تجاوز إلى المحتوى
عبد الظل

الفصل 2592: جوع الحياة

الفصل 2592: جوع الحياة

رأى ساني أرضًا قاحلة شاسعة تستقر تحت سماء زرقاء. وفي قلبها، كانت شتلة صغيرة تكافح وهي تقاوم ضغط التربة الساحق، حالمةً بالنور. وسرعان ما تحررت من مهدها المظلم الحاني، واغتسلت بالإشراق، تمتص دفء الشمس وتداعبها الرياح

وفي النهاية، نمت الشتلة الصغيرة حتى صارت شجرة عظيمة، تعلو فوق الصحراء المحيطة. انتشرت جذورها بعيدًا وواسعًا، وغاصت عميقًا في الأرض؛ وامتدت أغصانها نحو الغيوم، تتمايل وكأنها تريد لمسها

أثمرت الشجرة فاكهة عجيبة، وجذبت رائحتها كائنات جاءت من بعيد لتتذوقها — حكام عظماء وأرواح، ووحوش وعمالقة… وبشر أيضًا، يرتدون الفراء ويحملون أدوات مصنوعة من الصوان

لكي يشبعوا جوعهم، ويملأوا الفراغ في قلوبهم

مر الزمن، ولم تعد الأرض القاحلة موجودة. بدلًا من ذلك، غطت غابة عظيمة امتدادها المقفر، مليئة بالحيوية والحياة. سكنت كائنات لا تُحصى أعماقها الخضراء، تعيش في سلام مع بعضها. لم يكن هناك جوع ولا صراع، ولا خلاف ولا عنف بين من سكنوا حديقة السعادة — بل وئام فقط

كانت الشجرة قد ازدادت طولًا بشكل هائل. حفرت جذورها عميقًا في الأرض، وبلغت الظلمة الهادئة لعالم الظل؛ وامتدت أغصانها عاليًا في السماء، تغتسل بضوء العالم السماوي. كانت الغابة كلها مولودة منها، وكانت جزءًا منها — كانت جذور كل الأشجار هناك متشابكة، مكوّنة كائنًا واحدًا عظيمًا

وكان كل شيء بخير

…حتى جاءت الرياح الباردة

ببطء، وتدريجيًا، زحف برد غريب على الغابة من الغرب. جاء البرد أولًا، ثم جاء الثلج — وما إن بدأ الثلج يتساقط، حتى لم يتوقف أبدًا. وسرعان ما أخفت أكوام عظيمة منه كل ما تقع عليه العين، واحتجبت السماء، وهاجت عاصفة ثلجية لا ترحم عبر العالم، مغلفة كل شيء بالجليد

تجمدت أوراق الأشجار الخضراء وتحطمت، واسود لحاؤها وتشقق، ولم تعد الثمار الذهبية تنمو على أغصانها. صمد سكان الغابة ما استطاعوا، لكن في النهاية، وقد طاردهم البرد القاسي والجوع، هربوا من بيوتهم وجحورهم، آملين أن يجدوا النجاة من البرد في أراض بعيدة. تاركين الحديقة السعيدة خلفهم

وفي النهاية، أصبحت الغابة متجمدة وخاوية

كانت الشجرة العظيمة في قلبها لا تزال حية، مغلفة بالجليد، لكنها عاجزة عن كسره. كل ما استطاعت فعله هو أن تحلم بالنور، وبالدفء… وبأن تكون فتية وقوية مرة أخرى

عندها ظهرت شيطانة جميلة، عيناها زرقاوان مثل سماء الصيف الدافئة

طُرد البرد الخبيث بإرادتها. وذاب الدرع الجليدي الذي غلف العالم. انتهى عصر الثلج والجوع الطويل الذي تسبب به ذلك البرد الغريب، وسرعان ما ارتفعت شتلات جديدة من التربة الحانية، ممتلئة بأوراق خضراء، وأحلام ضوء الشمس… والحياة

بعد أن مُنحت الغابة هبة السكينة من الشيطانة الجميلة، استعيدت ووُلدت من جديد. واستعادت الشجرة العظيمة شبابها. ومنذ ذلك الحين، كان الشتاء يأتي كل عام — لكنه كان يتبعه الربيع كل عام أيضًا

استمرت الحياة

كانت تلك هي الرؤية التي رآها ساني… لكنه رأى رؤية مختلفة في الوقت نفسه أيضًا

في البداية، كانت متشابهة إلى حد كبير

لكن بعد ذلك، تغيّر جوهرها بخفاء

كانت الغابة العظيمة لا تزال تمتد تحت السماء الدافئة. وكانت كائنات لا تُحصى لا تزال تسكن أعماقها الخضراء، ولا تزال لا تعرف جوعًا ولا صراعًا — بل السلام فقط

مَجـرَّة الرِّوايَات تتمنى لكم أوقاتاً ممتعة بين السطور، ولا تنسوا ذكر الله.

لكن لم يكن في ذلك السلام أي وئام

بل كان فيه ركود ورعب فقط

نمت الأشجار التي لا تُحصى بلا سيطرة، تلتهم جذور بعضها وتقتل أشقاءها في منافسة يائسة على موضع تحت الشمس. غطت الأرض طبقات لا تُحصى من الأغصان الميتة، والأوراق البنية، والثمار الساقطة، وكانت تلك الكتلة اللامتناهية كلها تتعفن في الحر الخانق للغابة الأبدية

كانت الوحوش والبشر الذين لا يعرفون جوعًا ولا صراعًا يتكاثرون بلا نهاية، لكن عقولهم صارت أضعف وأكثر وهنًا مع كل جيل — فبلا حاجة إلى القتال من أجل أي شيء، لم تكن لديهم حاجة إلى السعي والتطور، ونتيجة لذلك، تدهورت عقولهم وأجسادهم تدريجيًا

وفي النهاية، تضخمت أعدادهم إلى حد أن موارد الغابة العظيمة اللامحدودة لم تعد قادرة على إعالتهم. لذلك، وفي جوعهم اللامتناهي، انقلبوا إلى التهام بعضهم بلا توقف، وصارت دماؤهم وعظامهم سمادًا لا ينضب للأشجار النامية…

كانت حياتهم وموتهم يغذيان جذور الشجرة العظيمة، ويشبعان جوعها هي أيضًا، ذلك الجوع اللامحدود، المرعب، الذي لا يرتوي

مدفوعة به، واصلت الشجرة العظيمة النمو، والنمو، والنمو… تنمو بلا نهاية وتجوع بلا نهاية، إلى الأبد

حتى ظهرت شيطانة جميلة، عيناها زرقاوان مثل جليد الشتاء البارد

استُدعي برد خبيث بإرادتها. زحف على الغابة البدائية من الغرب، وتبعته عاصفة ثلجية هائجة. وما إن بدأ الثلج يتساقط، حتى لم يتوقف إلى أن غطى العالم كله، خانقًا الغابة ومغلفًا الشجرة العظيمة في سجن من الجليد

ومع عدم وجود دفء في أي مكان، ولا ثمار تُجمع، هرب سكان الغابة من امتدادها الجرداء وتفرقوا عبر العوالم. وقفت حديقة الجوع خاوية، مجردة من الحياة

لم يبق سوى الشجرة العظيمة، مغطاة بالجليد وتعاني الجوع

ثم تسلقت الشيطانة الجميلة أغصانها… وتحدثت إليها

وبعد فترة، ذاب الثلج، وذاب الجليد أيضًا. نبتت شتلات جديدة من الأرض، وعادت الحياة الخضراء إلى الأرض التي استعادت شبابها. ونمت الغابة من جديد

لكن منذ ذلك الحين، كان الشتاء يأتي دائمًا، واضعًا حدًا للصيف

وهكذا، كان العالم يحصل على فرصة ليستريح من جوعه… من جوع الحياة اللامحدود إلى النمو والامتداد

تمايل ساني، عاجزًا عن استيعاب الفوضى المختلطة من الصور التي هاجمت عقله

أطلق تأوهًا متألمًا، رافعًا يدًا واحدة ليمسك رأسه الموجوع

ثم حرّك أصابعه أبعد على طول خيط الضوء الذهبي

وحين فعل ذلك، انكشفت له رؤية جديدة…

رؤية الشجرة العظيمة وهي تعاني من لعنة مروعة

التالي
2٬592/3٬042 85.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.