الفصل 472 : التسجيل في النقابة
الفصل 472: التسجيل في النقابة
امتدّت الغابة بلا نهاية حول «إيثان» وهو يسير.
كان قد أمضى ما يقارب الساعة في الحركة، متتبعًا ما بدا كأنه ممر قديم للحيوانات يلتف بهدوء بين الأشجار الشاهقة. ذلك الوهج الفضي فوقه لم يتغيّر أبدًا؛ لا يخفت ولا يزداد سطوعًا، بل ظلّ ثابتًا في السماء كقمرٍ أبدي.
كان ذلك يمنح العالم كله شعورًا غريبًا بالتوقّف…
كأن هذا المكان لا يعرف معنى الليل أو النهار.
من حينٍ لآخر، كان «إيثان» يمرّ بأشجارٍ هائلة ينبض لحاؤها بضوءٍ خافت. إيقاعه البطيء ذكّره بالتنفس، وكأن الأشجار نفسها كائنات حيّة تراقب مروره بصمت.
حتى الهواء كان مختلفًا.
أكثر كثافة.
ليس كثيفًا بما يكفي ليبطئه تمامًا، لكنه كافٍ ليجعل كل خطوة تتطلب انتباهًا أكبر من المعتاد.
قال «إيثان» بصوتٍ منخفض كاسرًا الصمت:
“يوميكو، هل لديك أي فكرة عن أقرب مستوطنة؟”
جاءه الصوت المألوف من داخل ذهنه:
[جارٍ البحث في البيانات المتجزئة…]
تبع ذلك صمتٌ قصير.
[توجد مستوطنة بشرية على بُعد يقارب 40 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي.]
[تشير الأنماط المكانية إلى وجود بناءٍ منظّم. وعلى الأرجح أنها بلدة تضم نقابة.]
أومأ «إيثان» لنفسه.
“هذا مناسب.”
عدّل اتجاهه قليلًا وواصل السير.
وأثناء تقدّمه، بدأ يختبر حدود جسده بحذر.
قفزة بسيطة دفعته إلى الأعلى…
لكن النتيجة كانت مخيّبة.
في كونه الأصلي، كانت قفزة كهذه كفيلة بأن تحمله عبر الأبعاد إن أراد، أو على الأقل عدة كيلومترات إن اختار كبح قوته. أما هنا، فلم يصل حتى إلى خمسين مترًا قبل أن تجذبه الجاذبية إلى الأسفل.
حتى الهبوط بدا أثقل.
ليس مؤلمًا…
بل خانقًا.
وكأن الجاذبية نفسها تحمل وزنًا إضافيًا.
هبط «إيثان» بخفة وعقد حاجبيه.
“سأحتاج بعض الوقت لأعتاد على هذا”، تمتم.
كان اختلاف القوانين الفيزيائية واضحًا.
هذا العالم يقيّد القوة بشكلٍ أشد بكثير من العالم الذي تركه خلفه.
إذا كان التحرك البسيط بهذا الشكل، فالمعركة ستكون مختلفة تمامًا.
تابع السير على الممر، يراقب كل شيء بعناية.
مرّت ساعتان.
تدريجيًا، بدأت الغابة تخف كثافتها.
صارت الأشجار الضخمة أصغر وأكثر تباعدًا، حتى خرج «إيثان» أخيرًا من خط الأشجار إلى طريقٍ ترابي مهترئ.
وهناك، في البعيد… رآها أخيرًا.
بلدة.
أسوار حجرية تحيط بها بالكامل.
كانت ترتفع لنحو عشرة أمتار وتمتد على محيطٍ واسع. رموز متوهجة غريبة غطّت سطح الحجارة، تنبض ببطء في أنماط متكررة كنبض قلبٍ هادئ.
خلف الأسوار، استطاع «إيثان» رؤية أسطح منازل بأحجام مختلفة.
بعضها بسيط من الخشب.
وأخرى بدت مدعّمة بالمعدن.
وفوقها جميعًا، ارتفع برجٌ شاهق مصنوع من معدن بلون البرونز، يلمع تحت السماء الفضية.
كانت بوابة البلدة مفتوحة.
وقف حارسان على الجانبين، وكل منهما يحمل سيفًا عند خصره.
ومع اقتراب «إيثان»، راقباه بعناية.
لم تكن نظراتهما عدائية…
بل يقِظة.
“توقّف”، قال أحدهما عندما أصبح «إيثان» على مسافة كلام.
“اذكر سبب قدومك إلى فالدريس.”
توقف «إيثان» ونظر إليه بهدوء.
“أبحث عن الانضمام إلى نقابة.”
تفحّصه الحارس للحظة طويلة…
ثم أطلق شخيرًا خفيفًا.
“واحد آخر، إذًا؟”
حكّ ذقنه وألقى نظرة سريعة على رفيقه.
“أنت الثالث من الغرباء هذا الأسبوع. هل جئت عبر شقٍّ فضائي أم طقسٍ ما؟”
تفاجأ «إيثان» أنهم أدركوا أنه لا ينتمي إلى هذا العالم، والأغرب أنهم لم يبدوا متفاجئين.
“مم… عبر شق فضائي على ما أظن”، قال.
شخر أحد الحارسين ببرود، كأنه ينظر إلى كومة قمامة.
ثم أشار بكسل نحو داخل البلدة.
“تابع السير في الطريق الرئيسي.”
“سترى مقر النقابة في نهايته.”
“فجر البرونز تتكفّل بكل عمليات التسجيل الجديدة.”
أمال «إيثان» رأسه قليلًا.
“شكرًا.”
مرّ بجانبهما ودخل البلدة.
وفي اللحظة التي عبر فيها تحت القوس الحجري، شعر بتغيّر.
الهواء تبدّل.
أصبح أكثر انتظامًا…
أكثر تحكمًا.
رفع «إيثان» نظره.
الرموز المحفورة في الجدران أضاءت قليلًا عند مروره عبر البوابة.
تابع السير دون أن يُظهر أي رد فعل.
بدت «فالدريس» للوهلة الأولى بلدةً عادية من العصور الوسطى.
الشوارع مرصوفة بحجارة ملساء صقلتها قرون من الأقدام.
التجّار ينادون على بضاعتهم.
الأطفال يركضون ويضحكون بصوتٍ عالٍ.
الحرفيون يعملون في ورشٍ مفتوحة، وأصوات الأدوات تضرب المعدن والخشب بإيقاعٍ منتظم.
رائحة الخبز انتشرت في الهواء من مخبزٍ قريب.
كل شيء بدا طبيعيًا…
هادئًا.
لكن «إيثان» لاحظ أمورًا لا يراها معظم الناس.
امرأة مرّت تحمل سلة خبز.
كانت خطواتها خفيفة، لكن…
مع كل خطوة، كانت تُزيح ذرات صغيرة من الغبار والحجارة.
ومع رفع قدمها، تعود كل ذرة إلى مكانها الأصلي تمامًا.
إعادة ضبط كاملة.
بالقرب، كان حدّاد يطرق معدنًا متوهجًا فوق سندان.
رنّ صوت الضربات بوضوح…
لكن السندان نفسه لم يهتز.
قوة الضربات اختفت داخل المعدن دون أن تُحدث صدى.
الطاقة… تلاشت ببساطة.
ركضت طفلة صغيرة بجانب «إيثان» وهي تضحك.
ومع حركتها، تموّج الهواء حولها بخفوت.
فهم «إيثان» فورًا ما يحدث.
كانت تتحكم بالحيّز دون وعي لتسريع حركتها.
كائنات من المستوى 1.
كل واحد منهم.
في الكون الخارجي، كان هؤلاء يُعدّون «حكّامًا».
أما هنا…
فهم مجرد مواطنين عاديين.
خبازون.
حدادون.
أطفال يلعبون في الشارع.
مستوى القوة في هذا العالم كان شبه عبثي.
حتى «إيثان» شعر بشيءٍ من الدهشة.
في النهاية، وصل إلى ساحة البلدة.
وهناك وقفت…
نقابة «فجر البرونز».
مبنى ضخم يهيمن على الساحة بأكملها.
بُني من حجرٍ داكن مدعّم بزخارف برونزية على الحواف. كان يتألف من ثلاثة طوابق، والبرج الذي رآه سابقًا يرتفع من مركزه مباشرة.
المدخل عبارة عن بابين برونزيين هائلين، يبلغ ارتفاع كل منهما نحو خمسة أمتار.
سطحهما محفور بنقوش تفصيلية تُصوّر محاربين يقاتلون وحوشًا عملاقة.
دفع «إيثان» أحد البابين ودخل.
فوجئ بالأجواء في الداخل.
لا تكن شريكاً في السرقة، اقرأ الفصل من المصدر: مَجـرّة الـرِّوايــات.
كانت دافئة…
تكاد تكون مرحّبة.
قاعة واسعة امتدت أمامه.
طاولات خشبية طويلة ملأت المكان، يجلس حولها أشخاص يأكلون ويشربون ويتحدثون بصوتٍ مرتفع.
رائحة اللحم المشوي امتزجت بشيء يشبه نبيذًا متبّلًا.
على الجدران، لوحات خشبية كبيرة مغطاة بأوراق.
يتجمع الناس حولها باستمرار.
مهام.
طلبات.
عقود.
في نهاية القاعة، وقف مكتب كبير.
عدة موظفين يعملون خلفه، ينظمون الأوراق ويتحدثون مع أعضاء النقابة.
وكانت تشرف عليهم جميعًا امرأة طويلة، تتخلل شعرها الداكن خصلات فضية.
تقدّم «إيثان» نحو المكتب.
رفعت المرأة نظرها نحوه.
كانت عيناها حادتين…
نظرة لا يفوتها شيء.
“وجه جديد”، قالت ببرود.
“غريب؟”
أومأ «إيثان».
“وصلت اليوم.”
أطلقت شخيرًا خفيفًا.
“لا تملك أي فكرة أين أنت، أليس كذلك؟”
“أعلم أنني في عالم إليسيوم”، أجاب بهدوء.
“عدا ذلك، ليس كثيرًا.”
ارتفع أحد حاجبيها قليلًا.
“على الأقل أنت صادق.”
وضعت الأوراق التي كانت تحملها على الطاولة.
“اسمي سيرا.”
“مسؤولة الاستقبال في فجر البرونز.”
“إذا أردت الانضمام، فهناك إجراءات.”
“أستمع.”
أشارت إلى لوحة خشبية بجانب المكتب.
“أولًا، تسجّل اسمك ومستواك الحالي.”
“ثم تُنجز مهمة تقييم أساسية.”
“لتثبت أنك لست عديم الفائدة تمامًا.”
“بعد ذلك تحصل على عضوية مؤقتة لمدة 30 يومًا.”
“إذا بقيت حيًا حتى ذلك الحين، تصبح عضوًا كاملًا.”
ألقى «إيثان» نظرة على اللوحة.
كانت تحتوي قائمة طويلة من الأسماء يتبعها أرقام.
“المستويات”، قال.
“كيف يتم قياسها؟”
نظرت إليه «سيرا» بغرابة.
“أنت حقًا لا تعرف شيئًا. هل وصلت إلى هنا بالحظ؟”
“نعم”، أومأ.
مدّت يدها تحت المكتب وأخرجت كرة بلورية صغيرة، بحجم قبضة اليد، ينبعث منها ضوء خافت.
“ضع يدك على هذا.”
“يقيس قوتك.”
“وسيحدد مستواك.”
نظر «إيثان» إلى الكرة للحظة.
يوميكو.
[الجهاز آمن.]
[يقيس فقط تردد الأبعاد.]
[لا يمكنه اكتشافي.]
وضع «إيثان» كفه على البلورة.
للحظة… لم يحدث شيء.
ثم ارتعشت البلورة.
انتشر نبض خافت من الضوء داخلها.
وفجأة اشتدّ الوهج.
اشتعلت البلورة بضوء قوي ملأ منطقة المكتب بالكامل.
اتسعت عينا «سيرا» من الصدمة.
ثم خفّ الضوء بالسرعة نفسها التي ظهر بها.
داخل البلورة، بدأت رموز متوهجة بالتشكّل ببطء.
رموز لم يتعرّف عليها «إيثان».
حدّقت «سيرا» في الأرقام.
ثم نظرت إليه.
ثم عادت إلى البلورة.
“هذا…”
خفت صوتها بتردد.
انتظر «إيثان» بهدوء.
وأخيرًا، تنحنحت.
“المستوى 2.”
كان صوتها غريبًا.
نصفه عدم تصديق…
ونصفه حيرة.
“أنت في المستوى 2.”
رمش «إيثان».
“هل هذا سيئ؟”
ضحكت «سيرا» ضحكة قصيرة.
“سيئ؟ لا.”
“إنه فقط… غير معتاد.”
هزّت رأسها ببطء.
“معظم الغرباء يصلون إلى هنا في المستوى 0.”
“وإن كانوا موهوبين جدًا، قد يصلون إلى المستوى 1.”
“لكن المستوى 2 فورًا؟”
تفحّصته مجددًا.
هذه المرة بعناية أكبر.
“ماذا كنت بالضبط قبل أن تأتي إلى هنا؟”
فكّر «إيثان» للحظة…
ثم أجاب:
“شيئًا أشبه بمسافر.”
درسته «سيرا» لعدة ثوانٍ…
ثم هزّت كتفيها.
“حسنًا.”
“احتفظ بأسرارك.”
“الجميع يفعل ذلك في البداية.”
سحبت استمارة وبدأت بالكتابة.
“الاسم؟”
“إيثان.”
“فقط إيثان؟”
“في الوقت الحالي.”
أطلقت شخيرًا، لكنها دوّنت الاسم على أي حال.
“حسنًا يا إيثان صاحب المستوى 2.”
مدّت يدها خلفها وسحبت ورقة من مجموعة مرتبة بعناية.
ثم سلّمتها له.
“هذه مهمتك الأولى.”
نقرت على الصفحة بإصبعها.
“جنوب البلدة يوجد مزارع يُدعى غاريك.”
“يعاني من وحوشٍ فاسدة تهاجم مواشيه.”
“المخلوقات ضعيفة.”
“ربما في المستوى 1 كحد أقصى.”
مالت قليلًا إلى الخلف.
“اذهب واقتل بعضها.”
“وأحضر دليلًا.”
“وبذلك تُنهي تقييمك.”

تعليقات الفصل