحة المركزية. كانت مجموعة من الشابات يرقصن بخطوات منسقة، وأكمامهن تتماوج كالأمواج.

جلس إيثان إلى طاولة فارغة قرب العرض. راقب بصمت.

كانت الموسيقى صادقة. وكان الضحك غير متكلف. وللحظة قصيرة شعرت البلدة بأنها حية حقًا، لا مجرد وهم.

ثم اختل الإيقاع.

من الطريق الشمالي دوى هدير حوافر الخيل.

اندفع عشرات الفرسان إلى المشهد، مقنّعين ومسلحين. مزق حضورهم الانسجام كحدّ سيف يخترق الحرير.

قطاع طرق.

تجمد أهل البلدة. لمع الارتباك على وجوههم.

ترجل أحد الفرسان فجأة. كان جسده يحمل سمات وحشية خفية، خطوطًا على ذراعيه وأنيابًا طويلة تظهر تحت قناعه.

صرخ بخشونة:

“أيها الزعيم، كم من الزهور الجميلة هنا. لا أستطيع الانتظار.”

اندفع نحو فتاة شابة وطرحها أرضًا.

انفجر الفوضى.

حلّت الصرخات محل الموسيقى. اندفع الرجال إلى الأمام بأدوات الزراعة والسيوف الاحتفالية. قُطعوا بسهولة. تدحرجت الرؤوس فوق الشوارع الحجرية. تشربت الرايات التي رُفعت للاحتفال بالدم.

لم يتحرك إيثان.

كان يراقب.

تصاعد العنف بوحشية منهجية. لم يقتل قطاع الطرق بسرعة. بل دنّسوا كرامة البلدة قبل أن يطفئوا حياتها. لم يُخفِ الوهم الرعب. بل حفظه بوضوح قاسٍ.

في أقل من ساعتين تحول الاحتفال إلى مجزرة.

اقتيدت العروس نفسها من غرفتها. ظلت صرخاتها تتردد طويلًا بعد أن خارت قواها.

عندما انتهت المقاومة، ذبح المهاجمون الرجال والنساء الباقين دون تردد.

ثم رحلوا.

حلّ الصمت.

لكن لم تكن كل حياة قد انتهت.

تمسك عدد قليل من الناجين بأنفاسهم.

اشتد فك إيثان.

ومن الطريق الجنوبي جاءت مجموعة أخرى. مسافرون. بشر في لباسهم وكلامهم.

تأملوا المذبحة بعيون باردة.

ضحك أحدهم بقلق.

وبدل أن يقدموا المساعدة، انحدروا إلى الانحطاط. لقي آخر الناجين مصيرًا أشد ظلمة قبل أن يدركهم الموت.

لم يُخفِ الوهم شيئًا.

وعندما تلاشى أخيرًا، اختفت المصابيح. وتعفنت البيوت إلى ظلال. امتلأ الهواء بضغينة باردة.

ارتفعت العويلات من كل اتجاه.

“لماذا؟”

“لماذا تُركنا وحدنا؟”

تحولت البلدة بأكملها إلى شكلها الحقيقي. ازدحمت الأرواح في الشوارع، وملامحها ملتوية بالألم والغضب.

ظل إيثان واقفًا حيث كان يجلس.

قال بهدوء:

“يا له من حقد. لا عجب أنكم ما زلتم هنا.”

تحركت نظرته نحو طرف الساحة.

كان هناك خمسة أشخاص يقفون بعيدًا عن الآخرين. ثلاثة شبان وامرأتان. إحدى المرأتين تحمل طفلًا.

كان إيثان قد شعر بمصدر الحاكمية سابقًا. وكان يشع بخفوت من ذلك الطفل.

كان قطاع الطرق والمسافرون قد رحلوا منذ زمن. انتهت المجزرة. لكن الذكرى المحفوظة أصبحت وقودًا لغضب الأرواح الذي لا ينتهي.

بدأت الشخصيات الخمس تتحرك.

أطلقوا تقنيات روحية دون تردد، يشقون طريقهم عبر الأشباح المحيطة. كانت تعابيرهم حادة، تكاد تكون هستيرية، كأنهم يسعون إلى محو الذكرى بتدمير بقاياها.

ظل الطفل صامتًا في ذراعي المرأة، عيناه مفتوحتان تراقبان.

راقب إيثان بعناية.

فكر:

“إن تدخلت الآن، سيتغير التوازن.”

بدلًا من ذلك اختفى.

ظهر مجددًا بجانب المرأة التي تحمل الطفل.

تصلبت فورًا. لم تشعر باقترابه.

سأل إيثان بهدوء:

“هل هو ابنك؟”

اشتدت قبضة المرأة.

التفت الطفل بنظره إلى إيثان.

للحظة، صار الهواء بينهما أثقل.

انحنى إيثان قليلًا.

وقال بصوت منخفض:

“مرحبًا يا طفل عشيرة الحاكم. هل نتحدث؟”

كانت عينا الصبي ثابتتين أكثر مما ينبغي لعمره الظاهر.

قال الطفل بنبرة متزنة رغم جسده الصغير:

“أنت لست من هذا العالم.”

أجاب إيثان:

“ولا أنت.”

ازداد ارتباك المرأة.

“عمَّ تتحدثان؟”

لم ينظر الطفل إليها.

قال بهدوء لإيثان:

“لقد ازددت قوة خلال أيام قليلة. البرج قد فضّلك.”

لم يتغير تعبير إيثان.

“إذًا أنت مدرك للأمر.”

ومضت حاكمية الطفل بخفوت، دفاعًا غريزيًا.

“مدرك بما يكفي.”

كانت الأرواح المحيطة تعوي، لكن أياً منها لم يقترب منهما. كان توتر غير مرئي يعزل هذه المساحة الصغيرة عن الفوضى في الخارج.

درس إيثان الصبي باهتمام بارد.

قال:

“أنت تجمع القوة من ضغينتهم. لكنك لا تنوي تحريرهم.”

اشتد نظر الطفل.

“الحرية لا تعيد ما فُقد.”

قال إيثان:

“صحيح. لكن القتل الأبدي لا يعيده أيضًا.”

واصل الرفاق الخمسة شق طريقهم عبر الأشباح بكفاءة لا ترحم. كانت تقنياتهم دقيقة ومتمرسة.

قال إيثان:

“أنت تخطط لحصادهم.”

لم ينكر الطفل ذلك.

اعتدل إيثان.

قال بهدوء:

“لن أتدخل في طريقك. لكنني فضولي.”

“بشأن ماذا؟”

“بشأن حدك الأعلى.”

تألقت حاكمية الطفل للحظة.

“هل تريد تحديي؟”

ابتسم إيثان ابتسامة خفيفة.

“في النهاية.”

ثم قال:

“أما الآن… فسأراقب.”

ثم تراجع خطوة.

التالي
455/508 89.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.