الفصل 291
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
247: إضافي 9 – القصر الذي لم يتغير
كانت قاعات القصر، التي لم يزرها فلاد منذ فترة طويلة، تفيض بعبق الألفة. كان هذا هو مسكن عائلة بايزيد، المكان الذي وصل إليه خلف جوزيف، ولم يكن يحمل سوى سيفه في تلك الأيام الشتوية القارسة. وعلى نقيض ذلك الوقت الذي بدا فيه كل شيء غريبًا، صار هذا القصر الآن يشعره وكأنه منزله الثاني.
“لم يتغير شيء في هذا القصر.”
“لا يوجد سبب لتغييره، وإن كان قد غدا أكثر حيوية مؤخرًا.”
سار فلاد خلف ياجر وهو يلتفت يمنة ويسرة، مستمتعًا بمشاهد القصر التي كانت تبعث في نفسه الحنين، حيث استعاد ذكريات الأيام التي كان يقتفي فيها هذه المسارات نفسها حين كان فارسًا.
“لم أكن أعلم أنك أصبحت قائد الفرسان.”
مرا بقاعة الطعام حيث تقاسم النقانق مع بورتي ذات مرة، وفي الأمام، استطاع رؤية ساحة التدريب التي تعرض فيها للإذلال لأنه لم يكن يجيد ركوب الخيل. ولكن من بين كل تلك المشاهد الساكنة، كان أكثر ما لفت انتباهه هو هيئة ياجر الذي يسير أمامه.
“كنت تقول دائمًا إنك تكره المتاعب، ومع ذلك قبلت منصب القائد؛ لم أتوقع منك هذا.”
“…لم تكن لدي نية لتولي المنصب، ولولا طلب السيدة أوكسانا لرفضت الأمر رفضًا قاطعًا.”
كان ياجر يكره المنغصات، وخاصة تلك التي تجلب أعباءً إضافية. ولأن فلاد يعرف شخصيته جيدًا، وجد من المدهش قبوله لهذا الدور، ويبدو أن حتى ياجر كانت لديه أسبابه.
“السيدة أوكسانا؟”
“بفضلك، نال اسمي هيبة غير متوقعة، وأظن أن السيدة أوكسانا أرادت استغلال ذلك بطريقة ما.”
لقد ذُهلت القارة بظهور سيد سيوف جديد؛ ففلاد، الذي جسد مشهدًا أسطوريًا بهزيمته لأقدم تنين، كان أول سيد سيوف يظهر منذ عهد الملك المؤسس فروسين. وكان من المنطقي أن ترغب عائلة بايزيد في الاستفادة من شهرته.
“في النهاية، ساعدك وجود تلميذ نجب على الارتقاء بمكانتك.”
“…استمر في العيش داخل فقاعة نرجسيتك تلك.”
دون مزيد من الرد، قاد ياجر فلاد عبر ممر لم يألفه من قبل، وهو جزء مركزي من القصر لم يطأه فلاد خلال أيامه كفارس.
“هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها إلى هنا.”
“وكانت لتحدث مشكلة لو أنك دخلته من قبل، فليس للفارس عمل هنا.”
ضحك ياجر بسخرية، لكن ضحكته لم تكن مستفزة؛ ربما لأنه لا يزال يرى فلاد كشخص تحت رعايته.
“تفضل، ادخل.”
“فهمت.”
الغرفة التي كانت تخص بيتر آلت الآن إلى روتيجر. طرق ياجر الباب بخفة، وكأن من بالداخل كانوا ينتظرونهم، ففتح الباب بصرير خافت.
سرٌّ يحميه راغموس الذي رقد بسلام الآن؛ مكان يقع في أعماق القصر ولا يمكن الوصول إليه إلا بتصريح من زعيم عائلة بايزيد.
“أنت متأخر أكثر مما توقعت يا فلاد.”
رغم غرابة المكان، كان هناك شيء مألوف في انتظاره: ابتسامة ترحيب حارة.
“منذ الصباح والغربان تحلق في الأجواء، لقد أخبرتني بقدومك.”
ابتسم له الرجل ذو الشعر الأسود تحت ضوء الشمس الذي غمر المكتب المليء برموز السلطة. ومع ذلك، حتى في هذه الأجواء الرسمية، جعل وجود روتيجر بايزيد المكان يبعث على الدفء والترحاب.
“تفضل، لا بد أن الرحلة كانت شاقة.”
قذف روتيجر، القائد القادم لعائلة بايزيد، شيئًا نحو فلاد بابتسامة عريضة قائلًا: “لن ترفض هذه المرة، أليس كذلك؟”
“…يا لك من حقود.”
لم يتمكن فلاد من منع نفسه من الابتسام وهو يلتقط حبة الفول السوداني الصغيرة التي ألقاها روتيجر نحوه.
***
“في الآونة الأخيرة، أشعر أن كل يوم يمر يساعدني على فهم قدراتي الخاصة بشكل أفضل.”
كان روتيجر يجلس في استرخاء تام، ممددًا ساقيه، وكانت تنهيداته الطويلة تشير إلى راحته؛ وهي وضعية لا يمكن للمرء أن يتخذها إلا أمام شخص مقرب.
“كنت أظن دائمًا أنني سأبرع في هذا الأمر، لكن قيادة عائلة أصعب بكثير مما تصورت.”
“يبدو الأمر كذلك فعلاً.”
كان فلاد يرتشف الشاي الذي قدمته له دوروثيا، وهو يراقب روتيجر بطرف عينه. بدت بشرته شاحبة أكثر من المعتاد، وكأنه لم يرَ الشمس منذ فترة طويلة، والهالات السوداء تحت عينيه غائرة، مما يدل على حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه. ورغم أن فلاد كان يرى دائمًا أن روتيجر وجوزيف مختلفان، إلا أنه حين رآه الآن، لم يسعه إلا ملاحظة الشبه الكبير بين وجه روتيجر ووجه شقيقه الراحل.
“وفي خضم كل هذه التحديات، تمثل أنت جزءًا كبيرًا من المشكلة.”
“أنا؟”
هز فلاد كتفيه باستغراب، وكأنه لم يفهم المقصود، لكن روتيجر، الذي أزعجه هذا الموقف غير المبالي، قطب حاجبيه.
“تأثيرك يتجاوز حدود أي عائلة، ومع ذلك لا تزال تعيش في نزل! هل تدرك حجم الشكاوى التي أضطر للتعامل معها بسببك؟”
“هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذا الأمر.”
“هذه هي المرة الثالثة التي أضطر فيها لإقناع العمدة بوردان بالعدول عن استقالته، حتى دوق الحديد عرض عليك إقطاعية… لماذا ترفض الاستقرار؟”
أسس سيد السيوف الأول إمبراطورية كاملة، أما سيد السيوف الجديد فلا يريد حتى إقليمًا خاصًا به، مما جعل الجميع في حيرة من أمرهم.
“ماذا عن موشيام؟ لا تزال بلا حاكم.”
“إنه مكان لا يربطني به شيء، ولا أحبه.”
“ماذا لو حولنا الحي الفقير إلى منطقة مستقلة؟”
“لا حاجة لذلك، فهم يديرون شؤونهم جيدًا بدوني.”
“…”
أطلق روتيجر تنهيدة طويلة، محبطًا من رفض فلاد القاطع.
“ألا تشعر بالراحة في سوارا؟ أليس وجودك هناك مفيدًا؟”
“بلى، هو كذلك… لكن هذا لا ينفي أنه يسبب لي المتاعب.”
ومع انهيار السلطة الإمبراطورية، حوّل وجود فلاد في سوارا المدينة إلى بؤرة للاهتمام الكبير، وبينما جلب هذا فوائد جمة، إلا أنه وضع ضغطًا هائلًا على روتيجر كزعيم لعائلة بايزيد.
“ولكن بغض النظر عن هوية السائل، الجميع يواصل الضغط عليّ. بصراحة، إنه أمر يسبب الصداع.”
ومع ذلك، لكي يمتلك المرء سيفًا رائعًا، عليه أن يتحمل ثقله. والشخص الذي كان يواجه الأمور المثارة باسم فلاد، دون أن يتلقى أي إجابات واضحة، لم يكن سوى روتيجر المرتبط به وثيقًا.
“إذًا، ألن تصبح إمبراطورًا؟”
جعل هذا السؤال الذي طُرح بشكل عابر الأجواء في المكتب تتوتر فجأة، حتى دوروثيا التي كانت تقدم الشاي توقفت للحظة.
“…ربما يكون من الأفضل أن نبدأ عهدًا جديدًا للجميع.”
للتخلص من مآسي عصر ما، يتحتم أحيانًا تدميره بالكامل. وتمامًا كما انفصل كيهانو عن عصر التنين، كان على فلاد الآن أن ينفصل عن عصر الإمبراطورية.
“أفهم ذلك.”
ابتسم روتيجر، وكأن رد فلاد كان تمامًا ما توقعه.
“سنكمل حديثنا غدًا، استرح الآن.”
“فهمت.”
عندما وصلوا إلى ستورما كان الوقت ظهرًا، أما الآن فقد بدأت الشمس تصبغ السماء بحمرتها.
“أوه، قبل أن تذهب للراحة، هناك بعض الضيوف الذين يودون رؤيتك.”
“فهمت.”
“وإن كان لديك متسع من الوقت، فعليك إلقاء نظرة على الفرسان الجدد، فهم مرؤوسوك كما تعلم، فامنحهم بعضًا من اهتمامك.”
“…”
رغم أنه صاغ الأمر كطلب، إلا أن نبرته كانت قوية على نحو غير معتاد، مما جعل الأمر يبدو وكأنه التزام، ولم يجد فلاد بدًا من الإيماء بالموافقة على مضض.
“وأيضًا…”
“ماذا الآن؟”
أوقفه صوت روتيجر، فنظر إليه فلاد بإحباط، لكن كلمات روتيجر التالية أسكتته.
“عليك زيارة والدتنا، أنا واثق أن رؤيتك ستسعدها كثيرًا.”
“…”
كانت ستورما تضج بالاحتفالات استعدادًا للمهرجان القادم، لكن المكان الذي تقيم فيه تلك المرأة ظل هادئًا على نحو غريب. امرأة كانت تقف يومًا بعد يوم أمام شاهد قبر، وقد نهش الحزن قلبها. تذكر الابتسامة التي كانت تمنحها له دائمًا كأم، فأومأ فلاد برأسه ببطء قبل أن يغادر الغرفة في صمت.
***
“…متى سيصل يا تُرى؟”
وفي ممر مظلم خيم عليه الليل، فُتح باب بصمت. ومن داخل الغرفة، أضاء ضوء خافت من شمعة خصلة من الشعر الأحمر البارز. زيمينا، التي كانت تطل برأسها من وراء الباب وتنظر نحو الممر، انكمشت بسرعة، وقد تملكها الرعب من الصمت المطبق المحيط بها.
“من المفترض أنني سيدة، فهل يصح ترك سيدة وحيدة هكذا؟”
ففلاد الذي غادر لمقابلة الكونت الجديد لم يعد بعد، وغوته الذي ادعى أنه ذاهب لرؤية بعض المعارف لم يعد هو الآخر، ومن المرجح أنه يستمتع بالشراب في مكان ما. في تلك اللحظة، كانت زيمينا الوحيدة المتبقية في الغرفة.
“أولئك الحمقى! سألقنهم درسًا لن ينسوه حين يعودون.”
ورغم قسوة كلماتها، إلا أن صوتها كان يرتجف قليلًا. ففي سوارا المألوفة لم تكن لتشعر هكذا أبدًا، أما هنا في ستورما الغريبة، فقد كان الظلام المتزايد يملؤها بالقلق.
“مرحبًا.”
“كياااا!”
بينما كانت زيمينا تتلصص في الممر آملة وصول أحدهم، سمعت صوتًا بجانبها. كان صوتًا واضحًا ومنعشًا، لكن بالنسبة لزيمينا التي كانت أعصابها مشدودة، كان مرعبًا.
“كنت أريد فقط…”
“فستان! أبيض!”
“ربما تبحثين عن فلاد…”
“كياااا!”
تراءى لها طيف شاحب وغريب في الردهة المظلمة. بدا الشكل الخافت لفتاة صغيرة في غير مكانه تمامًا داخل القصر، مما جعل المشهد أكثر رعبًا بالنسبة لزيمينا.
“…هل عليّ العودة لاحقًا؟”
“هيك!”
توقفت كاهنة شجرة العالم وهي تبدو مرتبكة، تراقب زيمينا وهي تنهار على الأرض. لقد هرعت بحماس، تواقة للقاء تلك المرأة ذات الشعر الأحمر التي رأتها في أحلامها، ولكن يبدو أن حماسها كان في غير محله.
“م-من أنتِ؟”
وعندما استطاعت زيمينا أخيرًا النطق بسؤالها، حكت الكاهنة رأسها في حرج. ولأنها تفتقر إلى اسم مناسب، بدت وكأنها تفكر في كيفية تقديم نفسها دون إخافة زيمينا أكثر.
“أنا فقط… أردت أن أعطيكِ هذا.”
ولأنها لا تجيد التعبير بالكلمات، قررت الكاهنة التصرف بدلًا من ذلك؛ فمدت يدها بقطعة ورق، مقدمةً اللوحة التي أحضرتها معها، وكان تعبير الاعتذار واضحًا على وجهها.
“م-ما هذا؟”
“إنه شيء رأيته في حلم.”
أخذت زيمينا، التي كانت تحاول استعادة هدوئها، ورقة الرسم التي قدمتها لها الفتاة وحاولت فحص ما فيها، لكن ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة لم يكن كافيًا لرؤية الرسم بوضوح.
“أعتقد أن فلاد سيحب هذا.”
“إلى فلاد؟”
وعند سماعها لاسم مألوف، بدأت الحمرة تعود إلى وجه زيمينا. لكن في تلك اللحظة، كانت كاهنة شجرة العالم قد بدأت بالفعل في التراجع ببطء نحو الممر.
“أعتقد أنه سيستغرق بعض الوقت قبل أن تبتسمي لي.”
“ها؟”
في أحلامها، رأت الكاهنة المرأة ذات الشعر الأحمر تبتسم لها بحرارة، ومع ذلك، خلال هذا اللقاء الأول، كانت المسافة بينهما لا تزال واسعة جدًا لتكوين تلك الصلة.
“سنلتقي مرة أخرى يا زيمينا.”
وبهذه الكلمات، تركت كاهنة شجرة العالم اللوحة بين يدي زيمينا واستدارت للمغادرة. ظلت زيمينا جالسة على الأرض في حالة من الذهول، تراقب شعر الفتاة الأشقر البلاتيني وهو يتلاشى في ظلام الممر.
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل