الفصل 288
الفصل 288: أخبار من عالم الكهف الصغير
أمّا يوون تشنغ الواقف أمامه
وبرغم أنّ موهبته ليست وحشيةً كمَهارة المعلّم
فإنه على مستوى المملكة كلّها يُعَدّ من أصحاب المواهب في الطبقة العليا أيضًا
فبعد مئات السنين من الزراعة الروحية، كان قد بلغ قبل رحلته إلى الكهف الشمالي المستوى السادس من مرتبة عجلة الشمس
وفوق ذلك، فقد رآه ينمو منذ طفولته
ورابطت بينهما علاقة عميقة لا تقلّ عن علاقة الأخوّة في الدم
وبجانب موهبته واستعداده
كان طبعه كذلك ناضجًا رصينًا
فهو خلافًا لأبناء العائلات النبيلة الآخرين، لا يتكئ على خلفيته ليفسد في كل مكان
ولذلك كانت سمعته في البلاط ممتازة
ومنذ عقودٍ طويلة منحه ملك تشين لقب «المركيز البطل» لتشين العظمى
وفي حروب الاحتكاك بين الممالك التسع حقّق انتصارات مرّاتٍ عدّة ولم يُمنى إلا بقليل من الهزائم
وبرغم أنّ زراعته الروحية لم تكن الأقوى في الجيش، فإنّه كان قائدًا من الطراز الأوّل
بل إنّه قبل 200 عام عثر مصادفةً على تقنية سرّية وزرع مجموعةً من فنون القتل العسكرية
فصار قادرًا على تدريب تشكيلات القتال، وتجميع نية القتل وقوة الجوهر للجيش كلّه، فيمدّ نفسه بالقوة ويُطلق طاقةً مرعبة لا تقلّ عن سيدٍ حقّ في مرتبة التحوّلات الكثيرة
ومنذ عقود، أثارت تحرّكات غير مألوفة في كهوف الوحوش شمال تشين العظمى تمرّدًا لوحوشٍ ضارية
ولمنع هذه الوحوش من إشاعة الفوضى وإيذاء شعب تشين العظمى
تقدّم يوون تشنغ في البلاط طوعًا وقاد الجيش إلى هناك
واستغرقت تلك الرحلة عقودًا طويلة
ولذلك، حين رآه الآخر يعود فجأةً بلا أيّ إشعار مسبق
لم يملك تشانغ لونغ إلا أن شعر بالدهشة
ثم سأل من تلقاء نفسه: «يا تشنغ إر، بما أنك عدت فجأة الآن، هل أخمدت تمرّد الوحوش الضارية في الكهف الشمالي»
هزّ يوون تشنغ رأسه وتنهد
«تبدو تلك الوحوش لا نهاية لها، فكلّما قضيتُ على موجةٍ خرجت أخرى فورًا، فلم أستطع بلوغ المنطقة الجوهرية»
«عدد الوحوش الضارية وقوّتها يختلفان اختلافًا هائلًا عمّا جمعته المملكة من معلومات قبل وقوع تمرّد الكهف الشمالي»
«والفارق الزمني لا يزيد على نحو عام واحد، فمحالٌ أن يظهر هذا الكمّ الهائل من الوحوش خلاله»
«ومن ثَمّ، طوال هذه العقود، وبينما أقاتل الوحوش، كنت أبحث كذلك عن مصدرها»
«غير أنّ استخدام تشكيلات القتال يُثقِل الجسد كثيرًا ولا يمكن الحفاظ عليه طويلًا، فتكون المدّة غير كافية لأنفذ أعمق»
توقّف صوت يوون تشنغ فجأة
وفي الحال تدفّقت من حوله هالة جبّارة إلى أقصى حدّ، وأهاجت الطاقة الروحية في السماء والأرض
«ولم يحدث ذلك إلا قريبًا حين استخدمتُ تشكيل قتالٍ لمواجهة وحشٍ ضارٍ في مرتبة الظواهر الكثيرة، المستوى الثاني، وآخر في المرتبة نفسها، المستوى الرابع، فأبصرتُ استنارةً في خضمّ القتال ولحسن الحظّ اخترقتُ إلى مرتبة الظواهر الكثيرة»
«وبرغم أنّي قتلت في تلك المعركة وحشَين ضاريين في مرتبة التحوّلات الكثيرة، فقد تكبّد الجنود الذين تحت إمرتي خسائر فادحة»
وبينما يتكلّم، لمعت في عيني يوون تشنغ لمحة أسى، وخفت صوته من غير قصد
ثم ما لبث أن تنبّه لشيءٍ ما فعاد متماسكًا سريعًا
«بعد ذلك تقدّمتُ إلى الأعماق، فوجدتُ أنّ الطاقة الروحية من حولي مضطربة، وأنّ الفضاء نفسه غير مستقرٍّ إلى حدٍّ بعيد، يا أخي الأكبر، خمن ماذا اكتشفت هناك»
وما إن أنهى كلامه
حتى تذكّر تشانغ لونغ، الذي كانت قد أثارت المسألة اهتمامه كثيرًا، أمرًا ما
فلم يملك إلا أن اتّسعت عيناه وقد غمرتهما الصدمة: «أيمكن أن…»
قبض يوون تشنغ قبضتَيه وأومأ: «تخمين الأخ الأكبر صحيح، ففي أعماق الكهف الشمالي يختبئ عالم كهفٍ سماويٌّ صغير يعجّ بالوحوش الضارية»
«والمظنون أنّه لذلك تحديدًا، وبعد ألف عام، اندلع تمرّد الكهف الشمالي مرة أخرى»
وما إن سمع تشانغ لونغ ذلك حتى انتفض
فما كان ليتوقّع قطّ أن يتعلّق تمرّد الكهف الشمالي بأمرٍ جسيمٍ إلى هذا الحدّ
إذ نتكلّم عن عالم كهفٍ سماويٍّ صغير
النسخ الموجودة بعيدًا عن مَجـرّة الرِّوَايَات قد لا تكون شرعية ولا تحترم تعب العاملين.
وتلك أرض كنوز يحلم بها لا حصر له من الزُرّاع الروحيين
فإذا وقعت في أيديهم، فلن يعودوا مضطرّين إلى الخشية من إشعال حروبٍ مفرطة مع الممالك الثماني الأخرى فتتدخّل السلالة الملكية لزهرة القمر
وسيستأثرون وحدهم بهذا المخزن الهائل الذي لا يُقدّر بثمن من الموارد
وربّما يعثرون حتى على بعض الأعشاب الطبية النفيسة ذات الـ 10,000 عام، أو حتى الـ 100,000 عام
وما إن فكّر في ذلك حتى التفت تشانغ لونغ مسرعًا إلى يوون تشنغ
«أفهل عودتك هذه المرّة للإبلاغ بهذا الأمر للمعلّم، ليتحرّك ويستولي على عالم الكهف السماوي الصغير هذا الذي لم يكتشفه أحد بعد»
ففي قلبه، وعلى مستوى مملكة تشين العظمى كلّها، ما دام ذلك الزعيم الغامض لعشيرة جيانغ لم يتدخّل
فلن يستطيع أحدٌ أن ينافس معلّمه على هذا المورد
وربّما تكمن فرصة اختراق معلّمه في عالم الكهف السماوي الصغير المختبئ في الكهف الشمالي
أومأ يوون تشنغ: «صحيح، فأنا أعلم أنّ أمنية والدي القديمة أن يخترق إلى مرحلة روح الوليد، ويذهب إلى عائلة شانغوان الأرستقراطية ليطلب الإنصاف لأمّي»
«غير أنّه الآن، وبسبب افتقاد فرصةٍ صغيرة، ظلّ عند المستوى التاسع من مرتبة الظواهر الكثيرة زمنًا طويلًا، وبلا أملٍ في مرحلة روح الوليد»
«والمظنون أنّ هذا العالم السماوي الصغير قد يتيح لوالدي أن يلمح خيطًا من الفرصة»
وإذ سمع ذلك دفئ قلب تشانغ لونغ، ولم يملك إلا أن يفرح لمعلّمه
فعالم كهفٍ سماويٍّ صغير، يا لها من صناعةٍ عظمى من صنع السماء والأرض
ومنذ مئات السنين، اكتُشف عالمُ كهفٍ سماويٍّ صغير
وما إن ظهر حتى استدرج قوى كثيرة للتنازع عليه، وقاد مباشرةً إلى مصرع أحد أقوى أقوياء تشين العظمى، زعيم طائفة تيانمو «جيانغ مينغشنغ»
ثم تهاوى بعده أكثر من عشرة خبراء في مرتبة الظواهر الكثيرة واحدًا بعد آخر
لكن مع نهاية الصراع، لم يقع عالم الكهف السماوي الصغير ذاك في يد أيّ قوّةٍ داخل تشين العظمى
فقدوم خبيرٍ في مرحلة روح الوليد أرسلته السلالة الملكية لزهرة القمر قمع تشين العظمى، وأجبر قوى لا تُحصى على خفض رؤوسها والتخلّي عن التنازع
ومِن ثَمّ يتّضح مقدار أهمية عالم الكهف السماوي الصغير
ثم عاد تشانغ لونغ إلى رشده
ولمّا تذكّر أمر عائلة جيانغ في تسانغوو، اعتدل وجهه فجأةً واشتدّت ملامحه
ولذلك قال بصوتٍ عميق: «إنّ أمر عالم الكهف السماوي الصغير لا يحتمل أيّ خطأ قطّ، وتصادف أنّ لديّ أنا أيضًا شأنًا مهمًّا لرفعه إلى المعلّم، فلتأتِ معي إذن»
«أوه»
رفع يوون تشنغ حاجبه وقد سمع من نبرة الآخر خطورة الأمر على الفور
وفي الحال استبدّت به رغبةٌ شديدة لمعرفة الشأن المهم الذي ذكره أخوه الأكبر
وبينما تندفع الأفكار في رأسه ضمّ كفّيه وقال: «سيكون ذلك ممتازًا»
أومأ تشانغ لونغ قليلًا، واستأنف السير حالًا مسرعًا نحو موضع زراعة يوون فِنغ
ولمّا رأى ذلك أسرع يوون تشنغ يتبعه
قبل وقتٍ طويل
كان الاثنان قد وصلا إلى مقصدهما بنجاح
غير أنّ الباب انفتح ببطء قبل أن يقتربا منه أصلًا
ونسيمٌ لطيف داعب وجهيهما
وتلا ذلك صوتٌ دافئٌ أملس كالياقوت يقول: «ادخلا»
ولمّا سمعا الصوت، لم يشعر تشانغ لونغ ويوون تشنغ بأدنى دهشة
فمعلّمُهما/والدُهما ذو زراعةٍ مدهشة، ومن الطبيعي أن يتحسّس وجودهما خارج الباب مسبقًا
ثم خفَضا رأسَيهما ودخلا بخشوع
وما إن دخلا الغرفة
وشعرا بالبرودة من حولهما
حتى رفع تشانغ لونغ رأسه بحذر وتطلّع
فحيث وقع بصره جلس رجلٌ في منتصف العمر بعينين موصودتين على وسادةٍ، تدور حوله طاقةٌ روحية تتحوّل طورًا إلى وحوشٍ روحية، وطورًا إلى وحوشٍ ضارية، وطورًا إلى هيئة بشر، والداو يتبع الطبيعة، عميقٌ غامض
ونظرةٌ واحدة كافية لتجعل المرء يبهَر وتخطف لُبّه، يغوص فيها ويشعر بالمهابة

تعليقات الفصل