الفصل 761
الفصل 761: الشموع المشتعلة
في صباح اليوم التالي، اقترب ساني من البوابات الحمراء الضخمة للأكاديمية ووقف هناك لحظات، يتأمل آلاف الشموع التي كانت تشتعل أمام الخندق العميق المحيط بها، وكانت ألسنة لهبها تتمايل وتلمع عبر الثلج المتساقط، لتتحول إلى بحر جميل من التوهج البرتقالي
عندما عاد جيش الحالمين فجأة من الشاطئ المنسي، وأثار عاصفة بعودته غير المتوقعة إلى الحياة، بدأ الناس يضعون هذه الشموع أمام الأكاديمية من أجل من بقيت هناك… الابنة الأخيرة من عشيرة اللهب طويل العمر، النجمة المتغيرة، وكان بعضهم يعتقد أن نيفيس لن تموت ما دامت شمعة واحدة على الأقل تواصل الاحتراق
ما دامت مشتعلة، فلن ينطفئ اللهب طويل العمر
والآن، بعد عامين، لم ينقص عدد الشموع ولو قليلا، بل في الحقيقة، صار أكثر من أي وقت مضى، ولم تبق أسطورة النجمة المتغيرة حيّة فقط، بل واصلت النمو والانتشار
في البداية، ربما كانت الشموع مجرد إشارة يائسة من أناس تمسكوا بالأمل رغم كل شيء في أن تبقى على قيد الحياة، لكن مع كل يوم كانت فيه نيفيس تتحدى الموت بطريقة ما وتواصل الصمود، وحيدة في ظلمة عالم الأحلام الملعونة، كانت شهرتها ونفوذها يزدادان
لم يستطع أحد تفسير كيف تنجو في الهاوية المقفرة عديمة النور في الشاطئ المنسي، لكنها دون شك لم تستسلم لفزعه الذي لا يوصف، وكان ساني يعرف ذلك أكثر من أي أحد… لكن الآخرين كانوا يعرفون ذلك أيضا
لم تكن الحكومة تتردد في إذكاء حماسة الناس المضللة واستخدام نيفيس لتغذية حاكم الدعاية، مرسومة بوصفها رمز الروح الإنسانية النبيلة التي لا تنكسر، وكان من السهل عليهم التأكد من أن النجمة المتغيرة ما زالت حية، فعلى عكس من تحوّلوا إلى أجوف، كان من مثلها يظهر علامات نشاط دماغي شبيهة بنشاط شخص يحلم، لذلك لم يحتاجوا حتى إلى اختلاق دليل مزيف
…حتى الآن، كان قد وُضع أمام الأكاديمية ما لا يقل عن مئة ألف شمعة مشتعلة، حيث كانت تنام في حجرة تحت الأرض شديدة الحراسة
تنهد ساني، ثم حوّل نظره إلى هيئة رقيقة راكعة أمام الشموع، كانت كاسي تشعل واحدة من شموعها، تنتظر حتى يذوب بعض الشمع ويسيل إلى الأرض، ثم تضع الشمعة قرب غيرها وتنهض
كانت ترتدي ملابس مدنية، مظهرها مرتب وعادي، لكن رغم ذلك لم يكن أحد ليخطئ ويظنها شخصا عاديا، فجمال الفتاة العمياء المهيب والغريب عن هذا العالم كان يحيط بها كحاجز غير مرئي، فيجعل بعض من جاءوا لإشعال شموعهم يبتعدون عنها، ينظرون إليها بخشوع مذهول
من دون أن تعيرهم أي اهتمام، عقد ساني حاجبيه قليلا وسار نحوها، ومع اقترابه، بدا كأن ظلال الشموع المشتعلة تزداد عمقا قليلا
“أهلا بعودتك إلى العالم الحقيقي، متى وصلت؟”
توقفت كاسي لحظة، ثم التفتت إليه وابتسمت ابتسامة صغيرة
“قبل دقائق فقط، رباط عودتي هنا، في الأكاديمية”
أومأ ساني برأسه
كأسياد، كانا قادرين على السفر جسديا إلى عالم الأحلام متى شاءا، وبمجرد وصولهما إلى هناك، كانا يظلان مرتبطين بمرساة البوابة، ويجب عليهما استخدامها للعودة إلى العالم الحقيقي
لكن في الوقت نفسه، ومع ازدياد قوة ارتباطهما بعالم الأحلام، صار ارتباطهما بعالم اليقظة أقل ثباتا قليلا، وللعودة، كان على كل مرتق أن يصنع رباطا، علامة غير مرئية تعمل كمنارة في رحلة الرجوع، وكانا يظهران في الموضع الذي يوضع فيه رباط العودة
لم يكن صنع رباط العودة أو نقله صعبا جدا، لكنه كان يحتاج إلى بعض الوقت، أما رباط ساني فكان موضوعا في الدوجو تحت منزله، لكن كاسي كان عليها أن تختار مكان رباطها بحذر أكبر، فمباغتة السيد لحظة عودته هي أفضل طريقة للإمساك به وهو في أضعف حالاته، لذلك كانت الأكاديمية شديدة الحراسة خيارا جيدا
نظر ساني إلى كاسي بقلق، ثم سألها:
“كيف… كيف حالك؟”
ابتسمت الشابة
“ليس سيئا جدا، كنا مشغولين خلال هذه الأشهر الستة، نستكشف البرج العاجي، ونعيد السفينة الطائرة إلى مجدها الحقيقي… والآن بعدما درستها وهي في أوجها، صار لدينا الكثير مما نستطيع فعله”
كان ساني يعرف أن كاسي أمضت وقتا طويلا تتعلم من نوكتيس عن سفينته المدهشة، ويبدو أنها كانت تستخدم تلك الدروس بطريقة جيدة
أظلم وجهه قليلا
“…هل ما زلت تخططين لنقلها فوق الجبال الجوفاء؟”
تنهدت الفتاة العمياء
“نعم… ربما، حراس النار ما زالوا أضعف من أن يقوموا بتلك الرحلة، لكن ربما… ربما تفاوض اليوم سيغير الأمور، فعشيرة فالور تعرف عن الجبال الجوفاء أكثر من أي أحد”
سخر ساني
“وأنت تظنين أنهم سيشاركونك تلك المعرفة ببساطة؟”
توقفت كاسي لحظة، ثم رفعت كتفيها بضعف
“ولم لا؟ الآن بعد موت كورماك المكرم، لا بد أن يستمر شخص ما في مهمته”
ترددت قليلا ثم سألت:
“إن ذهبنا… هل ستأتي معنا؟”
ضحك ساني
“لا أدري، يا للعجب… لماذا صار الجميع فجأة يريدونني أن أذهب معهم هذه الأيام؟”
واجهته كاسي وبقيت صامتة لحظات، ثم قالت ببساطة:
“لأنك قوي”
نظر إليها ساني بابتسامة خفيفة، ثم أدار وجهه بعيدا
“أظن أنني كذلك، على أي حال… هل أنت مستعدة للتفاوض؟ قد تسوء الأمور علينا كثيرا، كما تعلمين”
أومأت الفتاة العمياء وأدارت ظهرها لبحر الشموع المتوهجة
“…أعرف”
وبينما كانت تقول ذلك، ظهرت في مجال الرؤية مركبة نقل شخصية سوداء فاخرة، وتوقفت على مسافة غير بعيدة، وانزلق بابها مفتوحا، وخرج ممثل العشيرة العظيمة فالور إلى الرصيف
عندما رأى ساني من هو، هبط وجهه
شد على أسنانه
‘تبًا…’
من بين كل الناس… لماذا يجب أن تكون هي؟

تعليقات الفصل