الفصل 138
الفصل 138: دينغ شوان الداهية، هل سبق أن خرج من أسرة جيانغ ممارس بمرتبة عجلة القمر؟
لم يتردد دينغ شوان بعد ذلك، وضمّ كفّيه قائلًا: «سيدي الحاكم، إنك فعلاً كريم، فمنصب سيد مدينة الكرمة الخضراء يتطلّب عادةً مرتبة عجلة النجوم ليتولّاه صاحبه، لكنك استثنيت شخصًا متواضعًا مثلي، مجرد ممارس من القصر الأرجواني، هذا الفضل العظيم يملؤني تواضعًا، وأشعر كأنك والداي وقد وُلدا من جديد، وهو دين لا أستطيع سداده في هذه الحياة…»
وما إن سمع المديح حتى رفع تشاو هو رأسه وأومأ
لكن في تلك اللحظة تبدّل نبر دينغ شوان فجأة: «غير أن مدينة الكرمة الخضراء في نهاية الأمر مدينة كبرى في إقليمنا تياندو، وتحصيلي ضعيف، وأعرف أن قدراتي لا تكفي، فالأَولى ألا أذهب فأبدو أضحوكة، كي لا أُسقط هيبة سيدي الحاكم»
تجمّد تعبير تشاو هو
واتّسعت عيناه ينظر إلى دينغ شوان في ذهول
لم يتوقع قط أن يمتلك دينغ شوان، وهو لم يبلغ إلا مرتبة القصر الأرجواني، مثل هذه الجرأة فيرفض إغراء منصب سيد مدينة الكرمة الخضراء
كيف يمكن هذا؟!
لم يخطر هذا الموقف ببال تشاو هو إطلاقًا
ولوهلة لم يدرِ كيف يتصرف
وفي تلك الأثناء رفع دينغ شوان رأسه قليلًا، يراقب تشاو هو بطرف عينه بلا انقطاع
ولما رأى ملامح الطرف الآخر تتبدل باستمرار، ازداد يقينًا بأن في الأمر ريبة
وبهذه الفكرة برد قلب دينغ شوان
لم يظن أنه بعد ولائه في خدمة سيدي الحاكم سنواتٍ طوالًا سينتهي به المطاف إلى هذه النتيجة
وخوفًا من أن يعاجله هذا الجنرال أمامه بلطمةٍ ترديه قتيلًا
خرّ سريعًا على ركبتيه، وراح جبينه يرتطم ببلاط الأرض البارد
وبصوت مخنوق قليلًا قال بمنتهى الإخلاص: «منصب سيد مدينة الكرمة الخضراء مهم للغاية، وأنا دينغ لا أملك إلا مرتبة القصر الأرجواني، فإن تولّيت المنصب أخشى ألا أكون أكفأ من أولئك الجنرالات في المدينة، وحينئذ سيصعب أن أنال الاحترام، وقد يحمل الجميع ضغينة على سيدي الحاكم ويشكون من قلّة إنصافه في معالجة الأمور»
«أنا قلق من ألا أكون على قدر فضل سيدي الحاكم العظيم، فإن أسقطت هيبته في ذلك الحين حقًّا، فأنا… أنا أستحق الموت»
«ولذا، حمايةً لصورة سيدي الحاكم، ألتمس إبلاغ سيدي الحاكم أن يترك هذا المنصب الجلل لمن هو أهلٌ له حقًا، وبرأيي فإن جنرال سيدي حكيم وقوي، يَفوقني بعشرة آلاف مرة، وهو بلا شكّ الأنسب لهذا المنصب…»
ترددت كلمات دينغ شوان الصادقة
ويمكن القول إن كل كلمة لامست وترًا في قلب تشاو هو
فارْتَخَت ملامحه على الفور ارتخاءً واضحًا
وفكر في نفسه أن منصب سيد مدينة الكرمة الخضراء سيؤول إليه عاجلًا أو آجلًا، فَلِمَ لا يكون عاجلًا
أما دينغ شوان فليتركه لسيدي الحاكم يتصرف فيه، فهذا لا شأن لي به
وبالطبع كان الأهم أنه تذكّر تعليمات الحاكم الإقليمي
إذ لا يجوز له أن يسيء إلى أسرة جيانغ في كانغوو في هذه اللحظة الحرجة
فماركيز السيف ذي الرداء الأبيض ودينغ شوان «صديقان مقرّبان»، ولو تصرّف بقوة الآن فسيصعب على الأرجح تبرير ذلك
وبهذا الخاطر لم يعد تشاو هو ينوي تضييق الخناق على دينغ شوان، وزمجر ببرود: «همم، لقد بدّدت الفرصة التي منحك إياها سيدي الحاكم، قصير النظر ولا تعرف الفضل»
وما إن سمع التهكّم حتى لم يغضب دينغ شوان البتة، بل تنفّس الصعداء
إذ كان هذا يعني بلا ريب أنه في مأمن
بعد ذلك لم يعد لدى تشاو هو مزاج لمجاملة دينغ شوان
وكاد يغادر مباشرة متوجهًا إلى جبل كانغوو لزيارة ماركيز السيف ذي الرداء الأبيض
لكن خاطرًا خطر له فجأة
إذ رأى أنه قبل الزيارة، ومن باب الاحتياط، من الأفضل أن يتحقق أولًا من وضع أسرة جيانغ
فنظر إلى دينغ شوان وأمره: «سأنوي لاحقًا زيارة أسرة جيانغ، خذني أولًا إلى الأرشيف»
فأومأ دينغ شوان سريعًا: «سأقودك حالًا»
وكان قد عبث بالوثائق سلفًا، فلم يكن قلقًا من وقوع مشكلة
ولما رأى تشاو هو موافقة دينغ شوان بهذه الحسم لم يرتبك بالشك
ثم أسرع خلف دينغ شوان إلى الأرشيف
وما إن دخل
حتى نظر تشاو هو إلى الوثائق المكدسة كالجبال من حوله، متراصة بكثافة، وعلى أسطحها طبقة من الغبار، فعقد حاجبيه وقال ببرود: «أين الوثائق المتعلقة بأسرة جيانغ»
فانطلق دينغ شوان سريعًا إلى رف كتب، واستلّ رزمة وثائق مغطّاة «بالغبار» ومصنوعة من مادة «قديمة»، وأمسكها بيديه
ثم سار مسرعًا إلى تشاو هو، يحمل الوثائق بكلتا يديه ويقدّمها له
«إبلاغًا لجنرال سيدي، هذه كل السجلات الموثقة لأسرة جيانغ منذ وصولهم إلى مدينة وودان…»
أومأ تشاو هو، والتقط بلا تكلّف السجلات الحديثة، يقلبها بتأنٍّ
هذا الفصل محفوظ لمَــجَرّة الرِّوَايَات، وأي إعادة نشر خارجه دون إذن تعني سرقة للمحتوى.
وبعد أن قرأها وجد أنها لا تختلف عما نقله المرسَل من أخبار
فطوى تشاو هو الوثائق في يده ولم يملك إلا أن يتنهد: «إن ماركيز السيف ذي الرداء الأبيض محكَم التدبير حقًا، اخترق إلى القصر الأرجواني فلم يُظهر نفسه، وحتى بعد اختراقه إلى عجلة النجوم لم يطلب الشهرة، وظل متخفيًا إلى أن اخترق عجلة القمر، وعندها فقط، ولأنه أباد أسرة تانغ، ذاع صيته بين ليلة وضحاها وأحدث ضجّة في أرجاء إقليمنا تياندو…»
«غير أن أسرة تانغ في تياندو سيئة الحظ فعلًا، فبسبب فرعٍ أسّسه ابنٌ غير شرعي، لقوا مثل هذا التطهير على يد ماركيز السيف ذي الرداء الأبيض، ولكن لولاهم فربما وفقًا لطبعه لم يكن ليَنفضح بهذه السرعة…»
كانت الوثائق تسجّل بوضوح شتى الأحداث الكبرى عبر السنين
وكان ذلك يشمل مجمل التسلسل من تدمير أسرة تانغ في وودان إلى تدمير أسرة تانغ في تياندو
ولما سمع تنهيدة تشاو هو، لمعت عينا دينغ شوان قليلًا وسأل متحسّسًا: «أتأذن يا سيدي الحاكم، ما الترتيبات التي لديكم بشأن هذا الجيانغ داوشوان»
فرماه تشاو هو بنظرة وقال ببرود: «لِمَ كل هذا الفضول؟ يكفيك أن تفهم أنك مطالب فقط بأداء عملك على الوجه الحسن»
وما إن سمع ذلك حتى أغلق دينغ شوان فمه حالًا
ومن خلال كلام تشاو هو وتصرفاته، ونفاد صبره، وأمر التعيين الذي صدر للتو من الحاكم الإقليمي
فهم يقينًا في قلبه أن سبب سخط الطرف الآخر هو أنه تزلف لزعيم عشيرة جيانغ فلم يرفع التقرير عمّا أخفاه، ثم نقل المرسَل الأمر إلى الحاكم الإقليمي سيما نان، فاستُفزّ بذلك
ومع ذلك لم يُعرْ هذا اهتمامًا كبيرًا
فهو قد عقد العزم أصلًا على التمسك بساق زعيم عشيرة جيانغ حتى الموت
وبخلاف ذلك لم يكن قلقًا كثيرًا على سلامته
فلو أن الحاكم الإقليمي أراد استهداف أسرة جيانغ حقًا لما أرسل جنرالًا واحدًا من مرتبة عجلة النجوم ليموت
وبهذا المنطق يغلب أن تكون هذه رسالة مهادنة
ولذا، ما دامت العلاقة بين الطرفين لم تنقطع بعد، فهو في أمان تام
غير أن الشرط ألا يغادر مدينة وودان، فإن ذهب إلى مكان آخر فالأمر يصير محل شك…
وفي لحظة دارت الأفكار في رأس دينغ شوان بسرعة، وخمّن الحقيقة بدقة عالية
وفي هذا الوقت شرع تشاو هو يقلّب سريعًا تطور أسرة جيانغ في السنوات السابقة
أما ممارسو مرتبة عجلة النجوم فامتلاك ذاكرة تصويرية ليس عندهم إلا أمرًا بديهيًا
ولم تمضِ إلا برهة حتى بلغ الصفحات الأخيرة
وحين أمسك آخر وثيقة أطلق تشاو هو همهمة تعجب خفيفة: «سلف أسرة جيانغ، جيانغ تشي تشيان؟ ممارس بمرتبة عجلة القمر؟ متى كان في إقليمنا تياندو مثل هذا الممارس»
فكل ممارسٍ بعجلة القمر يُعد قوة قتالٍ من الدرجة العليا في إقليم تياندو
وكلما وُلد واحدٌ سُجّل في حوليات الإقليم
لذلك استبدّ به العجب
فهو لم يسمع بهذا الاسم من قبل قط
وظل وجه دينغ شوان ساكنًا على هدوءٍ لافت: «سيدي، لعلّك لا تعلم أن جيانغ تشي تشيان توفي بالمرض بعد استقراره في مدينتنا وودان بمدة قصيرة، ولأنه كان يُشتبه أنه من إقليم آخر لم تُخطر الجهات العليا، تفضّل بتقليب الصفحات التالية…»
فنظر تشاو هو بريبة وبدأ يقلب
وحين قلب إلى الخلف وجد أنه مسجل فعلًا أن جيانغ تشي تشيان تُوفي بعد أيام قليلة فقط من وصوله إلى مدينة وودان
وبعد أن خلّف ترِكته، تزوج أخوه الأصغر «جيانغ تشي رن» امرأة من المدينة، وأسس أسرة جيانغ
ثم خبت أسرة جيانغ لاحقًا، فاغتنمت أسرة تانغ الفرصة وأخضعتها لتكون تابعة لها
ولمّا وُلِد جيانغ هونغشوان واخترق القصر الأرجواني، تخلّصت أسرة جيانغ من التبعية، لكنه مات فجأة بعد ذلك بوقت قصير
وبعد أن قرأ تاريخ تطور أسرة جيانغ لم يملك تشاو هو إلا أن يشعر بشيء من الأسف: «إن أسرة جيانغ هذه عجيبة، لِمَ كان أقوياؤها قصيري العمر جميعًا؟ أيمكن أنهم كانوا يراكمون الحظ، ولم ينجحوا في إنجاب نابغة في الزراعة الروحية مثل ماركيز السيف ذي الرداء الأبيض إلا الآن»
فسارع دينغ شوان يؤمّن: «لا بد أن الأمر كذلك»
اكتفى تشاو هو بابتسامة لا تُفهم على وجهٍ واحد
ثم كفّ عن الاكتراث بصغار القوم مثل دينغ شوان، وغادر الأرشيف على الفور
ومن غير إبطاء قفز إلى السماء واندفع نحو جبل كانغوو
وحين غابت هيئة تشاو هو تمامًا في الأفق
شعر دينغ شوان، الواقف عند مدخل الأرشيف، أن ساقيه قد خارتا منه فجأة، فتهاوى إلى الأرض
ومرتجفًا مدّ يده اليمنى، ومسح بكمّه العرق عن جبينه
«يا زعيم عشيرة جيانغ، لقد مشيت فعلًا على أبواب الهلكة كي أزيل عنك شرًّا محتملًا»
كان توتر دينغ شوان بالغًا
فلو أنه التقط تشاو هو طرف غرابة آنفًا، لربما شلّه حتى إن لم يقتله
لكن لحسن الحظ كانت التحضيرات التي أجراها محكمةً، فلم يُكتشف فيها خلل

تعليقات الفصل