الفصل 376
الفصل 376: بي شوان وبي مينغ!
غير بعيد، داخل الكوخ القشّي
رفع الشيخ فنجان الشاي وارتشف رشفة من الشاي الساخن
وبينما يصغي إلى هتافات الحشد في الحقل الدوائي، ارتسمت على شفتيه ابتسامة من غير قصد
كان هذا جيانغ هونغكانغ، الذي خفّضه جيانغ داوشوان من شيوخ العروق السبع إلى قيّم على الحقل الدوائي
وبعد أشهر من التهذيب تغيّرت حالته الذهنية وأصبحت أكثر سكينة
فوجوده في الحقل الدوائي، بعيدًا عن شواغل الدنيا، حياة هادئة منزوعة الضجيج، كطائر الكركيّ الوحشيّ بين الغيوم
ولديه كانت حياة كهذه هي أفضل حياة
ثم وضع جيانغ هونغكانغ فنجان الشاي
وحسب الوقت ونظر إلى الشاب بجانبه: «لقد حان الوقت، آن أوان تبديل النوبة»
كانت الأعشاب الدوائية النفيسة في الحقل الدوائي ذات قيمة عالية
ولمنع الخدم من افتعال المشاكل وإتلافها عمدًا
كان يأتي تلاميذ عائلة جيانغ لمراقبتها في كل ساعة من ساعات اليوم
وباستثناء حضوره هو الدائم الذي لا يتخلّف
كان القيّمون الآخرون يتناوبون كل ثلاث ساعات، فيأتون إلى هنا لحراسة الحقل الدوائي معه والإشراف على أفعال الخدم
ولما سمع الشاب صوت جيانغ هونغكانغ أومأ برأسه، وأخرج سريعًا رمز كانغوو، ووجد رقم العشيرة للمناوب التالي «جيانغ بي شوان»
وفي الوقت نفسه
محطة فرع كاي يانغ
في غرفة ما
كان شاب وسيم مستلقيًا على السرير مغمض العينين
وفجأة ارتعش رمشاه قليلًا وفتح عينيه ببطء
ولما نظر إلى السقف وما حوله من أشياء غير مألوفة، لم يملك إلا أن شعر ببعض الذهول
«أنا… أين أنا»
كان في عيني الشاب ارتباك لا ينتهي
كان يذكر بوضوح أنه قبل لحظة فقط كان يشارك في تلك المعركة المروّعة لذبح الكائنات العظمى
وفي تلك المعركة لوّح بسلاح إمبراطوري وقتل عدة شياطين قدموا من الإقليم الغريب
غير أنه هو نفسه لم يزد عن مرتبة الإمبراطور العظيم في السماء التاسعة، ولم يبلغ بعد مرتبة ذوي العمر الطويل
وهذا ما جعله يُصاب بجراح بالغة تحت الحصار، ثم يموت نضوبًا
«كان ينبغي أنني متّ، فبوسائل أولئك الشياطين يستحيل أن تكون روح الوليد قد بقيت على قيد الحياة»
استشعر الشاب حال جسده قليلًا
فإذا بإنجازه السابق في الوعي السماوي وزراعته العميقة قد تلاشت كلها، كدخان من الماضي
ولم يبقَ إلا زراعة سطحية في مرتبة القصر الأرجواني
«ومع ذلك فهذا أيضًا حسن»
«ما دمت أنا، جيانغ بي شوان، قد حالفني البقاء، فسأعود حين أستجمع قواي مستقبلًا وأقتحم الإقليم الغريب وأقلب الدنيا رأسًا على عقب، فتجري أنهار من الدم ويسود صمت الأحياء»
عقد جيانغ بي شوان قبضتيه، وبان في عينيه حقد جارف
فلقد هبطت تلك الشياطين المزعومة فجأة على عالمهم العظيم، تريد صهر أصل العالم العظيم ليعود نفعه على الإقليم الغريب نفسه
ولو أنها نجحت حقًا
لانهدّ العالم العظيم الذي هم فيه، وهلكت جميع الكائنات الحية
وبوصفه إمبراطورًا عظيمًا كان يمكنه النجاة من الكارثة
لكن أصدقاءه وعائلته كانوا مقدّرين للفناء في تلك الفاجعة الكبرى
فكيف له أن يقبل عاقبة كهذه
ولذلك بادر حاسمًا لحماية أمن العالم العظيم
غير أن قوة الإقليم الغريب وأساسه فاقت تصوّرهم كثيرًا
وفي هذه المعركة فنى بالفعل كثير من الأصدقاء القدامى
حتى أخوه الأصغر، سيّد قصر بي مينغ «جيانغ بي مينغ»، انتهى به الأمر على وشك الهلاك
وكان هو أيضًا يملك زراعة السماء التاسعة من مرتبة الإمبراطور، ويدعوه عدد لا يُحصى من المزارعين «الحاكم الإمبراطوري بي مينغ»
كما أنه تمرّس تقنية صقل جسد بالغة القوّة «فنّ القرمزي المشرق لتسع سماوات»، ولم تكن أضعف من تقنية بدرجة ذوي عمر طويل
وقد دمج كذلك المقاصد الخمسة العظمى للسيف: مقصد سيف الدم المتقطر، ومقصد السيف بلا ظلّ، ومقصد سيف انهيار السماء، ومقصد سيف اليِن واليَانغ، ومقصد السيف القائم على العقل وحده، فكوّن طريق سيف بي مينغ الفريد
ومع ذلك، فبعد قتالاتٍ عبر المراتب قتل فيها شياطين عدة، استجلب تدخّل ملك الشياطين في الإقليم الغريب، فأصيب بجراح بالغة، بل جرفته أيضًا اضطرابات الزمان والمكان، فغاب أخيرًا بلا أثر
ومن ثم فهو الآن قد تحرر من كل عُرى التعلّق، ولا بد أن يسكب كل ما عنده، انتقامًا لكل من يعنيه أمرهم
والديون الدموية لا تُقضى إلا بالدم
وما إن فكّر في هذا حتى تبدّد الارتباك من عيني جيانغ بي شوان سريعًا، وتعاظم في قلبه عزم القتال من جديد
ثم نهض ببطء، وطأطأ رأسه، ونظر إلى يديه، فإذا بتعبير غريب يعلو وجهه
فهو لم يفقد جسده الإمبراطوري المفخور به فحسب، بل بدا حتى أن الجسد لم يعد جسده
«هذا الإحساس… ولادة جديدة عبر التلبّس»
وما إن خطرت الفكرة
حتى جاء اهتزاز مفاجئ من جيبه في اللحظة التالية
طنين طنين طنين—
تتبع جيانغ بي شوان مصدر الصوت ومدّ يده اليمنى
وسرعان ما وجد رمزًا غريبًا
ما هذا
أمسك جيانغ بي شوان بالرمز وأخذ يتفحّصه مرارًا
غير أنه كلما أمعن النظر ازداد اتساع الدهشة في عينيه
فمع أن زراعته قد ذهبت، فإن بصيرته لا تزال قائمة
وكانت مادّة هذا الرمز مميزة، وليست عادية قطعًا، وربما لا تقل صلابته عن مواد سلاح إمبراطوري عادي
ومثل هذا الغرض العظيم، لو كُشفت عجائبه، لكفى أن يُقاتل عليه أقوياء مرتبة الإمبراطور
فكيف يظهر عند مزارع لا يزيد عن مرتبة القصر الأرجواني
«يبدو أن صاحب الجسد الأصلي كان صاحب فرصة كبيرة»
وبينما كان جيانغ بي شوان يتنهّد
مسّ وعيه السماوي الرمز بلا قصد
فإذا بوهج أزرق فاتح يندفع من داخل الرمز في الحال، ويُسقَط أمام عينيه، فتتشكل منه واجهة
ولما نظر إلى المحتويات المعروضة عليها شعر بشيء من الدهشة
«رمز كانغوو؟ عائلة جيانغ في كانغوو»
لم يكن يتوقع أن العائلة التي ينتمي إليها صاحب الجسد الأصلي تحمل أيضًا اسم «جيانغ»، مثل عائلته هو
وأحدث هذا التوافق في نفسه شعورًا كبيرًا بالأسى
لكن الرسالة التالية أوقفته قليلًا
【انتهى وقت نوبتي، تعال بسرعة إلى الحقل الدوائي، يا شاب العشيرة بي شوان】
«شاب العشيرة بي شوان»
لمع في عيني جيانغ بي شوان تعبير غريب
وما دام الأمر متصلًا باسم «عائلة جيانغ في كانغوو»، فكيف لا يعرف اسم صاحب الجسد الأصلي
لم يكن سوى «جيانغ بي شوان» نفسه
أليس هذا مصادفة مفرطة
خفض جيانغ بي شوان رأسه واستغرق في التفكير
وفي تلك اللحظة بالذات نشأ في قلبه إحساس غريب، لكنه لم يستطع هو نفسه أن يحدّد ما غرابته
غير أن صوتًا جاء عندئذٍ من خارج الباب
«أخي! قد أشرقت الشمس على ظهرك وأنت لا تزال نائمًا، يا كسلان»
أربك الصوت الطفولي جيانغ بي شوان قليلًا
بل إنه أحسّ فيه بنقطة من الأُلفة
كأنه عاد إلى صباه الخالي من الهموم، إلى الأوقات السعيدة التي قضاها مع أخيه الأصغر
لكن ذلك كان في نهاية المطاف شيئًا من الماضي
وما إن تذكّر الحال البائس لأخيه الأصغر، الذي استنزف أصله وخاطر بالموت ليقاتل معه أولئك الأقوياء من الإقليم الغريب
حتى شعر جيانغ بي شوان فجأة بألم شديد في القلب، وسرعان ما جرفه الحقد الجارف إلى صفاء الذهن
ثم، ليستوضح الموقف، نهض على الفور، ومضى إلى الباب، ومدّ يديه، ودفعه ليفتحه
غير أن المشهد الذي استقبل عينيه في اللحظة التالية جعل حتى حدقتَي هذا الإمبراطور العظيم تنكمشان، وتثور في قلبه عاصفة
هذا… كيف يكون ممكنًا
لقد رأى طفلًا ذا شفاه حمراء وأسنان بيضاء واقفًا أمامه
وكانت هيئته مطابقة تمامًا لهيئة أخيه الأصغر في صغره
«ما هذه الحالة»
وفي لحظة واحدة اضطرب قلب جيانغ بي شوان
عائلة جيانغ، جيانغ بي شوان، وطفل له الهيئة عينها التي لأخيه الأصغر…
مصادفات كثيرة دفعت فكرةً تبدو غير معقولة إلى أقصى حد لأن تنشأ في قلبه
أيمكن أنني عبرت نهر الزمن، وخالفت مجراه، وعدت إلى الماضي

تعليقات الفصل