الفصل 352
الفصل 352: كلٌّ يُظهر وسائله
في هذه اللحظة آثر عدد كبير من المتفرجين خارج الساحة الصمت ولزموا الهدوء
رفعوا رؤوسهم ونظروا في الاتجاه نفسه
كانوا يتطلعون إلى ثلاث هيئات رشيقة تقف بجوار أفران صقل الحبوب
امتلأت قلوبهم بفضول شديد، وأخذوا يُخمّنون في أنفسهم مَن بينهم سيهزم النجمين الآخرين في مؤتمر صقل الحبوب وينتزع المركز الأول
بعد نحو دقيقتين
على المنصّة الحجرية في الساحة
ألقى الحكّام نظرة على الثلاثة
ثم باشروا فورًا إعلان تفاصيل الجولة الثالثة: هذه الجولة هي صقل «حبة البياض السباعي» من «رتبة الأرض، الدرجة المتوسطة». خلال نحو ساعة ونصف تقريبًا، تُحتسب نقطة واحدة عن كل دفعة ناجحة من «حبة البياض السباعي» في فرن واحد
جودة الدرجة الدنيا بنقطة واحدة، والدرجة المتوسطة بنقطتين، والدرجة العالية بثلاث نقاط، والجودة الكاملة بأربع نقاط، والترتيب النهائي يُحسم بمجموع النقاط
وما إن انتهت الكلمات
حتى تقدم جمع من تلاميذ طائفة شوان دان حاملين الأعشاب الطبية اللازمة لصقل «حبة البياض السباعي»، ووضعوها إلى جوار المشاركين الثلاثة
أخفض جيانغ يان رأسه، وتعمّق التفكير في عينيه
فهذه «الحبة» دواء تعافٍ نفيس من «رتبة الأرض، الدرجة الدنيا»
وسُمّيت كذلك لأن جسمها بلون برتقالي مصفَرّ، وعلى سطحها سبع نقاط دائرية بلون اليشم الأبيض
وصعوبتها ليست عالية؛ فأي صاقل حبوب من الدرجة العالية يستطيع إنجازها بسهولة
غير أن الفوز في هذا المؤتمر لا يُنال بحبة واحدة قطعًا
إذ لا بد من استغلال مقدار الأعشاب المحدود لصقل عدد أكبر من الحبوب، وبجودة أفضل
ولتحقيق ذلك لا يجوز إهدار الكثير من الأعشاب أثناء الصقل، بل ينبغي استخدام تقنيات ضبط نار بالغة الدقة لاستخراج كل ذرة من خواص الدواء، وعندها فقط تتاح فرصة صقل عدة حبوب في فرن واحد
لذلك تصبح الصعوبة هنا شديدة للغاية
غير أن هذا أمامي الآن ليس إلا أمرًا يسيرًا
هزّ جيانغ يان رأسه
فحتى من دون استخدام لهيب غريب من «رتبة السماء» أو «رتبة السامي»
وباكتفائه باللّهيب الغريب من «رتبة الغموض، الدرجة القصوى» الذي منحه إيّاه جيانغ تشن، مضافًا إليه تقنيات ضبط النار التي علّمه إيّاها المعلّم
فهو واثق بقدرته على استغلال هذه الأعشاب كاملة وصقل نتائج تتجاوز خيال الناس إلى أقصاه
رفع جيانغ يان رأسه وحدّق بصمت في حجر التسجيل الذي تمسكه الفتاة غير بعيد
جيانغ تشن، راقب جيّدًا كيف سأستخدم هذا اللّهيب الغريب الذي أهديتني إياه لأخطف المركز الأول في هذه المنافسة الكبرى
ومضت الفكرة في ذهنه، فسحب نظره سريعًا وركّز انتباهه كله على الأعشاب أمامه
…
على الجانب الآخر
كان تانغ جينغمينغ وتشو يان يتأملان هذه الأعشاب الطبية، وبدت في أعماق أعينهما ثقة هائلة
فكلاهما يملك تَرِكة معلّم كبير في طريق الحبوب، وتقنيات ضبط النار التي يتقنانها اليوم أدقّ بكثير مما يتصوره الناس
وهذه التقنيات هي مصدر ثقتهما الأعظم في انتزاع المركز الأول
تبادل الاثنان النظرات
والتقت العيون
وكان المشهد تحدّيًا صريحًا
ومع إعلان الحكّام بدء الجولة الثالثة
أطلق تشو يان نفخة باردة، ومن غير أدنى تردد استعرض فورًا ما أتقنه من تقنيات صقل متفوّقة
وفي الوقت نفسه انبثقت من جسده شعلة خضراء باهتة، انطلقت لتستقر على فرن صقل الحبوب أمامه
كان ذلك لهيبًا غريبًا نفيسًا جمعه له والده
ورتبته عالية حتى «رتبة الأرض، الدرجة المتوسطة»، وهو لهيب كنز يحلم به عدد لا يُحصى من صاقلي الحبوب
ندرته إلى حد أن كثيرًا من معلّمي صقل الحبوب الكبار لا يملكونه
أما هو، فبفضل خلفية والده—وهو معلّم كبير في صقل الحبوب—نال هذا اللّهيب النفيس وهو لا يزال في مرتبة «صاقل حبوب من الدرجة العالية»
وما إن أظهر تشو يان لهيبه الغريب من رتبة الأرض حتى علت من حوله أصوات حاسدة
وشاهد كثير من صاقلي الحبوب هذا المشهد وعيونهم تتقد شوقًا
وبينما يتأملون اللّهيب من رتبة الأرض وهو يتوهّج، امتلأت قلوبهم حماسةً، وتمنّوا لو بوسعهم التقدم فورًا لانتزاعه لأنفسهم
لكنهم، بعد أن رمقوا الأرجاء ووقعَت أعينُهم على الأقوياء الذين نشرتهم طائفة شوان دان للحراسة هنا
لم يجدوا إلا أن يطردوا سريعًا هذه الفكرة الحمقاء
فمع أن اللّهيب الغريب من رتبة الأرض نفيس، فإنه لا يستحق أن يُقامروا بحياتهم لأجله
أمّا لو كان لهيبًا غريبًا من رتبة السماء، فهنا قد يستحق المخاطرة
هزّ الجميع رؤوسهم وتنهّدوا في سرّهم: ما أطيب حظ هذا «ملك الحبوب الصغير»، فأبٌ كهذا يهديه لهيبًا نفيسًا من رتبة الأرض بكل بساطة
وتوالى شعور المرارة في قلوب صاقلي الحبوب من حوله
أما تانغ جينغمينغ فلوّى شفته قليلًا، وأخرج على الفور شعلة ذهبية شاحبة
وبصفة كونه آخر تلميذ للجدّ المؤسس لطائفة شوان دان يون سونتسي، فطبيعي أن يملك هو الآخر لهيبًا غريبًا من رتبة الأرض
ومع ظهور لهيبين غريبين من رتبة الأرض
تأجّج جوّ المكان سريعًا
وعلى الأثر، وجّه كثير من صاقلي الحبوب أنظارهم إلى جيانغ يان
فقد كانوا فضوليين للغاية: أي مفاجأة قد يصنعها لهم هذا النابغة الغامض في طريق الحبوب
غير أنّ جيانغ يان، تحت أنظارهم، أبقى تعابيره هادئة وأخرج بهدوء لهيبه الغريب من «رتبة الغموض»
ولمّا رأوا ذلك لم يملك صاقلو الحبوب من حوله إلا أن شعروا بخيبة خفيفة
فمع أن اللّهيب الغريب من رتبة الغموض يُعد كنزًا نادرًا لكثيرين، فإن ظهوره من «يان تشن» الشاب الغامض بدا عاديًا للغاية، بل غير منسجم مع مكانته
…
وفي هذه اللحظة، وبينما كان يستخدم لهيبه الغريب لصقل الحبوب، رمق تشو يان جيانغ يان بطرف عينه
ولمّا رأى أن الطرف الآخر لا يزال يستخدم اللّهيب الغريب نفسه من «رتبة الغموض، الدرجة الدنيا» مثل الجولة السابقة
ارتسم احتقار لا إرادي على وجهه
إذ كان يظن أن ذاك قد يهدد مركزه الأول وأنه خصمه الأكبر
لكن تبيّن له أنه مجرد خداع وإنذار كاذب
تنفّس الصعداء ساخرًا: لهيب غريب من رتبة الغموض فحسب، شيء منخفض الدرجة كهذا، أهذا ما تجرؤ على إظهاره؟ يبدو أنك فعلًا لا تملك أي لهيب غريب آخر تستعيض به
وبأساس ضحل كهذا، فالغالب أنه لا تَرِكة وراءك أصلًا. أما صقل «حبة تشو مينغ» بالجودة الكاملة، فربما كان محض حظ لا أكثر
وإذ فكّر في ذلك، حوّل تشو يان نظره إلى تانغ جينغمينغ غير البعيد
وتأمل اللّهيب الغريب من رتبة الأرض الذي يستخدمه ذاك
فعلم في قرارة نفسه أن هذا الشخص كان خصمه الأكبر منذ البداية وحتى النهاية، ولا يجوز الاستهانة به
وما إن أدرك ذلك حتى جمع تشو يان ذهنه وشرع يصقل بكل ما أوتي من عزم
ولكي يظفر بالفوز، لا بد له من المجازفة، وبذل جهد يفوق المعتاد بأضعاف لصقل «حبة البياض السباعي»
وفي هذا المسار لا مجال لأي خطأ
فزلة يسيرة تعني ضياع ما سبق من جهد وخسارة كل شيء
وهكذا نتيجة لا يمكنه قبولها إطلاقًا
وفي الوقت نفسه
كان لدى تانغ جينغمينغ الفكرة نفسها
فحين رأى أن هذا «يان تشن» الغامض لا يزال يستخدم لهيبًا من «رتبة الغموض» حتى في الجولة النهائية
لم يعد يحسب له حسابًا
إذ بحسب الموهبة المرعبة التي أظهرها الطرف الآخر، لو أن وراءه قوة عتيدة فعلًا، وبالنظر إلى مقدار العناية التي ستوليه إيّاه تلك القوة، لاستحال أن يملك مجرد لهيب غريب من «رتبة الغموض» لا غير

تعليقات الفصل