الفصل 21: الجنازة
الفصل 21: الجنازة
جبل كومورا، أحراش كثيفة، ألقى وهج الغسق فوق الجبل، فاختلطت ألوان الأحمر والأخضر
اجتاحت هبة ريح المكان، فتموج بحر الأشجار كالأمواج، وكان صوته يبتعد ثم يقترب، ثم يقترب ويبتعد، حتى غمرت الأمواج زقزقة الطيور
دوي!
في منتصف الجبل، اندلعت سلسلة من الانفجارات العنيفة
وكان يمكن رؤية التراب والغبار يندفعان إلى السماء، ثم يعودان للسقوط في الغابة بعد أن بلغا ارتفاعًا يزيد على 10 أمتار
قرب منتصف الطريق إلى القمة، انهار منحدر شديد الانحدار فجأة، كما لو أن شيئًا قضمه
“ماذا حدث؟ هل كان ذلك رعدًا؟!”
“يبدو أنه هناك فوق الجبل…”
في قرية تبعد عدة كيلومترات عن سفح الجبل، سمع بعض القرويين أيضًا الأصوات المترددة في السماء، فتوقفوا ونظروا إلى البعيد
بعد دقيقة، غطت الأتربة والصخور الأطلال
امتلأ الهواء برائحة الاحتراق الكريهة بعد الانفجار، وسقطت الأشجار المحيطة، بل إن بعضها تحطم مباشرة بسبب الانفجار
جرفت الانفجارات والانهيارات مساحة تقارب خمسة دونمات من الأرض
وعند حافة نطاق الانفجار، كانت عدة جثث ممزقة ملقاة على الأرض أو معلقة فوق الأشجار
تمزقت الملابس البالية التي ظهرت عليها آثار احتراق واضحة، واختلطت بالدم والتراب حتى اكتسبت لونًا أسود باهتًا
ساد الصمت في الجوار، حتى أصوات الطيور المعتادة في غابة الجبل اختفت، فقد فرت جميع الطيور البرية خوفًا من الانفجار
طقطقة… طقطقة… طقطقة… فرقعة!
فجأة، خرجت يد من الوحل
بعد دقيقتين
“سعال، سعال، سعال… سعال، سعال، سعال…”
ركع كاشيو على الأرض، وكانت يداه متدليتين، وشعره مغطى بالوحل
كان يلهث بقوة، وصدره يرتفع وينخفض
لم يسحقه انهيار الأطلال حتى الموت، لكنه كاد يختنق
تفكك الممر، ودفنت مساحات كبيرة من الأطلال تحت الوحل تمامًا
كان محظوظًا، فقد شكل ركن من الجدار مساحة صغيرة اختبأ فيها، ثم حفر بكل قوته حتى خرج
إضافة إلى ذلك، كان على كاشيو أن يشكر جسده الذي امتلك قدرة ممتازة على التحمل وقوة بدنية جيدة، فلم تذهب ستة أشهر من التدريب الشاق هباء
كانت السماء صفراء ضبابية عند الأفق، بينما حملت الأرض لونًا أحمر باهتًا
وقف كاشيو بجانب شجرة كبيرة، ونظر إلى الجثث على الأرض
انحنى والتقط شارة قريبة
كانت شارة بيضاء نقية على هيئة درع، تحيط بحافتها دائرة من زخارف سنابل القمح الذهبية الفاتحة، وفي وسطها سيف عظيم أسود متقاطع
وكان طرف السيف مغروسًا في رأس عفريتي ذي قرنين
وعلى ظهرها، كانت هناك مجموعة من الحروف الصغيرة المرتبة بعناية
“صياد؟” قرأ كاشيو الكلمتين وهو ينظر إلى الأسفل
أعاد الشارة إلى مكانها الأصلي، ثم انحنى نصف انحناءة ونظر إلى المسدس الذي كانت الجثة تقبض عليه بإحكام
كان سلاحًا ناريًا كبير العيار أسود كالحبر، لم تكن حوافه انسيابية، بل كانت سميكة جدًا وزواياه حادة
وكان طوله يقارب نصف طول الساعد
وعلى الجانب الأيمن من السلاح الناري، كانت هناك عدة حروف فضية مزخرفة
“الأبنوس”
“هذه منظمة، إما ظل عفريتي أو الجماعة التي زرعت المتفجرات” عقد كاشيو حاجبيه ونهض
أصبحت الأمور محيرة، فهذا المشروع الأثري الذي تقوده الحكومة لم يكن بسيطًا وعاديًا كما بدا على السطح
فكر كاشيو في ظل عفريتي، وشركة غزال النار للتحف، بل وحتى حكومة مدينة فينغنان، وامتلأ ذهنه بأسئلة كثيرة
“لا يهم، لنغادر هذا المكان أولًا” تفحص ما حوله، وارتفع في قلبه شعور بالخطر دون إرادة منه
البقاء هنا لا يضمن ولو قدرًا ضئيلًا من الأمان
استدار كاشيو وغادر
بعد نصف ساعة، تشققت الأرض المختلطة بالتراب والصخور فجأة، وزحف منها شكل بشري مشوه
“بقي القليل فقط، بقي القليل فقط”
تحول ذلك الشكل البشري بسرعة، وفي النهاية صار جسد رجل بالغ قوي البنية
كان كل شيء طبيعيًا، باستثناء الظل الذي ظل يتلوى فوق الأرض بلا توقف، كأنه كائن حي، في مشهد مرعب
بقي الرجل في مكانه لبرهة، وكان على وشك المغادرة
“همم؟” توقف ونظر إلى الأرض
ظهرت ابتسامة فجأة على وجهه
“رفيق آخر على وشك الظهور…”
تقويم اتحاد الفجر الأحمر، 4 يونيو 156، رياح، أمطار خفيفة
مدينة فينغنان، مقبرة المنطقة الشمالية، كانت جنازة كبيرة تقام هنا، وكان هناك سبعة توابيت ستوضع في القبور
كانت السماء ملبدة بالغيوم اليوم، وغطت السحب الرمادية البيضاء المشهد كله
لم تكن الشمس مرئية، وكان كل شيء ضبابيًا، كما لو أن السماء مسحت بقطعة قماش متسخة مغطاة بالغبار
كانت طرق مقبرة المنطقة الشمالية موحلة، وتظهر عليها أحيانًا آثار إطارات تتحرك ذهابًا وإيابًا
وتناثرت الأشجار حول الطرق
وفي البعيد كانت هناك مساحات واسعة من المدافن الخضراء، تقف فيها شواهد قبور رمادية، وهي آخر ما تركه الراحلون في العالم
وفي قلب المقبرة، داخل كنيسة متوسطة الحجم ذات قمة مدببة، كانت ترانيم تتردد
كانت جدران الكنيسة رمادية وسقفها أحمر، وكان سطح تصريف المياه المغطى بالقرميد مبللًا
“دونغ!”
تردد صوت جرس الكنيسة في أرجاء المقبرة من بعيد
بعد إتمام جميع الإجراءات، من تلاوة النصوص المكرمة، والرموز المتقاطعة، ورش ماء النبع المكرم، وضعت التوابيت السبعة في قبورها الخاصة
ذرف الأقارب الدموع وواسوا بعضهم بعضًا
وبعد لحظة، وضعت زهور بيضاء أمام كل شاهد قبر
كان كاهن يحمل نصًا مكرمًا يخفض رأسه ويتلوه ببطء
وعند الحافة البعيدة للتوابيت السبعة، وقف شخصان فقط أمام شاهد قبر وحدهما
أحدهما كاهن، والآخر رجل عجوز ذو شعر أبيض يتكئ على عصا
كان الجو صامتًا جدًا
نظر العجوز إلى شاهد القبر الذي يبعد عنه ثلاثة أمتار، وقد كتب عليه
“كاشيو كارنيغي”
“ولد في 131، وتوفي في 156”
واصل الكاهن تلاوة النص المكرم بصوت منخفض: “لتسكن الأرواح في العالم السماوي، ولتعم السكينة فوق الأرض”
“كاشيو… سعال، سعال، سعال…”
سعل العجوز ذو الشعر الأبيض عدة مرات
في البعيد، خلف جدار الكنيسة، كانت هيئة ترتدي معطفًا داكنًا طويلًا وقبعة سوداء عريضة الحواف تنظر من بعيد
“إنني أشاهد جنازتي بنفسي…”
تمتم كاشيو
تبع بصره الهيئة المنحنية التي كانت تتعثر فوق الطريق الموحل في البعيد، وصر على أسنانه دون وعي
في البعيد، انزلق العجوز المتكئ على عصا فجأة وسقط على الأرض
أراد كاشيو الاندفاع نحوه، لكنه تماسك
وبعد لحظة، جاء من حوله لمساعدته على النهوض
تابع الأشخاص القلائل سيرهم إلى الأمام، واختفت هيئاتهم أخيرًا عند نهاية مجال رؤية كاشيو
“تبًا!” لكم كاشيو الجدار بإحباط وأطلق شتيمة
أراد كاشيو أن يظهر أمام العميد العجوز، وأن يخبره بأنه لم يمت، حتى لا يحزن ويؤثر ذلك في صحته ومزاجه
لكن هذه المسألة كانت محيرة للغاية
الحادثة الأثرية الغريبة، وخيانة شركة غزال النار للتحف المفاجئة، والصراع والانفجار بين منظمتين مجهولتين، وجنازة حكومة مدينة فينغنان التي أقيمت بسرعة خاطفة
كل ذلك كان مريبًا جدًا
وإلى أن يرتب كاشيو كل هذا ويحقق فيه، لم يجرؤ على إظهار نفسه
كان يخشى أن تورط هذه المسألة العميد العجوز
الآن يظن الجميع أنه مات، لذا فليمت كاشيو كارنيغي
سحب كاشيو حافة قبعته إلى الأسفل واستدار مغادرًا بصمت
من اليوم فصاعدًا، سيكون اسمي لي وي…

تعليقات الفصل