الفصل 257
الفصل 257: شكّ جيانغ تشونغمينغ
وما إن أنهى جيانغ شياوباي كلامه
لم يدرك المكرّم الأسود والأبيض أيّ أمر غير طبيعي
كان يظنّ أنّه بسبب «مساهمته» حاز تقدير الطرف الآخر
وحين ظنّ أنّه سيُتاح له قريبًا الاتّكاء على نفوذ عائلة جيانغ في كانغوو، طار من الفرح وقال على عجل: «شكرًا جزيلًا لتقديرك يا سيدي باي سأخدمك مستقبلًا كالكلب والحصان»
«إن احتجتَ إلى شيء من هذا الحقير فقلها مباشرة لن أرفض، وسأبذل قصارى جهدي لإتمامه»
ولمّا رأى الكلب الصغير البدين عند قدميه يحسن التصرّف، أومأ جيانغ شياوباي واتّسعت ابتسامته
غير أنّه لم يزد كلمة، بل خفّض يده اليمنى ووضع المكرّم الأسود والأبيض على الأرض
ثم نظر إلى تشين شُويه وقال عرضًا: «فلنعد معًا ونرى»
«لا تخافي بعد الآن ما دمتُ هنا فلن يمسّك أحد بأذًى، ولو قليلًا»
فبعثت الثقة القويّة في كلماته بعض الطمأنينة في ملامح تشين شُويه
رمقت أولًا وانغ تونغ بحذر
ولمّا رأت الطرف الآخر صامتًا
لوّحت تشين شُويه بيديها شاكرة وقد بدا الفرح على وجهها: «شكرًا لك يا سيدي باي»
فاكتفى جيانغ شياوباي بإيماءة خفيفة
وفي الحال أطلق وعيَه السماوي ليتحسّس ما حوله
وفي طرفة عين اكتشف مدخل طائفة الشيطان السماوي
التفت إلى من خلفه وقال: «اتبعوني»
وما إن انتهى صوته حتى تحرّك من مكانه مسرعًا نحو جهة المدخل
ولمّا رأى وانغ تونغ ذلك لم يجرؤ على التأخّر، فقادت تشين شُويه والمكرّم الأسود والأبيض ليلحقوا به عن كثب
بعد برهة
وصل جيانغ شياوباي بسلاسة إلى مدخل طائفة الشيطان السماوي
وحين أحسّ مزارعو مرتبة القصر الأرجواني القائمون على الحراسة بوصول أحدٍ، اضطربوا في سرّهم وتعاملوا معه كعدوّ شديد
لكن لمّا رأوا أنّ القادم ليس سوى شاب
تحوّل الذهول في قلوبهم على الفور إلى دهشة
فقال المتقدّم، وهو يمسك السيف الثمين عند خاصرته وبصوت عميق: «من أنت»
عندها هزّ جيانغ شياوباي رأسه، ولم يجد أدنى رغبة في الشرح
وفي اللحظة التالية
شوهد ويداه خلف ظهره
دوّى
وانصبّ ضغط مرعب على نحو لا يُصدَّق، اندفع كالسيل وضغط على أجساد الجميع
ومع أنّ شدّة هذا الضغط لم تبلغ واحدًا من كل عشرة آلاف من قوّته الكاملة
فإنّها بالنسبة إلى هؤلاء المزارعين الضعفاء من مرتبة القصر الأرجواني كانت مرعبة إلى حدّ يستحيل مقاومته
وفي طرفة عين
تبدّلت وجوه الجميع واختلّ توازنهم وسقطوا جميعًا على الأرض
والتصقت أطرافهم بالأرض الباردة
وكأنهم يحملون على ظهورهم جبلًا عظيمًا
غطّى أجسادهم كلّها شعورٌ لا يُجارى بالقهر، ضغطهم بقوّة وجمّدهم بلا حراك
«يا ترى إلى أي مرتبة بلغ زرع هذا الشخص»
في تلك اللحظة امتلأت عيونهم رعبًا
وأدرك الجميع أنّ القادم كبير استثنائي
أمّا جيانغ شياوباي فلم يعبأ لدهشة الحشد وحيرتهم
رفع بصره إلى الأمام، واستشعر هالات المزارعين في الداخل
ولم يملك إلا أن يبتسم عند طرف فمه: «قوّتهم لا بأس بها فلنعد جميعًا إلى جبل كانغوو»
وما إن انتهى صوته حتى اختفى جسد جيانغ شياوباي من مكانه واندفع طائرًا نحو عمق القاعدة
ولم يطل الوقت
مكتب سيّد الطائفة
في تلك اللحظة لم يكن جيانغ تشونغمينغ جالسًا على الكرسي الخشبي
كان متوتّرًا قَلِقًا، يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا بلا توقّف
ولمّا رمق المشهد خارج النافذة تنفّس بحسرة
«لا أعرف كيف حال شُويه الآن»
وبصفته سيّدًا صوريًّا لطائفة الشيطان السماوي
كان بطبيعة الحال يفهم وجوه الرعب في الطائفة أكثر من غيره
فهناك عدد كبير من الأقوياء
والتحصينات صارمة إلى حدّ أنّه هو نفسه سيجد صعوبة بالغة في الفرار
وزوجته لا تتجاوز مرتبة تجمّد الدم، فالهرب من هذا المكان يكاد يكون مستحيلًا
وفوق ذلك فهي تحمل معها غانغَر وهو ما زال رضيعًا، وهذا أشدّ صعوبة
«آه، لا أرجو إلا أن يحفظها أسلاف الأجيال الماضية، فتتمكّن شُويه من الخروج آمنة مع غانغَر»
ولولا الضرورة القاهرة، فلِمَ يلجأان إلى مخاطرة كهذه
لكنّ مرّات مغادرة الحامي الأكبر للقاعدة قليلة ونادرة، وهذه أفضل فرصة
وإن فاتهما هذا الوقت قلّ الأمل أكثر في المستقبل
أبدى جيانغ تشونغمينغ ملامح مُرّة ولم يملك إلا أن يهزّ رأسه
وفي تلك اللحظة
فرقعة
انبعث دويّ مكتوم فجأة من خلف الباب فقطع عليه أفكاره
«همم»
رفع جيانغ تشونغمينغ حاجبًا وهو حائر، وتوقّف عن المشي من غير إرادة
ثم قبل أن يستوضح الأمر
رأى باب الغرفة يُركَل بقوّة وينفتح
وإذا بشابٍ بثياب سوداء ذي هالة مرعبة وابتسامة وادعة على شفتيه يظهر أمامه
«من أنت»
أدرك جيانغ تشونغمينغ أنّ الطرف الآخر ليس ممّن يُمزَح معهم، وشعر على الفور بنذير سوء
رمقه جيانغ شياوباي وقال بهدوء: «اتبعني»
«آه»
اتّسعت عينا جيانغ تشونغمينغ وجمد في مكانه وقد بدا عليه الارتباك
أيُتْرك له أن يغادر
أهو فخّ أم اختبار
وبحكم نشأته زمنًا طويلًا في بيئات قاسية
كان جيانغ تشونغمينغ شديد التحرّز من الغرباء
وفي تلك اللحظة، ولمّا رآه جيانغ شياوباي ما يزال مذهولًا
لم يتكلّم كثيرًا، بل لوّح بيده كيفما اتّفق، فشكّل كفًّا عظيمة من قوّة الجوهر وجذب جيانغ تشونغمينغ إلى جانبه
ومن غير إبطاء خرج من الغرفة حالًا
وبعد أن غادر المكتب إلى الخارج
وحين نظر حوله انكمشت حدقتا جيانغ تشونغمينغ بشدّة وسرت في جسده قشعريرة
حتى إنه لم يكد يصدّق عينيه
فقد رأى الأرض تغصّ بالمزارعين المطروحين
وبنظرة واحدة تقدّر عددهم بألف على الأقل
ما الذي حدث للتوّ
يبست شفتا جيانغ تشونغمينغ وارتجفت روحه
لم يخطر له قطّ أنّ بابًا واحدًا فقط كان يفصل بينه وبين تغيّر مذهل بهذا الحجم وقع في الخارج
وما زاده رعبًا أنّه
بين المطروحين أرضًا
رأى كثيرًا من الوجوه المألوفة
فلم يكن هناك خبراء مرتبة عجلة النجوم وعجلة القمر فحسب
بل حتى خبراء مرتبة عجلة الشمس في الطائفة لم يُستثنَوا
فلم يملكوا إلا أن يظلّوا ملتصقين بالأرض كالنمل بلا حراك
ثم أدار جيانغ تشونغمينغ عنقه بتصلّب، ونظر إلى جيانغ شياوباي بجواره وهو لا يزال واجف القلب
«يا ترى إلى أي مرتبة بلغ زرع هذا الشخص»
لم يشهد في حياته قوّة مرعبة كهذه
وما هو أشدّ قشعريرةً للتفكير أنّه
لم يصل أيّ صوت يُذكر، ولم يسمع صخبًا أصلًا، ومع ذلك فقدوا القدرة على المقاومة
وهذا يدلّ من غير ريب على أنّ قوّة الضارب سحقت كلّ من في المكان سحقًا تامًا
وهذا الفارق السحيق في نتيجة القتال أمرٌ لم يكن حتى ذلك الحامي الأكبر المرعب ليبلغَه
وبينما يرتجف قلب جيانغ تشونغمينغ من الصدمة، لمح بطرف عينه شخصًا مألوفًا
«شُويه»
شعر جيانغ تشونغمينغ بمرارة في فمه وقال في سرّه إنّ الأمر سيّئ
ذلك لأنّ قرب زوجته كان يقف شخص بملابس حمراء، وهو آخر من يودّ رؤيته، كالكابوس
الحامي الأكبر، وانغ تونغ
لقد عاد حقًا
أحسّ جيانغ تشونغمينغ بأنّ السواد يزحف على بصره، وكأنّ كلّ شيء قد انتهى

تعليقات الفصل