تجاوز إلى المحتوى
عالم السحرة

الفصل 2: ترتيب

الفصل 2: ترتيب

بعد أن استلقى سونغ يي على السرير لبعض الوقت، تقلب ثم نهض من السرير

من خلف جدار الفناء، وخارج غرفة النوم، كان يمكن سماع صيحات خافتة، وبدا أن شخصًا ما يجمع حشدًا من الناس، وكان المكان صاخبًا للغاية

كان سونغ يي يعلم أن والده كان يقود الحرس مؤخرًا للقبض على المجرمين الهاربين ومطاردتهم في الإقليم

ظهرت مجموعة من المجرمين من مكان مجهول، وقد سلبوا وقتلوا أكثر من عشرة من سكان الإقليم في الأيام الماضية، مما أثار الذعر في الإقليم كله

تلقى الفارس أوديس أمرًا بقيادة حرسه للبحث عنهم في كل مكان

دفع سونغ يي باب غرفة النوم، فرأى في الخارج فناءً رماديًا صغيرًا تتوسطه بركة صغيرة، وكان يبدو مهجورًا بعض الشيء، إذ نمت الأعشاب الخضراء فيه بلا ترتيب

كان حارسان يقفان خارجًا ويتحدثان قرب البركة، فلما رأيا سونغ يي يخرج، سارعا نحوه وانحنيا باحترام

كانا من أفراد حرس البارون ريو، وكلاهما رجلان قويان وطويلا القامة في منتصف العمر

“السيد الشاب أنغلي، لقد استيقظت؟” قال أحد الحارسين الملتحيين بصوت عميق، وكان يرتدي درعًا جلديًا أصفر كاملًا ويحمل فأسًا ضخمًا على ظهره، مما منحه مظهرًا مهيبًا

أما الرجل الآخر فكان أنحف، ولم يكن يرتدي سوى درع جلدي يغطي نصف جسده، لكن عينَيه كانتا هادئتين، وبدت حركته رشيقة، وكان يتدلى عند خصره سيف متقاطع

مر بصر سونغ يي على نصل السيف المتقاطع، فرأى عليه بقع دم حمراء داكنة لم تجف بعد، فضاقت عيناه قليلًا

“هل أرسلكما العم أوديس؟” سأل سونغ يي

“نعم، بعد أن نرافقك إلى القلعة، يجب أن نعود إلى الحرس فورًا، قد يكون الوقت ضيقًا، لذا لننطلق الآن” قال الرجل الأنحف بصوت عميق

أومأ سونغ يي برأسه

“يبدو أنكم حصلتم على معلومات عن تلك المجموعة من المجرمين، صحيح؟”

أومأ الرجل الأنحف

“اكتشفنا مخبأهم المؤقت هذا الصباح، وقد قاد القائد إخوتنا لمحاصرتهم بالفعل”

“حسنًا، سأذهب لتغيير ملابسي أولًا”

عاد سونغ يي إلى غرفته وبدل ملابس نومه، ثم خرج وغادر مكان الإقامة المؤقت مع الرجلين

لم يكن هذا المسكن سوى مكان إقامة لعائلتهم عندما يزورون البلدة أحيانًا، ولم يكن مجهزًا جيدًا، ولم يكن مناسبًا للراحة والعلاج

بعد مغادرة المسكن، وجدوا في الخارج شارعًا مزدحمًا، وكان الجميع يرتدون ملابس كتانية مغبرة، مما جعل الشارع كله يبدو متسخًا

كان بعض الباعة ينادون بصوت عال لبيع بضائعهم في الشارع، فكانت هناك أكشاك للفواكه، وأكشاك للألعاب الخشبية، وأكشاك للخضروات، وكانت النساء يحملن السلال على أذرعهن ويتحركن بين الأكشاك ذهابًا وإيابًا

عندما خرج سونغ يي من بوابة فناء المسكن، لاحظ فورًا الفرق بينه وبين الناس من حوله

على عكس الجميع في الشارع، لم يكن يرتدي ملابس رمادية، بل كان يرتدي الأسود، ثم فهم السبب

في هذا العالم، لم يكن مسموحًا بارتداء الملابس الملونة إلا للنبلاء، أما عامة الناس فلم يكن لهم سوى الرمادي، وكان ذلك امتيازًا خاصًا، ومن يجرؤ على مخالفته قد يحكم عليه بالموت مباشرة، لأن الأمر كان يعد جريمة خطيرة جدًا، وحتى بين النبلاء، كانت بعض الألوان مخصصة لرتب محددة

سار الثلاثة وهم يتحدثون بهدوء، ولاحظ سونغ يي أن المارة حين يرونه ينحنون له قليلًا باحترام، وكانت وجوههم تحمل خوفًا واضحًا، مما جعله يشعر كأنه أسد يسير وسط قطيع من الخراف

“ما الأمر؟ السيد الشاب أنغلي، هل ما زلت غير معتاد على ذلك؟” ضحك الرجل الأنحف

بعد حديث قصير، عرف سونغ يي اسميهما أيضًا، كان الرجل الأنحف يدعى كارتر، وكان في الأصل مغامرًا يعيش في الجوار، ثم جرى ضمه إلى الحرس، وكان ذلك يعد حظًا جيدًا، فالمغامرون في الواقع يشبهون المتشردين العاطلين عن العمل، وكانت مكانتهم منخفضة جدًا، أما الانضمام إلى الحرس فكان يشبه الانضمام إلى جهاز الأمن في الأرض، إذ لا ترتفع المكانة فقط، بل يحصل المرء أيضًا على مزايا عديدة

أما الرجل القوي فكان يدعى ميلو، وهو من سكان إقليم البارون ريو الأصليين، وكان يعد موهوبًا بشكل استثنائي ويمتلك قوة كبيرة

وقبل أن يتمكن سونغ يي من الرد، ضحك كارتر وحده وقال: “نعم، مدينة كانديا أكبر بكثير من هنا” ثم التقط طماطم من كشك قريب على جانب الطريق وأخذ منها قضمة كبيرة، متجاهلًا نظرة صاحب الكشك المستاءة

عقد سونغ يي حاجبيه قليلًا وظل صامتًا

كان واضحًا من هذا التصرف، المتمثل في أخذ الأشياء دون دفع ثمنها، أن حرس العائلة كانوا على الأرجح سيئي السمعة ومتغطرسين في الإقليم

لكن شخصيته السابقة لم تكن مختلفة عنهم

واصل الثلاثة الحديث بهدوء، وسرعان ما غادروا البلدة الصغيرة عبر الشارع، وخارج سور البلدة كانت عربة سوداء تنتظر إلى جانب الطريق، وحين رأى سائق العربة الثلاثة يقتربون، نزل بسرعة وانتظر جانبًا

ركب الثلاثة العربة، وتولى كارتر القيادة، ثم اتجهوا مباشرة نحو الطريق الرئيسي

استغرق الوصول إلى وجهتهم عبر الطريق عشرين دقيقة كاملة، وكانت معقل عائلة ريو، قلعة كايل

نزل سونغ يي من العربة بحذر، ثم رفع رأسه ونظر إلى القلعة أمامه

وسط غابة خضراء، ظهر أمامه مبنى يشبه القصر الريفي الذي عرفه في حياته السابقة

إذا كنت تقرأ هذا الفصل خارج مَــ.جـرَّة الرِّوَايـ.ات فاعرف أن الموقع الذي تقرأ منه سارق للمحتوى. galaxynovels.com

كانت قلعة كايل محاطة بخندق مائي، وتسميتها قلعة لم تكن دقيقة بقدر تسميتها مدينة صغيرة تحيط بها جدران عالية

لم يبد الحصن الترابي الرمادي رسميًا كما تخيل سونغ يي أن تكون القلاع، إذ لم يتجاوز ارتفاعه مبنى من خمسة طوابق، وأمام البوابة التي خفضت فوق الخندق، وقف حارسان يحملان سيوفًا حديدية على ظهريهما وينظران إليهم بفضول

صبغ غروب الشمس في فترة بعد الظهر الحصن الترابي كله باللون الأحمر، وانتشرت رائحة زهور مجهولة من مكان ما

أخذ سونغ يي نفسًا عميقًا، فقد اقترب المساء وانخفضت الحرارة قليلًا

“هل العجوز وارد هنا؟” تمتم

أومأ كارتر الذي كان بجانبه وقال: “إنه هنا، وبما أننا وصلنا، فسنعود الآن”

أومأ سونغ يي، وهو يراقب الرجلين يستديران ويقودان العربة عائدين، وسرعان ما اختفيا على الطريق الرئيسي، وعندها فقط رفع قدمه وسار نحو الحصن الترابي

كان رجل عجوز أبيض الشعر يرتدي رداءً أسود يخرج من الحصن الترابي لاستقباله، وخلفه عدة خادمات وحراس

“العجوز وارد، لقد عدت” قال سونغ يي بصوت عال وهو يسرع خطاه

كان وارد كبير الخدم لدى البارون كايل، ومسؤولًا بشكل خاص عن إدارة الشؤون العامة للإقليم، وقد خدم عائلة ريو لعقود، ويقال إن حتى والد البارون كايل تربى تحت رعايته

“لقد قلت للبارون منذ وقت طويل أن يترك السير أوديس يعلم السيد الشاب، لكنه لم يكن يريد الاستماع، والآن أصيب السيد الشاب، لو أنه استمع إلي منذ البداية” بدأ الرجل العجوز النحيل نسبيًا يتمتم وهو يقترب

دخل سونغ يي الحصن الترابي مع المجموعة، وعلى وجهه ابتسامته المعتادة

وبعد أن انتهى وارد من شكواه لبعض الوقت، توقف فجأة عن الكلام

“بالمناسبة، السيد الشاب، عندما تعود هذه المرة، لا تخرج مجددًا، فقط ادرس مع السير أوديس”

“هل هذه رغبة والدي؟”

“نعم، فالوضع غير مستقر جدًا مؤخرًا، ونحن قلقون بشأن عيشك وحدك في الخارج، وفوق ذلك، تعرضت هذه المرة لظلم كبير، وحتى الفيكونت كانديا يجب أن يقدم لنا تفسيرًا” حملت نبرة وارد مسحة من القسوة

“لا مانع لدي” أومأ سونغ يي

دخل الاثنان، ومعهما خادمتان، إلى القاعة الرئيسية للحصن الترابي

كانت فتاتان صغيرتان ترتديان فساتين بيضاء تنتظران هناك، وحين رأتا وارد يدخل مع سونغ يي، انحنتا له بحذر ورفعتا طرفي فساتينهما

“الأخ أنغلي”

“سيريل وماغي” استدعت ذاكرة سونغ يي بسرعة هويتيهما

كانت إحداهما أخت أنغلي غير الشقيقة، سيريل، بينما كانت الأخرى ماغي، ابنة أحد الأقارب البعيدين الذين تراجعت أحوال عائلتهم فجاؤوا لطلب الحماية من عائلة ريو، وكانت الاثنتان أصغر من أنغلي، لذا كانتا تناديانه بالأخ

وبما أن أنغلي كان يتمتع بمكانة مرتفعة داخل العائلة، كان الأطفال في مثل مكانتهما يتعاملون معه بحذر شديد

ففي القلعة كان هناك كثيرون يملكون مكانة مشابهة لهما ولم يكونوا محل اهتمام البارون، وكانت مكانة سيريل أفضل قليلًا، إذ كانت تتلقى مخصصًا شهريًا معينًا، وكان لها خدم مخصصون لأعمال المنزل، وهي مكانة تقارب مكانة كبيرة الخادمات

أما ماغي فكانت مكانتها أدنى بكثير، إذ كان والداها يعملان لدى البارون في القلعة مقابل راتب يكفي للعيش، وكانا في الأساس خادمين منزليين بمكانة أعلى قليلًا، وكان هناك كثير من هؤلاء الأقارب المعتمدين في القلعة، ولم يكونوا مهمين إلى حد يذكر

“مر وقت طويل منذ آخر مرة رأيتكما فيها” ابتسم سونغ يي، فقد كانت علاقته السابقة بهما جيدة، وكان يعتني بأختيه الصغيرتين أحيانًا حين يلتقي بهما، مما جعل الفتاتين تشعران بأنهما وجدتا من يدعمهما، ولذلك كانتا سعيدتين بالاقتراب من أنغلي

“سمعنا أنك أصبت، لذلك انتظرنا هنا خصيصًا، هل تشعر بتحسن؟” قالت ماغي بمبادرة منها، وكان صوتها رقيقًا، وبدت الفتاة ذات الثلاثة عشر عامًا أكبر من عمرها قليلًا، فاستقر نظر سونغ يي عليها للحظة

بدت ماغي وكأنها شعرت بنظرة سونغ يي، فاحمر وجهها قليلًا، لكنها حاولت أن تبدو واثقة وكأنها لم تلاحظ شيئًا

أما سيريل التي كانت بجانبها فكانت شديدة الخجل، وأقل جرأة من ماغي، وكانت تشبه غزالة صغيرة رقيقة، تنظر إلى أنغلي بحذر، وقد ضمت يديها أمام بطنها وبدا عليها القلق، وكانت تملك جمالًا هادئًا ونقيًا

في الأصل، حين يعود سونغ يي إلى القلعة، لم يكن من المحتمل أن تكونا وحدهما بانتظاره لاستقباله، ويبدو أن الفتاتين كانتا تخططان لذلك، إذ عرفتا أن تنتظراه مسبقًا لتظهرا للآخرين مدى قربهما منه، وبالطبع قد يكون والدا كل منهما قد وجهاهما إلى ذلك

أومأ سونغ يي

“أنا أفضل بكثير، لا داعي لأن تقلق أختاي الصغيرتان” ثم تحدث مع الفتاتين بضع لحظات

غادر وارد الذي كان يقف إلى جانبهما بهدوء للاهتمام بأمور أخرى

وبقيادة الفتاتين، دخل سونغ يي إلى القاعة الداخلية، وبعد أن تلقى تحيات محترمة من معظم الموجودين في القلعة، وجد أخيرًا وقتًا ليستريح فيه بشكل كامل

عاد إلى غرفة نومه الخاصة

عندها أطلق سونغ يي تنهيدة عميقة

في غرفة النوم، إلى جانب السرير، كان هناك مكتب للكتابة فُرشت فوقه ورقة رق صفراء بلون صفار البيض، ووضع بجانب زجاجة حبر قلم ريشة بشكل عفوي، وكانت شمعدان على هيئة جبل تومض بضوء أصفر شاحب وتنشر رائحة خفيفة من الشمع

سحب سونغ يي الكرسي أمام مكتب الكتابة وجلس، ثم ألقى نظرة على ورقة الرق

التالي
2/100 2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.