الفصل 44
الفصل 44: العودة إلى الفراغ، السقوط، والرحيل
“كيف يمكن أن يحدث هذا”
تبدّل وجه تشيو تشياني لي بشدة وقد امتلأ بعدم التصديق
كان مخطط قمع الوحوش التي لا تُحصى من رتبة عالية للغاية، تفوق حتى سلاسل تقييد الشياطين، فكيف اختفى هكذا فجأة… وفي هذه اللحظة شحب وجها الجدّين العتيقين في عالم عودة الفراغ وتقيّآ جرعة من الدم الطازج
حين دُمّر مخطط قمع الوحوش فجأة ارتدّ عليهما الأثر فورًا
“هذا سيئ، لا بد أن هذا الشخص كان يخفي قوته الحقيقية”
كان الاثنان حقًا من مزارعي عودة الفراغ الأقوياء المجرّبين، وقد أدركا في لمحة أن الموقف انقلب رأسًا على عقب
“علينا أن نهرب”
من جهةٍ تراجعا بسرعة كبيرة وهما يفعّلان كنوزهما السحرية ليكسبا وقتًا للفرار
ومن جهة أخرى أرسلا رسالة ذهنية إلى تلاميذهما وأحفاد تلاميذهما في الأسفل يأمرانهُم بأن يخلّص كلٌّ نفسه بنفسه
صار حالهما كمن يعبر النهر وهو من طين، بالكاد ينجو بنفسه
فإن استطاعا هما، بصفتهما جدّين عتيقين في عودة الفراغ، أن يحفظا حياتهما، بقي للطائفة أملٌ في الغد
وما إن تلقّى تلاميذ طائفة يو ياو رسالة الجدّين العتيقين الذهنية حتى تجمّدوا من الذهول
لم يخطر لأحد أن الجدّين العتيقين اللذين قدِما بتلك الهيبة سيقرّران الفرار بهذه السرعة
“تحاولان الهرب”
نطق هان شوانجي هاتين الكلمتين ببرود
وما إن سقط صوته حتى لم يشكّل ختمًا بيديه، ولم يتلُ تعاويذ، ولم تنفجر هالة تقلب العالم، بل أخرج سلاحًا حصل عليه للتو
“في الوقت المناسب لأتدرّب عليكم جميعًا”
اندفع الضوء، وتصاعدت طاقة شيطانية إلى العلو
ظهر في يد هان شوانجي سيف طويل بتصميم عتيق يلمع ببريق بلاتيني ويشعّ حدّة قاتلة بلا نهاية، تعلو قبضته رأس نمر
اهتز السيف الطويل كأنه قد شمّ رائحة دم طال غيابها، وتجسّد شبح نمر أبيض في الهواء، وحدقتاه العموديتان الكهرمانيتان كأنهما دبت فيهما الحياة، تحدّقان بثبات في الجدّين العتيقين
كان نصل النمر الأبيض، بلا شك، أداة فتاكة لا نظير لها
حتى إن هان شوانجي وهو يقبض عليه شعر بحماسه، ولولا أنه كبته قسرًا لطار هذا السيف الشيطاني ليقتل
“هذا… أهي أداة لذوي العمر الطويل”
“لا، هذه أداة شيطانية”
تقلّب وجه تشيو تشياني لي بعنف، وامتلأت عيناه رعبًا وعدم تصديق
في هذه اللحظة كان قد تخلّى عن فكرة الفرار
فما إن فرّ الجدّان العتيقان أدرك أنهما صارا بيدقين مهجورين
فإن أراد هان شوانجي قتلهم كان ذلك ليشتري وقتًا للجدّين العتيقين، وإن لم يقتلهم فلن ينجوا على الأرجح من مطاردة مزارعٍ في عودة الفراغ لاحقًا على أي حال، باختصار كان طريقًا مسدودًا
أما الجدّان العتيقان الفارّان فمع أنهما ابتعدا آلاف الأميال فقد شعرا بنية القتل تلحقهما من الخلف
فجأة أحسّا باضطراب في الفضاء وراءهما، وإذا بهالان بيضاء تخطو في الهواء
تايشو تسع خطوات، خطوة تمتد ألف ميل
لم يُمهلهما هان شوانجي وقتًا للتفكير أو للدهشة
وبينما يمسك نصل النمر الأبيض بدا كشبحٍ هابط
ولعله كان لنِيّة القتل عند هان شوانجي أثرٌ في إيقاظ نصل النمر الأبيض
في لحظة واحدة انفجر نصل النمر الأبيض بضوء مبهر، فكأن العوالم العليا والأرض انقلبت، واضطرب الزمكان، وانتقلوا إلى عالم آخر
وحيثما نظروا كان مشهد قفر، والدم يسيل أنهارًا فوق أرض مثخنة بالجراح ومثقوبة
تكوّمت جثث أعراق لا تُحصى كأنها جبال
وفي الوقت نفسه انطبعت في ذهن هان شوانجي ذكرى، وتشكّلت في خاطره تقنية سيف
الأشكال السبعة لفوضى العلو
مخالِفة لقانون العلو، وبلوغ الطريق عبر الذبح—كانت تقنية سيف ولدت للقتل الخالص، بلا زينة ولا حيلة
فورًا بدأ جسد هان شوانجي يتحرّك من تلقائه، ولم تكن حركاته سريعة، لكن كل ضربة حملت معنًى صادقًا لا ينفد وقوةً على تدمير العلو والأرض
تفجّر نصل النمر الأبيض بطاقةٍ شيطانية بلاتينية تكاد تُعمِي الأبصار
الشكل الأول، ابتلاع العلو والأرض
تصاعد زخم السيف، يبتلع كل نور وبهاء كالثقب الأسود
هجمات العدو وكنوزه السحرية وحواجزه الوقائية، بل والفضاء والضوء… كلّها جُذبت قسرًا ثم ابتُلعت وسُحقت وتحوّلت إلى عدم
في اللحظة التالية
بطّة
“لا… مـ…”
لم يكد الجدّ العتيق سجن الروح يلفظ سوى مقطعين مبهمين وقد تجمّد الرعب على وجهه، ثم نظر في عدم تصديق إلى صدره
شقّ رفيع بدأ من ما بين حاجبيه وهبط مستقيمًا يخترق كامل جسده
لم يتناثر دمٌ طازج، بل تحوّل جسده المادي في لحظة إلى عدم
وحتى الروح البدئية القوية لمزارع عودة الفراغ تفتّتت تحت ضوء هذا السيف المشحون بقوة قتل وإفناء عُليا وتلاشت صامتة كتمثال رملٍ متهالك، دون أن ينجو حتى خيطٌ من روح باقية
ضربة سيفٍ واحدة أودت بمزارعٍ في عودة الفراغ
“أيها الأخ الأكبر”
احمرّت عينا الجدّ العتيق بحر الاحتراق واشتعلتا صدمةً وغضبًا، لكن الخوف ابتلع كل شيء في لحظة
فعّل بجنون مرآة لهب زرقاء سماوية في يده، وانطلقت من سطحها عمودية ضوء مرعبة قادرة على إحراق الجبال وغليان البحار، لتندفع مباشرة نحو هان شوانجي، وفي الوقت نفسه تراجع جسده بسرعة وقد مزّق الفضاء يائسًا ليهرب
كلّما طال العمر ازداد الخوف من الموت
كان ما يزال يملك عدة آلاف من السنين، ويرجو أن يحقق اختراقًا إلى اتحاد الجسد، فكيف يرضى أن يموت هكذا
لكن الأوان قد فات
غُمر جسد هان شوانجي كلّه بشبحٍ أسود كأن شيطانًا قد تلبّسه، فلم تُصِبه هذه الضربة بأذًى يُذكر
اللحظة التالية
“اقطع”
لوّح هان شوانجي بسيفه، فشقّ ضوءٌ دامٍ طريقه عبر ألف ميل
ششّ—
غدت القدرة الوقائية للجدّ العتيق بحر الاحتراق وكنزه الواقي هشّين لا يقاومان أمام ضوء السيف الآكل لكل شيء
“آه—”
لمعت ضربة السيف، وفي لحظة غمر ضبابٌ دامٍ مرعب جسد الجدّ العتيق بحر الاحتراق
لم يكن هناك ضجيج يهزّ الأرض، بل صمت يقشعرّ له البدن
وتفكّك جسد الجدّ العتيق بحر الاحتراق وروحه البدئية في الضوء الدامي وتعرّضا للابتلاع شيئًا فشيئًا حتى محي كل أثر لوجوده من العالم
وفي هذه اللحظة عاد الفضاء صافياً
سلسلة جبال تيانيو
حدّق النمر الأبيض الصغير في تلاميذ طائفة يو ياو بعينين فيهما لمعة عبث
“هيه هيه، أما زلتم تنتظرون جدّيكم العتيقين”
“يا للخسارة، لقد سبقاكمَا إلى هناك”
“هذا مستحيل، مستحيل تمامًا”
ارتبك شيخ من طائفة يو ياو وقد عجز عن التصديق
“بل صحيح، فقد ماتا كلاهما”
وصل صوت هان شوانجي خافتًا ترافقه تموّجات، وظهر في الهواء كحاصدٍ للأرواح
أما تشيو تشياني لي فكأن عموده الفقري قد نُزِع، فانهار على ركبتيه وعيناه خاويتان تحدّقان في الموضع الذي اختفى فيه الجدّان العتيقان سجن الروح وبحر الاحتراق وهو يتمتم بلا وعي: “الجدّان… ماتا؟ كلاهما… مات”
كان جميع مزارعي طائفة يو ياو الناجين كأن مسّهم سحر التجمد، تيبّسوا في أماكنهم وبهتت وجوههم ولم يبقَ في عيونهم إلا خوفٌ وفراغٌ بلا حدود
ارتجفت أجسادهم بلا سيطرة وسقط بعضهم أرضًا
كانت طائفة يو ياو مع جدّين عتيقين في عالم عودة الفراغ طائفة مشهورة في يوتشو بل في ربوع شيا العظمى كلها، لكن في هذه الفترة القصيرة سُحِقا بسهولة كحشرتين
لم يرمق هان شوانجي تلك الحشرات المفزوعة في الأسفل ولو بنظرة، بل مسح السماء بعينيه بهدوء
“يا صغير أبيض، هؤلاء الصغار لك”
“حاضر يا سيد”
كان النمر الأبيض الصغير منذ زمن يكتم نية القتل، فانقضّ كنمرٍ جائع والتهم جميع مزارعي طائفة يو ياو في المكان ولم يترك أحدًا حيًا
ثم ابتسم النمر الأبيض الصغير ابتسامة ظافرة، وانكمش إلى هرّ أبيض ثلجي وقفز إلى كتف هان شوانجي يلعق كفّيه بكسل، كأنه لم يفعل سوى سحق بضع نملات
أومأ هان شوانجي إيماءة خفيفة، فهو لا يري خصومه رحمة
خطا خطوة، فانتشرت تموّجات فضائية، وبوجود النمر الأبيض الصغير على كتفه اختفى أثره من المكان

تعليقات الفصل