تجاوز إلى المحتوى
حكايات غريبة عن الأشباح

الفصل 152 : سانيانغ الكسولة 10

### الفصل 152: سانيانغ الكسولة (10)

مع دويّ صوت الارتطام الحاد بالماء، خلا محيط البئر تمامًا ولم يعد هناك أثر لأحد. في تلك اللحظات، سرت قشعريرة باردة نهشت جسد **لان سانيانغ** بأكمله، وضاق صدرها حتى عجزت عن التقاط أنفاسها وهي تهوي إلى الأعماق السحيقة. لم تكن تدرك قط أن جوف البئر عميق إلى هذا الحد المرعب؛ إذ شعرت وكأنها تستمر في الغرق والوصب إلى ما لا نهاية، حتى استسلمت لظلمة الماء وأغلقت عينيها أخيرًا.

وما إن فرغ أهل القرية من مراسم دفن والد لان سانيانغ، حتى انتبهوا إلى غيابها المفاجئ ولم يعثروا لها على أثر. وأمام هذا الاختفاء الغامض لشقيقتهم الصغرى، اتخذ الإخوة والأخوات موقفًا باردًا وموحدًا؛ إذ أبدوا استعدادهم للتكفل بوالدتهم العجوز والعيش معها، لكنهم رفضوا تمامًا تكبّد أدنى عناء في البحث عن “سانيانغ الكسولة”.

ومع ذلك، ظل هناك شخص واحد لم يطوِ النسيانُ ذكرى لان سانيانغ من قلبه، وهو الشاب **دا نيو**. فكان يقضي نهاراتِهِ يطوف بالقرى المجاورة يقتفي أثرها، ويقضي ليلَهُ واجفًا ينتظر عند مدخل القرية علّها تعود. وتوالت الأيام رتيبة دون أن تلوح في الأفق أي أخبار عنها. حتى كان ذات يوم، حين اشتد به العطش وهو هائم على وجهه، فتوجه نحو البئر ليرتشف بعض الماء، وهناك وقع أمر يخرق العادة؛ فرغم أنه كان في كامل وعيه ونشاطه، إلا أن غمام النعاس غلبه فجأة ودون أي مقدمات.

### اللقاء الحلمي

انقاد دا نيو إلى غياهب الحلم بسرعة خاطفة لدرجة أنه لم يدرك أنه يستغرق في منام، وظل يخيل إليه أنه ما زال يشرب الماء عند البئر. وحين استدار، أبصر لان سانيانغ واقفة على مقربة منه، فترك مغرفة الماء بفرحة عارمة وهرع ليلقاها.

صاح بلهفة: “سانيانغ! أين كنتِ كل هذه المدة؟ لقد أعياني البحث عنكِ طويلاً!”

اكتفت “سانيانغ الكسولة” بالابتسام، وتراجعت خطوة إلى الوراء بوقار.

داخَلت دا نيو ريبة شديدة؛ فسانيانغ التي عهدها لم تكن تبخل بالضحك فحسب، بل لم تكن تبتسم أبدًا بمثل هذه الرقة والوداعة. وحين أمعن النظر في تفاصيلها، تسلل الشك إلى صدره؛ أهذه حقًا سانيانغ؟ كانت ترتدي ثيابًا فاخرة من الحرير والديباج، وتزين رأسها دبابيس شعر كريستالية براقة، وكان وجهها مستديرًا ممتلئًا ناضرًا، وتبدو عليها أمارات الأناقة وحسن الأدب. خشي دا نيو أن يكون قد أخطأ في التعرف عليها، فسألها بحذر: “هل أنتِ حقًا سانيانغ؟”

أومأت الفتاة برأسها إيجابًا…

لكن دا نيو بدأ يهز رأسه غير مصدق؛ فكيف لفتاة معدمة مثل سانيانغ أن تحظى بمثل هذه الثياب الفاخرة التي لا تقوى على حلم شرائها؟ فضلاً عن أن طباعها وسلوكياتها تبدلت تمامًا لتغدو كبنات الأشراف. تنهد قائلاً بأسف: “آه، يبدو أنني أخطأتُ في التعرف عليكِ”. ثم انحنى والتقط مغرفة الماء التي سقطت على الأرض، ووضعها بعناية بجانب البئر.

وهمّ بالمغادرة، غير أن الفتاة اعترضت طريقه، مما جعله يشعر بالخجل والارتباك، فقال اعتذارًا: “يا آنسة، اعذريني، لقد خيّل إليّ للوهلة الأولى أنكِ شخص آخر”.

ابتسمت وقالت بنبرة مألوفة: “لم تخطئ يا دا نيو”.

ولما كان دا نيو شابًا بسيطًا وذا شخصية مستقيمة، أصر بعناد: “بل أقول لكِ إنني أخطأت، لقد أخطأتُ حتمًا”.

حصرياً وحفاظاً على الجودة، اقرأ فقط عبر مَــجَرّة الرِّوايات.

نادته بصوت عذب يتردد صداه في المكان: “دا نيو…”

التفت بسرعة ما إن سمع اسمه، وتلفت حوله فلم يجد أحدًا في ذلك المكان القفر سوى تلك الفتاة الفاتنة الشبيهة بسانيانغ، وبينما تملكه العجب العجاب، تكرر النداء: “دا نيو…”

“هل تنادينني أنا؟” أشار بإصبعه إلى أنفه مذهولاً وغير مصدق.

هزت لان سانيانغ رأسها، وقالت والابتسامة الوديعة لا تفارق ثغرها: “دا نيو، لقد جئتُ في هذه اللحظة لأشكرك على وفائك وطيبتك”.

سألها بحيرة واهتزاز: “من أنتِ حقًا؟ ولماذا تشكرينني؟” فحتى تلك اللحظة، لم يكن عقله البسيط يستوعب أن هذه الروح الأنيقة هي نفسها سانيانغ الكسولة التي عرفها رثة الثياب.

وفجأة، انبعثت غيمة كثيفة من الضباب البارد من جوف الأرض، وتوارت الفتاة داخلها حتى تلاشت تمامًا، ولم يتبقَ لدا نيو سوى صوتها وهو يتردد في الأثير آمراً:

“دا نيو… تعال معي”.

“حسناً…” وفي تلك اللحظة، شعر دا نيو بأن جسده بات مسلوب الإرادة وخارجًا عن سيطرته تمامًا؛ إذ انساق طواعية خلف مصدر الصوت، وبدأ يخطو خطوات صغيرة رافعًا قدميه متقدمًا نحو حافة البئر…

### الصمت المطبق والنهاية

وفي اليوم التالي، عثر أهل القرية على دا نيو ملقى بجانب البئر وجسده وملاسبه مبتلة بالكامل بالماء بشكل مريب. التفتوا حوله يمطرونه بالأسئلة عما جرى له وكيف شرب من البئر، غير أنه لزم صمتًا مطبقًا ورفض الإفصاح عن أي شيء. ومنذ ذلك اليوم، لم ينطق بحرف واحد، وغدا كالأخرس تمامًا، كأنه ترك صوته وراءه في قاع البئر…

وتوالت السنون سريعة حتى مرت أربع سنوات كاملة على تلك الحادثة. وبعد انقضاء تلك المدة، ألمّ مرض عضال بوالدة لان سانيانغ، وأشرفت على الموت. وفي سياق النزع الأخير وهي تلفظ أنفاسها، خطا دا نيو الأبكم نحو فراش المحتضرة، وانحنى ليهمس ببعض الكلمات السرية في أذن والدة لان سانيانغ.

وما إن فرغ من حديثه المبهم، حتى انفرجت أسارير العجوز، وأغلقت عينيها بابتسامة وادعة ملأتها السكينة، وفارقت الحياة بسلام، كأنها علمت أخيرًا بمستقر ابنتها.

**[نهاية الفصل]**

التالي
152/268 56.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.