الفصل 609
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 609: شي هاو
تنهد لي تشي يي في النهاية وقال: “ما زلتُ على قيد الحياة بعد كل هذه السنوات.” غلبت عليه المشاعر والأسى في تلك اللحظة، لكنه اضطر لدفن بعض تلك الذكريات القديمة في أعماق قلبه. كانت هناك أسرار، وأشخاص، وأمور لم يكن أمام لي تشي يي خيار سوى كتمانها والبقاء حارسًا وحيدًا لها!
وبينما كان لي تشي يي غارقًا في أفكاره المعقدة، دخل الشاب حاملًا وعاءً من العصيدة الساخنة وهو يقول: “تفضل، تناول هذا.” كان الشاب متحمسًا للغاية وهو يطعم لي تشي يي بالملعقة. وبمجرد تذوقها، أدرك لي تشي يي فورًا وجود بعض العقاقير الطبية بداخلها، فسأل: “هذه عصيدة علاجية، هل أنت كيميائي؟”
أجاب الشاب ضاحكًا: “هاهاها، أنا مجرد كيميائي مبتدئ. في الوقت الحالي، أعمل مبعوثًا لمقاطعة ستونتريدينغ.” تناول لي تشي يي العصيدة وهو يتبادل أطراف الحديث مع الشاب، وقد اختلق لنفسه هوية مزيفة كعادته دائمًا.
أفصح الشاب عن الكثير من تفاصيل حياته؛ كان اسمه شي هاو، مبعوث المقاطعة المسؤول عن زراعة “خيزران دم اليشم”. وكان لمبعوث المقاطعة لقب آخر هو “متدرب كيميائي”، غير أن شي هاو كان كيميائيًا مبتدئًا، مما جعل مكانته أعلى بكثير من مجرد متدرب.
ينحدر شي هاو من عائلة مرموقة في دولة “الخيزران العملاق”، لكن العائلة تدهور حالها منذ عدة أجيال، ولم يتبقَ من مجدها شيء بحلول زمن والده، الذي لم يملك سوى صيدلية صغيرة يديرها. وعلى الرغم من أنه ينتمي لعرق “التماثيل الحية”، إلا أن ربع دمه كان بشريًا؛ إذ ذكر شي هاو أن أحد أسلافه تزوج من خبيرة بشرية عظيمة.
كان من الواضح أن سلفه كان شخصية فذة في زمانه. فعالم “طب الحجر” هو موطن التماثيل والشياطين، والبشر فيه ندرة. وإذا تمكن المرء من الزواج من بشرية، ولا سيما إن كانت خبيرة قوية، فلا بد أنه كان ينتمي لعشيرة عظيمة.
وبعد أجيال من الانحدار، تلاشت مكانة العشيرة تمامًا في عهد والده. وبما أن شي هاو كان الابن الوحيد والوريث الأخير للعائلة، فقد تملكه طموح قوي لإحياء مجد عشيرته. ورغم أن موهبته في التدريب كانت متواضعة، إلا أنه امتلك بصيصًا من الموهبة في الكيمياء، لذا قرر سلوك درب الكيميائيين.
لم يكن هذا الاختيار غريبًا، فعالم “طب الحجر” مشهور بتخصصه في الكيمياء، ويُقال إنه يضم أكبر عدد من الكيميائيين بين العوالم التسعة. ومنذ فجر التاريخ، انحدر ثلثا أباطرة الكيمياء من هذا العالم، مما يعكس مدى ازدهار هذا الفن فيه.
وثمة مقولة شائعة في العوالم التسعة مفادها: “من بين كل عشرة كيميائيين، هناك سبعة من عالم طب الحجر”. لقد ذاع صيت الكيمياء في هذا العالم في كل حدب وصوب، مما دفع عددًا لا يحصى من الممارسين للقدوم إليه طلبًا للعلاج والدواء.
ورغم اختيار شي هاو لهذا الدرب، إلا أن النجاح لم يكن سهل المنال. فأولًا، تُعد عملية التكرير الكيميائي مكلفة للغاية؛ وسواء كانت معاجين الجسد، أو أدوية طول العمر، أو حبوب القدر، أو المراهم، فإن كل قدر يتطلب مكونات جمة، حيث تتراوح تكلفة الدفعة الواحدة من مئة إلى ألف قطعة!
وإلى جانب العبء المالي، كان لا بد من إرشاد المعلم. فباستثناء الوصفات السرية للمراهم التي تحتفظ بها العائلات، كانت معظم وصفات أدوية طول العمر وحبوب القدر ومعاجين الجسد معروفة للجميع، لكن إتقان تكريرها كان غاية في الصعوبة. فالكيمياء نوع من أنواع التدريب؛ والتحكم في اللهب، وطرق تكرير “الدان”، وحضانة القدور، كلها أسرار مهنة لا يتنازل عنها الكيميائيون بسهولة.
وأخيرًا، كان من الضروري امتلاك قدر سماوي جيد لتكرير أدوية عالية الجودة، فالقدور الرديئة تؤثر سلبًا على النتيجة مهما بلغت مهارة الكيميائي. وكان شي هاو يفتقر إلى هذه الشروط الثلاثة؛ فعشيرته المنهارة لم تترك له مالًا ولا علاقات، ولهذا السبب لم يكن سوى مبعوث بسيط في مقاطعة ستونتريدينغ.
ومع ذلك، كانت هذه الوظيفة تمثل فرصة لشي هاو. فرغم أن دولة “الخيزران العملاق” لم تمتلك نظامًا تعليميًا متطورًا للكيميائيين، إلا أنها كانت تضم عددًا من كبار الكيميائيين الضيوف. أراد شي هاو الارتقاء تدريجيًا؛ فما دام يقدم مساهمات كافية ويكتسب الخبرة، فستسنح له الفرصة لدخول الحكومة المركزية ولقاء بعض أولئك المعلمين الكبار.
وثمة سبب آخر دفعه لاختيار الخدمة في حكومة “الخيزران العملاق” بدلًا من الانضمام إلى طائفة كيميائية، وهو كونه الابن الوحيد. فلو انضم إلى طائفة، لصار تلميذًا تابعًا لها للأبد، وهو الذي يحمل على عاتقه مسؤولية إحياء إرث عائلته. أما المنصب الحكومي فكان مختلفًا؛ إذ لم يكن سوى وظيفة تتطلب الولاء للدولة، مما يتيح له الحفاظ على استقلالية سلالته وعشيرته.
كان شي هاو يزرع “خيزران دم اليشم” في “جبل دم اليشم”، وهو مكان قاحل يندر زواره. وبما أنه وجد أخيرًا من يتحدث إليه، فقد أطلق شي هاو العنان للسانه الثرثار وكشف كل شيء عن عائلته. ثم قال وهو يحك رأسه بعد حديث طويل: “كدتُ أنسى أنك مصاب، أرجوك ارتح قليلًا. سأكون في الجوار، يمكنك مناداتي إذا احتجت لأي شيء”.
تنفس لي تشي يي الصعداء بعد مغادرة شي هاو، وارتسمت على وجهه ابتسامة وهو يفكر في وصوله إلى عالم “طب الحجر”. وبعد برهة، أمر قائلًا: “اخرجي وعالجي جروحي”. ظهر “قصر القدر” ومنه خرجت “فاوانيا الإصابة الخالدة”. لو كانت فاوانيا عادية لكان تأثيرها محدودًا، لكن هذه كانت دواءً خالدًا يتفوق بمراحل على الأدوية الملكية؛ فقد عاشت روحها لثمانية أو تسعة ملايين سنة. كانت أفضل علاج للإصابات، إذ يمكنها إنبات اللحم على العظام العارية وإعادة الأطراف المبتورة، فضلًا عن قدرتها على طرد اللعنات وعلاج الجروح المميتة.
إن أي ممارس قد يفقد صوابه للحصول على مثل هذا الدواء الخالد. فمن الحقائق المسلم بها أن الممارسين سيتعرضون للإصابات عاجلًا أم آجلًا، وبوجود “جذر خالد” معهم، سيتمكنون من التعافي حتى لو تفتتت أجسادهم. وكانت “فاوانيا الإصابة الخالدة” واحدة من عدة أدوية خالدة تبعت لي تشي يي من “حديقة الأسياد المفقودة”.
شعر لي تشي يي براحة تامة بينما كانت جروحه تلتئم. ورغم خطورة إصاباته، إلا أنها لم تكن معضلة بوجود الفاوانيا؛ فبمساعدتها، التحمت العظام المكسورة والعضلات الممزقة في غضون ثلاثة أيام فقط دون ترك أي أثر، وإن ظلت إصاباته الداخلية بحاجة لمزيد من الوقت للتعافي التام.
اندهش شي هاو حين رأى لي تشي يي ينهض من فراشه فصاح: “هل شفيت بهذه السرعة؟ هذا مذهل!”. فعندما أنقذه شي هاو سابقًا، كان جسده مغطى بالجروح، لكنه الآن قادر على المشي مجددًا. رد لي تشي يي مبتسمًا: “الأمر ليس بتلك الخطورة، فجلدي وعظامي صلبة، وبما أنني أتعرض للإصابات كثيرًا، فقد اعتاد جسدي على التعافي بسرعة”.
شعر شي هاو بسعادة غامرة وهو يرى لي تشي يي يمشي بشكل طبيعي، وقال: “كنت قلقًا من تدهور حالتك، وكنت على وشك أن أطلب من سيد المقاطعة بعض المراهم الإضافية”. أجابه لي تشي يي بابتسامة: “لا داعي لذلك، فمعي بعض المراهم ذات المفعول القوي. أحتاج فقط لبعض الراحة وسأكون بخير”.
وبما أن الشاب كان طيب القلب وصادقًا، فقد صدق التفسير دون أدنى شك وقال: “إذن ابقَ هنا حتى تتماثل للشفاء تمامًا قبل أن تغادر”. أومأ لي تشي يي برأسه قائلًا: “إذن سأضطر لإزعاجك لفترة أطول”. مكث لي تشي يي في غرفة شي هاو الصغيرة، بينما كانت “فاوانيا الإصابة الخالدة” تعالج جروحه بسرعة فائقة؛ فلو أصيب شخص آخر بنفس تلك الجروح، لظل طريح الفراش لعام أو عامين حتى مع استخدام أجود المراهم.
لقد تلقى جسده ضربة مباشرة من الدوامة الفضائية، والجروح الناجمة عن دوامة بهذا المستوى يصعب شفاؤها؛ بل إن الأمر أصعب من بناء جسد جديد تمامًا لصعوبة طرد البقايا الضارة منها. ومع ذلك، وبما أن لي تشي يي يمتلك “جذر الخلود”، لم تكن هناك مشكلة على الإطلاق، وصار الشفاء التام مجرد مسألة وقت.
كان قد وصل للتو إلى عالم “طب الحجر” وكان لديه متسع من الوقت، لذا لم يكن في عجلة من أمره. وخلال فترة تعافيه، بدأ في دراسة “نص الموت”؛ وهو نص سماوي عظيم يعود لمليارات السنين، لذا عكف لي تشي يي على قراءته بملامح جادة. كان الكتاب الذي يحمله هو النسخة الأصلية التي ولدت من رحم السماء والأرض، على عكس “نص الجسد” الذي امتلكه سابقًا.
فالنسخة التي كانت لديه سابقًا كانت مجرد كتيبات لفنون القتال بينما ظلت النسخة الحقيقية مخفية. لذا، حين حمل “نص الموت” الأصلي، تلبدت السماء بالغيوم والعواصف وتجسدت صور غريبة في الأعالي؛ فظهور كنز عظيم كهذا لا بد أن يحدث ضجة كبرى. غير أن لي تشي يي كان مستعدًا بـ “بوابة ختم السماء”، حيث أغلق غرفته قبل إخراج النص ليتمكن من دراسته بسلام.
كانت الصور الغريبة المنبعثة من “نص الموت” مذهلة، ولا سيما عند تقليب صفحاته، حيث ظهرت كلمات خالدة مشفوعة بالتعاويذ. ومع ذلك، ظلت تلك الصور محبوسة خلف الأبواب المختومة، فلم يشعر بها أحد، ولا حتى شي هاو في الغرفة المجاورة. وباعتباره واحدًا من النصوص السماوية التسعة الكبرى، كان “نص الموت” فريدًا من نوعه ولا يضاهى، وأسراره عميقة بلا حدود ويصعب سبر أغوارها.
لكن الأمر لم يكن مستعصيًا على لي تشي يي؛ فمنذ الأزل، ما من قانون استحقاق إلا ورآه أو حاول فهمه. والأهم من ذلك، أن لي تشي يي كان يستوعب “نص الجسد” تمامًا واعتاد على النصوص السماوية، مما جعله ملمًا بأسلوبها. فبالنسبة لهذه النصوص، قد يحتاج أذكى العباقرة لعقود أو قرون أو ربما أكثر لفهم جزء منها، أما لسبر أغوارها حقًا، فسيحتاجون لآلاف السنين دون استثناء.
بيد أن لي تشي يي كان يمتلك ملايين السنين من الخبرة في دراسة عدد لا يحصى من قوانين الاستحقاق، وهي ميزة لم يمتلكها غيره، مما جعل أي مقارنة بينه وبين أي عبقري آخر أمرًا مستحيلاً!
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل