الفصل 482
الفصل 482: خردلة تسع سوميرو
بعد يومين
جبل كانغوو، مقرّ فرع تيانشوان
داخل فناء معيّن
شاب برداء أسود جلس متربّعًا على الأرض وعيناه مغمضتان بإحكام
تدفّقت الهالة حوله، وانطلقت لهيبات ذهبية خافتة تبعث حرارة مدهشة حتى غدا الهواء جافًا
وبقربه كانت قطة صغيرة رمادية بيضاء تتمدّد على الطاولة الحجرية
كانت القطة تحدّق بعينين نصف مغمضتين وتتثاءب، وتبدو شديدة الإرهاق
وفي تلك اللحظة كانت تلعق كفّها الصغير وهي تلمح إلى الشاب، وقالت بتباهٍ: «تس تس، اعتبر نفسك محظوظًا يا فتى لأنك التقيت بالسيد قط، وإلا فكيف كنت ستحظى بما لديك اليوم»
وما إن انخفض صوته
حتى سحب جيانغ يان هالته وفتح عينيه ببطء
وزفر أولًا نفسًا عميقًا
ثم رفع رأسه نحو شوان القط وقال: «شكرًا جزيلًا على عونك يا كبير، جيانغ يان ممتنّ للغاية»
ومع أنه لم يفهم كيف يتمكّن الطرف الآخر، وهو لا يملك سوى المرتبة الفطرية، من العيش زمنًا طويلًا بل والتحدّث بلسان البشر
فإن أفقه كان واسعًا يتجاوز مخيّلته بكثير
فهو لا يستخدم شتّى التقنيات السرّية بسهولة فحسب، بل يمتلك كذلك رؤى كثيرة
وكان يمتلك قدرة عظمى فطرية شديدة الخصوصية
وكان اسمها: خردلة تسع سوميرو
فمتى استُخدمت هذه القدرة أمكنه تخزين أي جماد داخل بطنه
وبمجرّد خاطرٍ واحد يمكنه لفظه من جديد
وبالاعتماد على قدرة «خردلة تسع سوميرو» هذه استطاع أن يُبقي شتّى النفائس التي جمعها عبر أعوام لا تُحصى مخزونة داخله
وخلال الوقت الذي قضياه معًا حصل جيانغ يان منه على موارد ثمينة كثيرة
وبالاعتماد على تلك الموارد اخترق مرارًا حتى بلغ المستوى السادس من مرحلة عجلة الشمس
وفي هذه اللحظة، وأمام امتنان جيانغ يان، قال شوان القط بلا اكتراث: «كل هذا تستحقّه يا فتى، فقد راق للسيد قط منظرك»
ومع أنه قال ذلك، ظلّ في قلبه امتنان كبير
ففي المجال السري للسامي دان وقتها، لو لم يخاطر الآخر بحياته لإنقاذه، فأين له بما هو فيه اليوم
ولربما كان قد فُني منذ زمن مع المجال السري وتحول إلى دخان وغبار
ومع أن أيامًا كثيرة مرّت، كلما استعاد شوان تلك الذكرى لم يستطع كبح قشعريرة خفيفة
ثم هزّ رأسه وطرح تلك الخواطر خلف ظهره
«إذن كيف تشعر؟ بعد صقل ذلك الحجر، هل طرأ على جسدك أي تغيّر»
فخلال سنواته الطويلة حشر في بطنه أشياء غريبة وعجيبة كثيرة
من أسلحة وتقنيات الزراعة الروحية إلى أعشاب ضارّة وحجارة، كل شيء كان موجودًا
غير أنّ ذاكرة كثير من تلك الأشياء غدت باهتة لديه، بل نسي بعضها تمامًا
وكان في بطنه حجر أحمر غريب
ولسبب ما، متى اقترب من جيانغ يان أخذ الحجر يتوهّج، في ظاهرة عجيبة
لذلك أخرجه كي يصقله الآخر ويرى ما الخبر
ولما سأله شوان، تفاجأ جيانغ يان أولًا
ثم أغمض عينيه متحسّسًا بتروٍ التغيّرات في جسده
وفي اللحظة التالية، وتحت نظرات شوان، وقع تبدّل مفاجئ
إذ راحت نقوش حمراء نارية غريبة تظهر تباعًا على جلد جيانغ يان كلّه
وكانت تلك النقوش كأنها حمم، تومض بلمعان يخفق له القلب، وتبدو نابضة بالحياة، تتقلّب بين السطوع والخفوت كأنها تتنفّس، حيّة للغاية
ثم ظهرت فوق جبهة جيانغ يان، في مركز حاجبيه، علامة نقشة نارية أخرى معقّدة
وفي طرفة عين اندفعت هالة بالغة القوّة لا تُقاس، وتحولت إلى موجات حرارة اكتسحت المحيط
وانتشر لهب ذهبي كثير متشعّبًا من حوله مركزًا عليه، عارضًا طابعًا سماويًا ومهابةً وعراقةً واضحة
وتلك الظواهر جعلته يبدو كحاكمٍ يسيطر على اللهب
غير أن مثل هذه الظاهرة جاءت سريعًا وذهبت سريعًا
إذ لم تدم أقلّ من ثلاث أنفاس حتى تلاشت بسرعة ولم تخلّف أثرًا
وما إن سحب جيانغ يان الظاهرة حتى فتح عينيه، فصادف نظرة الذهول المرتسمة على وجه شوان
«يا كبير، ما هذا»
وما إن سمع الصوت حتى استعاد شوان حواسه ببطء
وبدت على وجهه كيمياء معقّدة وزفر قائلًا: «لم أظنّ أن لهذا الحجر آثارًا عظمى مدهشة كهذه، لقد استحققت هذه الفرصة المواتية اليوم»
ثم نهض شوان من على الطاولة الحجرية وقال بجدّ: «إن لم يخطئ السيد قط، فالتغيّر في جسدك على الأرجح ظاهرة ناجمة عن بنية جسدية سامية»
«أنت تملك أصلًا جسد كنز كانغ يان، أليس كذلك»
اضطرب قلب جيانغ يان
فهو لم يخبره من تلقاء نفسه عن بنيته الجسدية
لكنّه لم يتوقّع أن يلمحها الآخر من نظرة واحدة
هذا الشوان ليس بسيطًا فعلًا
وكتم جيانغ يان دهشته في قلبه وأومأ: «صحيح، في ذلك الوقت منحني زعيم العشيرة فرصة مواتية، وحينها فقط استطعت إيقاظ جسد كنز كانغ يان»
وأومأ شوان قليلًا: «إذًا لا مشكلة، ينبغي أن تعلم أن جسد كنز كانغ يان هذا وإن لم يَرقَ إلى بنية جسدية سامية، فإنه يُعَدّ ضمن البنى الخاصة الاعتيادية من الفئة الثانية، وعلى خلاف كثير من البنى، فهذه البنية تملك في ظروف مخصوصة إمكانية الترقّي»
تألّقت عينا جيانغ يان: «الترقّي»
قفز شوان عن الطاولة الحجرية وهبط بثبات
ودار حول جيانغ يان دورةً، وأمال رأسه وقال: «صحيح، فمثل جسد ملك التنين المعروف في العالم يمكنه الترقّي إلى جسد إمبراطور التنين، أو جسد الملك القتالي إلى جسد الإمبراطور القتالي، وكذلك جسد كنز كانغ يان يملك هذه الإمكانية»
«لكن بسبب الشروط الصارمة جدًا لولادة هذه البنية، فهي لا تُولد فطرية، بل تُكتسب بعد الولادة، عبر صقل نار كانغ يان الروحية، حينها فقط يمكن التمكّن منها»
«ولذلك فعدد المزارعين الروحيين الذين يملكون هذه البنية نادر للغاية، وكذلك السجلات المتداولة عنها في العالم قليلة إلى حدّ يُرثى له، ما يجعل الناس العاديين لم يسمعوا أصلًا بجسد كنز كانغ يان، فضلًا عن علمهم بإمكانية ترقيته»
وهنا توقّف صوته قليلًا
وكأن فكرة خطرت له تمتم شوان: «غريب، كيف يعرف السيد قط كل هذا»
ففي ذهنه ليست هناك سوى ذكريات ملازمة ذاك العجوز، ولم يسمع قط بكل هذه المعلومات عن جسد كنز كانغ يان
لكن الآن أخذت ذكريات غريبة غير مألوفة تقفز فجأة إلى ذهنه، في أمر بالغ الغرابة
وبعد لحظة تفكير متأنٍ لم يشعر شوان إلا ورأسه يطنّ بألم شديد
وأمسك رأسه بكلتا كفّيه ووقع على الأرض من شدّة الوجع
وعندها خطر له احتمال فجأة
«أيمكن أن ذلك العجوز فعل شيئًا للسيد قط قبل موته وختم ذاكرتي»
«لا بدّ أن السيد قط قد نسي شيئًا، نسي شيئًا بالغ الأهمية، تبا»
«كنت أعلم، لا يمكن أن أكون ضعيفًا إلى حدّ المرتبة الفطرية»
«مرتبة فطرية لا غير، كيف تَليق بمقام السيد قط الرفيع»
«لا بدّ أن ذلك العجوز ختم زراعة السيد قط، آااه، أيتها القوّة الكامنة في جسدي، هيا انفجري بسرعة»
وبدأت عواطف شوان تضطرب شيئًا فشيئًا، واشتعل فراؤه في كل مكان
ولمّا رأى جيانغ يان هذا الحال لمعت عيناه واستشعر بحدّة أن هناك خطبًا
فتقدّم فورًا ومدّ ذراعيه واحتضنه
وما إن شعر شوان بالدفء من حوله حتى تيبّس جسده وخلا ذهنه من كل شيء

تعليقات الفصل