الفصل 662
الفصل 662: أسلوب مبهر
اتّسعت عينا جيانغ يان من الدهشة، إذ اكتشف أنّ كثافة الطاقة الروحية هنا غنيّة للغاية، بل تفوق المنطقة الوسطى بعدّة مرّات، وكأنها أرض مكرّمة للزراعة الروحية بالفعل
كان يستطيع أن يستشعر على نحوٍ مبهم هالة «الداو». لم يكن هذا المكان يشبه عالمًا سريًا أصلًا، بل عالمًا صغيرًا حقيقيًا
في تلك اللحظة جاء صوت جيانغ بيشوان من خلفه: يبدو أنك اكتشفت الأمر. لا بأس، هذا هو المكان الممتع الذي حدثتُك عنه
هذه الطبقة الثالثة عالمٌ صغير يحوي «داو» مجتزأ
قطّب جيانغ يان حاجبيه: داو مجتزأ
ألقى جيانغ بيشوان نظرةً حوله وقال بإحساسٍ ممزوجٍ بالإعجاب: إن بلغ إمبراطورٌ أعظم نهاية عمره ثم رحل، تتجلّى قوّته المتبقية في الفراغ فتفتح عالمًا صغيرًا
يحتوي داخله الداو الذي أدركه الإمبراطور الأعظم في حياته. ورغم أنّ هذا الداو مجتزأ، إلا أنه قادر على قمع جميع السامين
وهذا الداو المجتزأ هو السبب الحقيقي لقيد مراتب الجميع
لكن هذا العالم بقي قائمًا حتى الآن اعتمادًا على سلاح إمبراطورٍ أعظم وجثة إمبراطورٍ أعظم
لذلك، ما إن نحصل على الإرث حتى ينهار هذا العالم سريعًا، ويجب أن نخلي المكان فورًا ونعود إلى العالم الحقيقي
ومع تتابع كلمات جيانغ بيشوان، غدت ملامح جيانغ يان أغرب فأغرب
وعاد إلى قلبه ذلك الإحساس بالنشاز الذي كان قد خبا
لم يتمالك نفسه وسأل: أخي بي شوان، كيف تعرف كل هذا
كح، كح…
سعل جيانغ بيشوان مرتين وقال بلا اكتراث: حدث فقط أنني رأيت مثل هذه السجلات في بعض الكتب القديمة
بدا الشك على وجه جيانغ يان، وكأن ملامحه تقول: أتظنّ أن خداعي سهل إلى هذا الحد
ظلّ تعبير جيانغ بيشوان هادئًا لا مبالٍ، كأنه لم يرَ شيئًا
تلفّت بعينيه المتلألئتين ثم غيّر الموضوع بسرعة: أخي يان، انظر هناك
همم
التفت جيانغ يان بلا وعي ونظر إلى الجهة التي أشار إليها الآخر
فرأى شخصين يقتربان بسرعة من الأفق غير البعيد
وحين دقّق النظر تبيّن أنهما شابان شاحبا الوجه
الهالة المنبعثة منهما، رغم بلوغها مرتبة الظواهر السماوية المستوى التاسع، كانت ضعيفة على نحوٍ استثنائي، ما يدلّ بوضوح على أنهما تعرّضا لإصاباتٍ كبيرة
وخلفهما مباشرةً كانت تطاردهما طيورٌ جارحة هائلة شرسة الملامح
بلغت هالة هذا القبيح مستوى روح الوليد الثالث
اندُهش جيانغ يان كثيرًا
وازداد اقتناعًا بما قاله الشاب من عشيرته
هذه الطبقة الثالثة مختلفةٌ حقًا عن الطبقتين السابقتين
فأقوى وحشٍ شرس صادفوه في الطبقة الثانية لم يتجاوز مرتبة الظواهر السماوية المستوى الثاني
لكن ما إن دخلا هنا حتى واجها وحشًا شرسًا في مرحلة روح الوليد المستوى الثالث
الفرق واضحٌ للعين المجرّدة
وبينما كان جيانغ يان يراقب الشخصين والطائر صامتًا
انتبه المزارعان الروحيان في الأعلى إليهما أيضًا
فلمع الأمل في وجهيهما اللذين كانا يطفحان باليأس
وصاحا بلهفة
أنا لي يي يانغ، زعيم طائفة الأحجار الثلاثة المكرّمة. لقد نزلتُ اليوم بنا كارثة، وأرجو منكما يا طاويَّ أن تُسعفا. سنكون ممتنّين إلى الأبد
وأنا لو تشنغتساي، زعيم طائفة البحر الأزرق المكرّمة. إن تفضّلتما بالمساعدة فسنقدّم مكافأةً سخية لا شك فيها
وبعد أن قالا ذلك لم يطيرا نحو جهة جيانغ يان والآخرين
إذ رأيا نفسيهما رجلين مستقيمين، ومن الطبيعي ألا يُقدما على دناءة جرّ البلاء إلى غيرهما
بل جذبا الطائر الكبير خلفهما بعيدًا، على أملٍ حارٍّ أن يهبّ جيانغ يان والآخرون لنجدتهما
حقًا إنه لرجل مستقيم
عند رؤية هذا المشهد لم يستطع جيانغ يان إلا أن يحسّ بشيءٍ من الودّ لهذين الرجلين
فقد كان فعلهما على طرفي نقيضٍ مع ما فعله ابن المكرَّمة تِسعِ الأغوار في منجم كنوز المنبع العظيم
وما إن خطر ذلك بباله حتى همّ بالعون فورًا
لكن أحدهم كان أسرع منه فعلًا
وشّ—
اندفع نورٌ عظيمٌ باهر يشقّ السماء كالفجر، وفي لمح البصر تقريبًا اخترق بطن الطائر العملاق بقوةٍ طاغية
وفي لحظة تناثر الدم كنبعٍ متدفّق، وتطاير الريش كندف الثلج
أطلق الطائر العملاق عويلًا يمزّق القلب، وفقد جسده الضخم السيطرة فورًا، وهَوَى من علٍ سقوطًا حرًّا وارتطم بالأرض بقوة
دويّ—
بصوتٍ مكتوم، ارتجّت الأرض ارتجاجًا متواصلًا كأن زلزالًا عنيفًا ضربها
واهتزّ الرمل والغبار حولهما فارتفع عاليًا حتى شكّل سحابةً تحجب السماء
حتى عاد كل شيءٍ تدريجيًا إلى السكون، وخمدت سحابة الغبار ببطء
وعند النظر من جديد بانَت حفرةٌ عظيمةٌ عميقة في الأرض
وكان الطائر العملاق في مرحلة روح الوليد المستوى الثالث مستلقيًا في قعر الحفرة
كان يتلوّى ويجاهد بكل ما أوتي من قوّة، وأرجله الغليظة تركل على غير هدى، وفمه يطلق أنينًا حزينًا يائسًا. كان الصوت كندبٍ من عالم الجحيم، يقفّ له الشعر
لكن قبل أن يستطيع فرد جناحيه ثانيةً ظهرت هيئة جيانغ بيشوان من العدم أمامه
كان تعبيره باردًا صارمًا. رفع يده اليمنى ببطء، وتوهّجت حمرةٌ في راحته كأن نجمًا يوشك على الانفجار، باعثةً هالةَ فناءٍ تثلج الصدر
وشّ—
اندفع عمودٌ كثيفٌ من الضوء الأحمر
كانت سرعته من فرطها لا تتيح رمشة عين
اخترق هذا الشعاع رأس الطائر العملاق كاملًا بقوةٍ طاغية
وسرعان ما انتشرت رائحةُ احتراقٍ مُنفِّرة وملأت الفضاء
سقطت جيفة الطائر بلا رأس نحو الأرض على استقامتها وقد فارقها كلّ أثرٍ للحياة
وفي الوقت نفسه
التفت لي يي يانغ ولو تشنغتساي، اللذان كانا لا يزالان يفرّان مذعورَين، بلا وعي بعد أن دوّى الصخب الهائل خلفهما
فرأيا أنّ الطائر العملاق في مرحلة روح الوليد، الذي كان منذ لحظاتٍ مهيبًا متغطرسًا، قد غدا الآن ممدّدًا بشكلٍ بائس في تلك الحفرة السحيقة
اختفى رأسه بأكمله دون أثر، ولم يبقَ سوى الجسد أسفل العنق
وعند موضع الجرح كان القطع أملسَ على نحوٍ غير مألوف، وآثار الاحتراق باديةٌ بوضوح، كأنه احترق بالنار
هذا… ما هذا
تجمّد الاثنان في مكانيهما كأن صاعقةً ضربتهما، وخلا ذِهنُهما، وتعطّلت أفكارهما كأنها علقت في وحلٍ من الجمود
ثم أفاقا ونظرا إلى جيانغ بيشوان الواقف أمام جثة الطائر العملاق
كان قوامه مهيبًا يبعث رهبةً خانقة
وشعره الأسود يرقص حرًّا تحت قوّةٍ غير مرئية، وثيابه ترفرف بلا ريح
وكانت يداه خلف ظهره وظهره مستقيمًا. هيئته، وهو يولّي ظهره للكائنات كلّها، كهيئة حاكمٍ يطلّ على كل ما في العالم
تلك البساطة السهلة، وذلك الانطلاق الحرّ، كأنه لم يقتل وحشًا مرعبًا في مرحلة روح الوليد ترتعد له أفئدة لا تُحصى، بل فقط داس نملةً خفيفةً كالغبار
هكذا فقط أدركا ما معنى «أسلوب مبهر» على الحقيقة
ومثل هذا الأسلوب، المتعالِي فوق جميع الكائنات، يتعذّر على المزارعين الروحيين العاديين أن يتصوّروه فضلًا عن أن يبلغوه
بل إنّ معظم السامين لا يملكونه، ولا يسعهم أمامه إلا أن يشعروا بالخجل والخفوت

تعليقات الفصل