تجاوز إلى المحتوى
انا لست حاكم المسرح

الفصل 115: الحيلة القرمزية

الفصل 115: الحيلة القرمزية

لسبب ما، في اللحظة التي رأى فيها شي رنجيه تلك العينين الفارغتين، غاص قلبه

“المستودع!” صاح أحد منفذي القانون، واتجهت أنظار الجميع في الوقت نفسه نحو أعماق المستودع خلف الشخصية ذات الرداء الأحمر

اندفعت من المستودع رائحة حامضة نفاذة إلى أقصى حد، وفي بحر النار المشتعل، كانت حريشات متفحمة لا تحصى ملتفة على الأرض، وأجسادها محطمة وممزقة، تغطيها آثار العضات والأطراف المقطوعة، وبدا المشهد كله كأنه عالم الأشورا رتبه شخص بعناية

سواء بسبب الصدمة البصرية أو الرائحة الحامضة، شعر عدة منفذي قانون بأن بطونهم تنقبض بعنف، وبدأوا يتقيؤون جافا في أماكنهم

هل ماتوا جميعا؟

نظر شي رنجيه إلى جثث الكوارث التي غطت أرضية المستودع، وشعر بأن عقله يدور، فلم تمض سوى عشر دقائق تقريبا منذ أن قاد ذلك الشخص هذه الكوارث بعيدا، ومع ذلك تمت إبادتها تماما بالفعل؟

ومن مظهر تلك الجثث، بدت عليها أيضا آثار عضات

عادت نظرة شي رنجيه إلى الشخصية التي ترتدي رداء الأوبرا الأحمر، وامتلأت عيناه بالحذر

“من… أنت؟” حدق في رداء الأوبرا الأحمر وسأل بصوت منخفض

لم تتكلم الشخصية، بل واصلت السير إلى الأمام بصمت، كقشرة فارغة بلا روح

فجأة، مرت نسمة لطيفة فوق الأرض الخالية، فتمايل رداء الأوبرا الأحمر بخفة في الريح، وخرجت من كمه فراشة قرمزية، تحلق برفق أمام أعين الجميع… فتجمدوا جميعا في أماكنهم

لم تكن على جسد هذه الفراشة أي نقوش، ولم يكن لها أي من الأعضاء أو الأطراف التي يفترض أن تمتلكها الفراشة العادية، بل بدت كأنها تقليد مصنوع من ورق أحمر، وكانت أجنحتها ترفرف بخفة، قرمزية كالدم

ثم جاءت الثانية، والثالثة، والرابعة…

ومع حركة كميه، اندفعت أسراب كثيفة من الفراشات من تحت رداء الأوبرا، كموجة من الفراشات الراقصة، وانقضت على شي رنجيه والآخرين، حتى حجبت السماء

فزع شي رنجيه والآخرون، ورفعوا أيديهم غريزيا لحماية أنفسهم، ومن خلال الفراغات بين أصابعه، رأى رداء الأوبرا الأحمر يكاد يتفكك تماما إلى فراشات حمراء تملأ السماء، حاجبا رؤيتهم بالكامل، وصار كل ما حولهم قرمزيا

“من أين جاءت كل هذه الفراشات؟!” لم يستطع أحد منفذي القانون فتح عينيه بسبب الفراشات التي ترفرف فوقه، فذعر وسحب المسدس من خصره

دوي، دوي، دوي

توالت أصوات إطلاق النار، لكنها لم تتمكن من تشتيت الفراشات ولو قليلا، وفي الوقت نفسه، دوى صراخ شي رنجيه الغاضب فجأة

“أيها الأحمق! من أمرك بإطلاق النار؟!”

رغم أن الشخصية ذات الرداء الأحمر كانت غامضة، فإنها أنقذت حياته في النهاية، كما قادت كل كوارث المنطقة الثالثة بعيدا، وحتى لو شك شي رنجيه في هويتها، فهذا لا يعني بالضرورة أنهما عدوان، ولهذا السبب لم يسحب شي رنجيه مسدسه أو يقبض على سيفه أمام تشن لينغ حتى الآن

لكن الآن، بعدما أطلق منفذ القانون النار أولا، فلو اعتبر ذلك الشخص الأمر إشارة لبدء القتال، فستكون العواقب كارثية

تجمد منفذ القانون الذي أطلق النار، وقبل أن يستعيد وعيه، خرجت شخصية ترتدي رداء الأوبرا الأحمر بسرعة من بين الفراشات الحمراء التي ملأت السماء، وكانت تلك العينان الفارغتان تحدقان فيه بشر غريب ومخيف

أرعبه هذا المشهد، فصرخ وحاول غريزيا رفع مسدسه من جديد، لكن مع حركة كم الشخصية ذات الرداء الأحمر، خف المسدس في يده فجأة

وعندما رفع يده بالكامل، وجد موزة طازجة ممسوكة بإحكام في كفه، وموجهة نحو منتصف جبين تشن لينغ

موزة؟

أصيب منفذ القانون بالذهول، وحدق بصمت في الشيء الذي بيده، وكأن عقله توقف في مكانه

وقبل أن يستعيد وعيه، ارتفع كم رداء الأوبرا القرمزي مرة أخرى، والتوت الفراشات الحمراء من حوله فورا، وتحولت إلى أفاع طويلة نحيلة، تسلقت جسده كالحبال، وكانت ألسنتها السوداء تلامس خده بخفة، باردة حتى العظم

حطم هذا التحول الغريب دفاعاته النفسية تماما، فصرخ مرعوبا وحاول التحرر من هذه الأفاعي النحيلة والهروب، لكن مهما بذل من جهد، بدت الأفاعي كأنها نمت فوق جسده، واستحال التخلص منها

“آآآآآ!! أنقذوني! أنقذوني!!!”

وسط صراخ استغاثته، شد شي رنجيه أسنانه وسحب سيفه الفولاذي من ظهره، ثم اندفع إلى الأمام وضرب الأفاعي النحيلة التي التفّت حوله

انقسمت الأفاعي النحيلة عند الضربة، وانزلقت عن جلد منفذ القانون، كاشفة عن الجزء العلوي العاري من جسده… وفي تلك اللحظة، تجمد كل من منفذ القانون وشي رنجيه، وفركا أعينهما، غير عارفين هل تحولت الملابس إلى أفاع أم تحولت الأفاعي إلى ملابس

هل كان ذلك وهما؟

ظهرت شخصية حمراء شبحية خلف شي رنجيه

شعر شي رنجيه بأن شعر جسده كله قد انتصب، وبرودة تخترق رأسه، فاستدار بلا تردد وضرب بسيفه

مزق النصل الهواء وأطلق دوي اختراق حادا، لكن ما إن اضطربت رؤيته حتى تحول السيف الفولاذي في يده إلى عصا خشبية سوداء متفحمة، وهوت نحو رأس تشن لينغ

في تلك اللحظة، فزع شي رنجيه، لكن بعد تجربة قطع الأفاعي سابقا، أقنع نفسه بأن هذا مجرد وهم، وأن ما يمسكه لا يزال سيفا فولاذيا لا ينكسر… فأمسك قاعدة العصا الخشبية بإحكام ولوح بها إلى الأسفل مصدرا صفيرا حادا

طقطقة

انكسرت العصا الخشبية عند الاصطدام

تجمد شي رنجيه

أمسك بنصف العصا المتفحمة، ومر بريق ذهول في عينيه، لأنه رأى أن ما استخدمه تشن لينغ لصد ضربته هو السيف الفولاذي ذاته الذي كان يفترض أن يكون في يده… وكما حدث مع منفذ القانون، توقف عقله فجأة

هذا غير صحيح؟

ألم تكن تلك الفراشات الحمراء والأفاعي النحيلة قبل قليل أوهاما كلها؟

عندما ظن شي رنجيه أن كل شيء حقيقي، تحول الواقع إلى زيف، وحين قرر أن هذه الأشياء زائفة، عاد الزيف إلى حقيقة… وللحظة، لم يعد يستطيع التمييز بين الحقيقي والزائف

الشيء الوحيد الذي لم يتغير كان الابتسامة الغريبة والمخيفة على وجه الشخصية ذات الرداء الأحمر أمامه

هوى السيف الفولاذي مصدرا صفيرا، فتفاداه شي رنجيه بصعوبة، وشد أسنانه وأخرج مسدسه من جيب صدره، ووجهه نحو تشن لينغ، ثم أغلق عينيه وضغط الزناد

لم ينطلق أي صوت لإطلاق النار

شعر بنعومة عند أطراف أصابعه

فتح شي رنجيه عينيه في حيرة، ولم يعرف متى تحول المسدس في يده إلى موزة

“هذا مستحيل” أصبح عقل شي رنجيه فارغا، “كان هذا حقيقيا بوضوح… لا… هل يمكن أن يكون زائفا؟”

وفي الوقت نفسه، رأى تشن لينغ المقابل له يرفع موزة ببطء نحوه…

دوي، دوي، دوي

أصابته ثلاث رصاصات متتالية، ورغم أن هالة الدرع الحديدي السوداء صدتها وأبطلت أثرها، شعر شي رنجيه في تلك اللحظة بأن عقله قد مات… لم تكن هناك أي طريقة للفوز

لم يفهم مبدأ هذه المعركة العبثية أمامه، ولم يبق في ذهنه، إلى جانب القرمزية التي لا تنتهي، سوى وجه تشن لينغ الغريب

حين يعد الزائف حقيقيا، يتحول الحقيقي إلى زائف، وحين يعد الحقيقي زائفا، يعود الزائف حقيقة

كان الأمر كأن كل شيء، كل شيء على الإطلاق، يولد من حركة ذلك الرداء المسرحي

الحيلة القرمزية

التالي
115/128 89.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.