تجاوز إلى المحتوى
صفاتي تتزايد بلا حدود

الفصل 454 : ذروة سيّد الأرواح

الفصل 454: ذروة سيّد الأرواح

تقع بلدة القصب الأسود على بُعد ثلاثة آلاف ميل من العاصمة الإمبراطورية، محصورةً بين جبال منخفضة ونهر رمادي متعرّج يعكس السماء كفولاذ باهت. لم تكن مُدرجة على معظم الخرائط الرسمية. ولم تصل إليها القوافل إلا إذا كانت تبحث عن شيء محدّد. أمّا المسافرون العاديون فقلّما كان لديهم سبب للمرور بها.

ومع ذلك، بين المزارعين الروحيين والتجّار الذين يتعاملون في النوادر، حملت البلدة سمعةً هادئة.

خمرها لا يُضاهى.

وصل إيثان عند الغسق.

لم يسافر براياتٍ أو مرافقة. كانت أرديته بسيطة، وهالته مكبوحة إلى مستوى إنسان عادي. كانت الشوارع ضيّقة مرصوفة بحجارة غير متساوية. وقد بدأت الفوانيس تتوهّج تحت الأفاريز الخشبية، ناشرةً ضوءًا دافئًا على ضباب المساء المنجرف.

مشى دون استعجال.

كانت المعلومات التي قدّمها النظام موجزة.

[سيّد أرواح، ذروة المرتبة.

العمر غير معروف.

لا انتماء لطائفة.

لا تلاميذ معلنين.

يقيم في بلدة القصب الأسود بهوية مدنية.]

أمّا الهوية المستترة فكانت عادية بالقدر نفسه.

بائع خمر.

انعطف إيثان عند زاوية فرأى المتجر.

كان صغيرًا. ولم تحمل اللافتة الخشبية سوى حرفين محفورين يدويًا. لا حروف مذهّبة. ولا تشكيلات ظاهرة من الخارج. كان الباب مفتوحًا، وانبعث منه الضحك مع رائحة الحبوب المخمّرة وشيء أعمق يوحي بأعشاب روحية.

في الداخل كانت الطاولات ممتلئة.

جلس تجّار بأردية سفرٍ بالية إلى جانب مزارعين روحيين متجولين. وشرب زوج من الحراس المدرّعين بصمت قرب الجدار الخلفي. اصطفت جرار فخارية على الرفوف من الأرض إلى السقف. وكان الشيخ خلف المنضدة يتحرّك ببطء، كما لو أن كل خطوة تتطلّب جهدًا مقصودًا.

كان شعره أبيض تمامًا. وظهره منحنٍ قليلًا. ووجهه مليء بالتجاعيد العميقة، وبشرته شاحبة كشخصٍ تجاوزت حياته قوّته.

بدا وكأن هبّة ريح قوية قد تبدّده إلى غبار.

دخل إيثان واختار مقعدًا في الزاوية.

لم يولِه أحد اهتمامًا خاصًا.

أحضرت له خادمة شابة كأسًا من خمرٍ بلون الكهرمان الداكن. رفعه إيثان واستنشق. كانت الرائحة خفيفة في البداية، ثم انكشفت على طبقات. حلاوة الفاكهة، ومرارة الخشب المعتّق، وتحت ذلك كله أثرٌ خافت من رنينٍ روحي لامس وعيه كهمسة.

شرب.

انتشرت الحرارة في حلقه ثم في جسده. حمل الخمر خيطًا مصقولًا من الطاقة الروحية، نقيًا ومنضبطًا. لم يطغَ. بل غذّى.

مثير للاهتمام.

شرب مرة أخرى.

مرّ الوقت دون أن يُلاحظ.

ازداد ضجيج المتجر مع تعمّق الليل. رُويت القصص. ورنّت العملات. وضُربت الكؤوس على الطاولات إعجابًا. بقي إيثان صامتًا يشرب بثبات. فرغت جرة. ثم أخرى. نظرت الخادمة إليه مراتٍ عدّة، مترددة إن كانت ستتدخّل، لكن الشيخ خلف المنضدة رفع يدًا خفيفة مشيرًا إلى الكفّ.

تضاءل عدد الزبائن تدريجيًا.

غادروا واحدًا تلو الآخر، يشدّون عباءاتهم ضد برد الجبال. وفي النهاية لم يبقَ سوى إيثان.

ارتجفت ألسنة الفوانيس.

اقترب الشيخ من طاولته بخطوات محسوبة.

قال بصوتٍ رفيع لكنه واضح:

“يا فتى، حان وقت إغلاق المتجر.”

رفع إيثان كأسه وأفرغ آخر قطرة. ولم يرفع نظره.

انتظر الشيخ.

وضع إيثان الكأس برفق.

“هات المزيد.”

تأمّله الشيخ.

“المتجر مغلق.”

اتكأ إيثان إلى الخلف في كرسيه. كانت عيناه هادئتين، شبه ضجرتين.

“أيها العجوز، اصمت. أتدري من أنا؟ اسكب لي المزيد من الخمر، أيها الأحفور العتيق.”

كانت الكلمات فظة ومتعمدة. لقد جاء ليستفز الرجل.

تغيّر الهواء في المتجر قليلًا.

لم يتلوَّ وجه الشيخ غضبًا، ولم يحمرّ. بل برد. قست الخطوط حول عينيه، وحدّ شيء عميق في نظرته.

حولهم تمايلت ألسنة الفوانيس كما لو لامستها ريح خفية.

قال الشيخ بهدوء:

“الشباب كثيرًا ما يخلطون بين التهوّر والشجاعة.”

ضحك إيثان بخفة.

“والعجائز كثيرًا ما يخلطون بين أعمارهم والسلطة.”

أسند مرفقه إلى الطاولة.

“دفعتُ المال. وأنا أشرب. هكذا تعمل التجارة.”

انطبقت شفتا الشيخ في خطٍ رفيع. ومدّ يده ليجمع الجرار الفارغة من الطاولة.

وضع إيثان يده فوقها.

كانت الحركة عفوية، لكنها أوقفت فعل الشيخ تمامًا.

“قلتُ أحضر المزيد.”

للحظةٍ خاطفة، تحرّك شيء هائل تحت مظهر الشيخ الواهن.

ثم اختفى.

استقام قليلًا.

“يا فتى، ارحل ما دمت تستطيع. لن أكرر كلامي.”

لكن إيثان لم يتحرك إنشًا واحدًا.

بل رفع يده ومدّ إصبعًا واحدًا في إشارة بطيئة لا لبس فيها.

“كيف تجرؤ على محاولة إخافتي، أيها الكلب العجوز؟”

علقت الإهانة في الهواء كسيف.

وأخيرًا بردت عينا الشيخ.

انتشرت موجة ضغطٍ منه إلى الخارج، خفيفة في البداية. ارتجفت الجرار الفخارية على الرفوف. اهتزّت الطاولات. وتساقط الغبار من العوارض.

لم يكن سوى جزءٍ من هالته. خيط. لكنه كافٍ لخنق إمبراطور أرواح عادي فورًا.

ساد الصمت البلدة في الخارج على نحو غير طبيعي.

لكن إيثان ظل جالسًا.

اجتاحه الضغط ثم تلاشى كضبابٍ يصطدم بجبل.

لم يحمِ نفسه. ولم يقاوم ظاهرًا. بل تحمّله دون أي رد فعل.

ثم انحنى إلى الأمام.

مَجـرة الـرِّوايات: تذكر أن ما تقرأه هو مجرد "رواية"، فلا تخلط بين الخيال والواقع.

“أهذا كل شيء؟” سأل بهدوء. “وتسمي هذا ترهيبًا؟”

تجعد حاجبا الشيخ.

زاد الضغط قليلًا.

ثقل الهواء. وأنّت ألواح الأرضية. وانطفأت الفوانيس واحدة تلو الأخرى حتى لم يبقَ سوى ضوء القمر المتسلل من الباب.

في الخارج اندفع النهر بعنف لنبضة قلبٍ واحدة قبل أن يهدأ من جديد.

رفع إيثان إصبعه الأوسط مرة أخرى.

“حاول أكثر.”

كان يستفزه.

اضرب أولًا.

هذا كل ما كان يحتاجه.

بروتوكول النظام الحالي سيسجّل البنية القتالية الكاملة للخصم إذا تأكدت العدائية المباشرة. وخلال 24 ساعة سيتلقى إيثان إطارًا مكررًا لتلك القوة.

مرتبة كاملة في يومٍ واحد.

كان ذلك موضوع رحلته هذه المرة.

ابتعد نظر الشيخ قليلًا.

قال بهدوء:

“أنت لست عاديًا.”

ابتسم إيثان ابتسامة خفيفة.

“وأنت لست بائع خمر.”

استقام ظهر الشيخ ببطء.

بدأ وهم الضعف يتصدّع.

اعتدل الانحناء. واختفى الارتجاف من يديه. تعمّق تنفّسه، واستجابت الطاقة الروحية في الهواء كما لو استدعيت بأمرٍ صامت.

تلاشت جدران المتجر الخشبية إلى فضاء من النجوم.

لم يعودوا في حانة.

وقفوا على سهلٍ صامت تحت سماء مملوءة بكوكباتٍ منجرفة. اختفت البلدة. وزالت الجبال.

لقد كان نطاقًا.

نطاق سيّد الأرواح.

قال الشيخ، ولم يعد صوته رفيعًا:

“أنت تطلب الموت.”

كان صوته يتردّد بأصداء طبقية، كأن حقائق متعددة تهتز تحت كل مقطع.

نهض إيثان ببطء من كرسيه، الذي لم يعد موجودًا.

نفض أكمامه.

قال بهدوء متزن:

“أنت من أطلق هالتك أولًا. أنا فقط أدافع عن كرامتي.”

نظر إليه الشيخ طويلًا.

ازدادت النجوم في السماء سطوعًا.

ظهر خلف الشيخ طيفٌ عملاق، شاهق وشفاف، وعيناه مغمضتان في تأملٍ أبدي. أشعّ بسلطة سيّد أرواح في الذروة، على بُعد خطوة من الارتقاء.

تشققت الأرض تحت قدمي إيثان.

هبط الضغط كسماءٍ منهارة.

لم يعد هذا تحذيرًا.

بل اختبارًا.

شعر إيثان بعظامه تئن. وارتجفت أعضاؤه. حاول النطاق سحقه وإجباره على الخضوع.

جيد.

كان بحاجة إلى عدائية حقيقية.

سمح لخيطٍ رفيع من الدم أن يسيل من زاوية فمه، كأن الضغط بدأ يؤثر فيه.

راقب الشيخ بعناية.

قال:

“ارحل. وسأنسى وقاحتك.”

ضحك إيثان بخفة، ومسح الدم بإبهامه.

قال:

“أيها العجوز، إن كانت هذه قوتك الكاملة، فخمرُك حقًا أكثر إثارة للإعجاب منك.”

فتح الطيف خلف الشيخ عينيه.

تحطمت السماء.

تكوّن رمح من إرادةٍ روحية مكثفة فوق رأس إيثان وهبط نحو الأسفل.

في تلك اللحظة، توهجت واجهة النظام داخل وعيه.

[تم تأكيد العدائية.

تم تثبيت بنية قوة الهدف.]

ارتفعت زاوية شفتي إيثان.

في آخر لحظة ممكنة، تنحّى جانبًا ورفع يده.

لم يهاجم بقوة ساحقة. ولم يكشف البروتوكول الثالث.

بل اكتفى بالصدّ.

انفجر الرمح فوق السهل، حافرًا شقًا امتد إلى الأفق.

ملأ الغبار وضوء النجوم الهواء.

تغيّر تعبير الشيخ أخيرًا.

لم يبقَ فيه أي تكبّر.

بل حذر فقط.

قال ببطء:

“أردتني أن أضرب أولًا؟”

لم ينكر إيثان ذلك.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
454/508 89.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.