تجاوز إلى المحتوى
عبد الظل

الفصل 186

الفصل 186: وجدتها

استغرق ساني وقتًا طويلًا ليلاحظ الشذوذ لعدة أسباب، أولًا، كان خفيًا إلى درجة جعلت ملاحظته شبه مستحيلة، كان ذهنه كله منصبًا على أفكار تقنيات القتال وأساليبه، ومع ذلك لم يره إلا بالصدفة

السبب الثاني كان مرتبطًا بقراره مواجهة المكرمة الحجرية دون تعزيز قدرة سمته، وبسبب ذلك لم يكن للظل ما يفعله، فعاد ليتصرف كظل حقيقي، وراح يكرر كل حركة يقوم بها ساني بطاعة أثناء القتال

أما السبب الأخير فكان إيفي — أو بالأحرى، حقيقة أنها جلبت مصدرًا للضوء إلى الوكر المخفي، مما جعل الظل مرئيًا بالفعل

وبسبب هذا التداخل الغريب من الأحداث، تمكن ساني من رؤيته

كان في خضم معركة شرسة ضد المكرمة الحجرية، والعرق والدم ينسابان على جسده المتهالك، وكان صليل السيوف يملأ الحجرة ويغمر صوت أنفاسه الخشنة المتعبة، وبعد أن صد ضربة أخرى، انحنى ساني بسرعة وترك حافة درع المخلوق تصفر في الهواء فوق رأسه

محاولته غير المتقنة لتقليد أحد ردود المكرمة الحجرية الانفجارية أوقفت بسهولة، وواصلا المبارزة، وهذه المرة استمرت مدة طويلة على نحو خاص، وكان ساني شبه متأكد أنه صمد أمام الهجوم الخانق لذلك المسخ لمدة دقيقة ونصف

إن كان ذلك صحيحًا، فهذا أفضل رقم يحققه في حياته

بعد عدد لا يحصى من المنازلات مثل هذه، كان يدخل أحيانًا حالة انسياب خاصة، في تلك الحالة يكون ذهنه هادئًا وصافيًا ويعمل بسرعة هائلة، وعندما يدخل ساني هذه الحالة يصبح انتباهه حادًا كالنصل، وفي الوقت نفسه غريبًا غير مركز

عادة، كان عليه أن يركز على تفاصيل محددة، مثل مراقبة حركة أقدام العدو ليتوقع من أين ستأتي الضربة التالية، وكان ساني قادرًا حتى على تقسيم ذهنه إلى قسمين، قسم يلتقط المعلومات التي تصل عبر عينيه، بينما ينشغل القسم الآخر بما يراه الظل

بهذه الطريقة، كان يستطيع إما التركيز على عدوين في الوقت نفسه، أو امتلاك رؤية كاملة لمحيطه، حتى لا يتمكن أحد من التسلل خلفه

لكن عندما لم يكن انتباهه مركزًا على شيء بعينه، كان بطريقة ما قادرًا على إدراك كل شيء، كل تفصيل، سواء كان حركة أقدام العدو، أو اتجاه نظرته، أو التغير الطفيف في البيئة، يتحول ببساطة إلى جزء من نسيج شامل يدركه ككل

لا داعي للقول إن هذه القدرة على رؤية كل شيء في وقت واحد، والتفكير بالسرعة الكافية للتصرف وفق ذلك، رفعت أداءه القتالي بشكل هائل، وكانت متناغمة مع ذلك الإحساس الغريب بالوضوح الذي وصل إليه بعدما كاد يموت في معركته ضد أول قائد مئة مدرع واجهه

…في تلك اللحظة، دخل ساني حالة الانسياب هذه مرة أخرى، وبعد بضع تبادلات إضافية، لاحظ فجأة أن هناك شيئًا غريبًا في ظله

وبشكل غريزي، منحه مزيدًا من الانتباه وهو يواصل القتال

وعندها أدرك أن حركات ظله، رغم أنها كانت شبه مطابقة لحركاته، ليست هي نفسها تمامًا

كان هناك فرق طفيف للغاية، يكاد لا يُلاحظ، لكنه كان يشعر بأن شيئًا واسعًا وعميقًا يختبئ داخل هذا الاختلاف الصغير

مذهولًا، أبطأ حركته وحدق في الظل

‘ماذا… ماذا رأيت للتو؟’

كان ساني مذهولًا إلى درجة أنه نسي لوهلة أين كان، وفي الثانية التالية، ضربته حافة درع المكرمة الحجرية في صدره، فأرسلته طائرًا نحو الجدار مرة أخرى

ارتطم ساني بالحجارة الباردة، وسقط على الأرض، وأنَّ بأنفاس ضعيفة

‘آه، هذه كانت مؤلمة’

لكنه نسي الألم فورًا، جلس ساني وراح يحدق في ظله بعينين واسعتين

اللهم صلِّ على سيدنا محمد ﷺ.

‘هذا… هذا…’

ماذا رأى؟

حركات الظل، رغم أنها مطابقة لحركاته، كانت أيضًا مختلفة، كان الأمر… كان…

كأن نورًا اشتعل في رأسه… أو بالأحرى، كأن النور غرق داخل الظلال… فجأة أصابت ساني لحظة فهم خاطفة، وكان هذا الكشف مذهلًا لدرجة أنه كاد يصرخ بصوت عال

الاختلاف بينه وبين ظله لم يكن عشوائيًا، ولم يكن فوضويًا، كان ثابتًا ومتناسقًا، وكأنه يلمح إلى معنى أعمق، وذلك المعنى كان…

أن لظله أسلوب قتال خاصًا به

لم يرَ ساني سوى لمحة منه عبر ذلك التفاوت البسيط في الحركات، لو أن أحدًا لا يعرف الظل كما يعرفه هو، لما لاحظ شيئًا أبدًا، وحتى هو لم يره إلا بالصدفة

ما رآه لم يكن كافيًا ليستنتج شيئًا عن ذلك الأسلوب سوى أنه موجود، لكنه كان قادرًا أيضًا على الإحساس بجوهره، كان انسيابيًا وماكرًا، بلا شكل ومتغيرًا دائمًا، تمامًا مثل الظل نفسه

كان هذا الوصف قريبًا جدًا من طبيعته إلى درجة أن ساني شعر أنه من الآمن أن يفترض أن حركات أسلوب القتال ليست شيئًا يؤديه الظل عن قصد، بل هي تجلٍّ لصفته الفطرية

هل… هل كان لظله فن قتال مندمج في كيانه نفسه؟

“…إنه مساعد لا يقدر بثمن” همس

إن كان ذلك صحيحًا، فقد وجد ساني للتو جواب السؤال الذي كان يعذبه في الأيام القليلة الماضية

بينما كان أسلوب القتال الذي سلمته له نيفيس مرنًا وقاتلًا، وكانت تقنية المكرمة الحجرية عصية وخانقة، إلا أنهما لم يكونا أسلوبه هو، مهما تدرب عليهما، كان يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا

التميّز

فقط عبر صنع أسلوبه الخاص سيتمكن ساني من أن يصبح ندًا لأفضل المقاتلين هناك، وحتى ذلك الحين سيبقى مجرد مقلد

بالطبع، ابتكار أسلوب قتال حقيقي لم يكن شيئًا يستطيع مبتدئ مثله فعله، وأكثر من ذلك، هناك فرق بين معرفة أن ذلك الأسلوب الظلي الغامض موجود، وبين فهم ماهيته فعلًا

لكن رغم ذلك، رغم ذلك… كانت هذه بداية، إن تعلم السر المختبئ داخل ظله ودمجه مع قابلية التكيف الانسيابية لأسلوبه الحالي، فماذا ستكون النتيجة؟

نهض ساني، وبصق فمًا من الدم، ومسح العرق عن جبينه، ثم سار نحو معذبه، المكرمة الحجرية

رافعًا شظية منتصف الليل، شد على أسنانه وقال:

“مرة أخرى!”

وسرعان ما دوى صليل السيوف في الحجرة المخفية مرة أخرى

لكن هذه المرة، كان ساني يراقب ظله عن قرب

التالي
186/1٬000 18.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.