الفصل 791
الفصل 791: الخيبة
ما إن سمع ذلك حتى امتلأ قلب جيانغ لوه تشن بمزيج من المرارة والتأثر
ضمّ قبضتيه بتحية وانحنى بعمق، وعيناه تشعّان قائلًا: معلّمي، متى ما استتبّ كل شيء، فإنّ تلميذك هذا سيصعد بالتأكيد إلى جبل كانغوو ليكون إلى جانبك
سيدّت جيانغ داوشوان برفق على كتفه، ولمع في عينيه خيط دفء: حسنًا، تذكّر، ستظلّ تلميذي دائمًا، وسيبقى جبل كانغوو بيتك إلى الأبد
تبادلا ابتسامة فهمٍ عميق، وما بينهما من التفاهم كما كان دائمًا
ازدادت نظرة جيانغ لوه تشن صلابة
كان يعلم أن أمامه أمورًا لم تُحسَم بعد
لكن تفهّم معلّمه ودعمه أزالا عنه آخر ذرة تردّد
هبّت ريح عالم شوانتيان، فرفعت ردائيهما بنعومة
استدار جيانغ داوشوان وحدّق في البعيد قائلًا بهدوء: اذهب يا تشن
سأنتظرك على جبل كانغوو
أخذ جيانغ لوه تشن نفسًا عميقًا، وثبّت نظره كأنه من حديد: حاضر يا معلّمي
قال ذلك ثم انحنى مرة أخرى
ثم حلّق نحو جهة طائفة سيف لوه تشن
كان يفهم أن المسؤولية والرسالة على عاتقه ما زالتا في بدايتهما
وأن الهدف النهائي لكل شيء هو أن يجتمع بمعلّمه من جديد
بعد وقت غير طويل
أرض هوا قوانغ المكرمة
دخل جيانغ داوشوان الحجرة السرّية واستدعى النسخة التي تحرس التشكيلة
سمع وو هاي الحركة فرفع رأسه فجأة
كان وجهه شاحبًا، وامتلأت عيناه العكرتان رعبًا
اختفى كبرياؤه القديم منذ زمن
ولم يبقَ فيه الآن إلا هشاشةٌ قصوى وخوفٌ وُلد من العذاب
وو هاي
جاء صوت جيانغ داوشوان هادئًا باردًا كالماء
ارتجف جسد وو هاي كلّه، وخرّ ساجدًا على الأرض، والعرق البارد يتصبّب من جبينه
تكسّر صوته وهو يقول متوسلًا: سيدي الكبير، هذا الصغير… هذا الصغير مستعد للتعاون في كل شيء، ولا أرجو سوى أن تُبقي على حياتي
تقدّم جيانغ داوشوان بخطى بطيئة، وحدّته كالسيف، حتى كأن الهواء في الحجرة كلّها تجمّد
شعر وو هاي كأن صخرة هائلة تطبق على صدره، وصار تنفّسه يزداد عسرة
ارتجف جسده، وجفّ حلقه، كأنه سيختنق في اللحظة التالية
لقد أوغلتَ في إيذاء تشو تشن إلى هذا الحدّ؛ كلمات الندم باهتة وعاجزة
وأما صدق توبتك من زيفها فسأحكم أنا عليه
شحب وجه وو هاي فجأة، وانقبضت ملامحه فزعًا
سجد على الأرض يدقّ جبينه مرارًا، وصوته يرتعش وهو يستجدي الرحمة مرة بعد أخرى
غير أن جيانغ داوشوان لم يُبدِ أدنى شفقة
إذ مال بنظره قليلًا نحو التشكيلة العابرة للعوالم
ولوّح بيده فطنّت التشكيلة واهتزّت، وتشابك الفضاء، وتكوّنت بوابة أثيرية من الضوء تقود إلى جبل كانغوو
انهض
كان صوت جيانغ داوشوان باردًا لا يقبل نقاشًا
وقف وو هاي مترنّحًا، وأطرافه متيبّسة، وحدّق بيأس في بوابة الضوء
عُد معي لتواجه العقاب الذي تستحقه
رفع جيانغ داوشوان يده ولوّح، فقيّده بقوة خفية، ثم دفعه مباشرة إلى الأمام فترنّح داخل بوابة الضوء
وعقب ذلك خطا داخلها، فاختفى جسده في الوهج
وفي اللحظة التالية
كانا قد ظهرا على قمة جبل كانغوو
استدار جيانغ داوشوان، ونظرته باردة، وساق وو هاي نحو قاعة الحبوب
وعلى الطريق توقّف كثير من أفراد العشيرة، وملأت عيونهم أمارات الفضول والتمحيص، وأخذوا يتهامسون
وحين سمع ذلك طأطأ وو هاي رأسه واحمرّ وجهه أكثر
وسرعان ما وصلا أمام قاعة الحبوب
في داخل القاعة كان شاب يصغي بتركيز إلى درس
كان الشاب وسيماً ذا سمتٍ غير عادي، إنه جيانغ يان، أحد أبطال كانغوو العشرة
وأما من يلقي الدرس فهو تشو تشن، رئيس قاعة الحبوب
كان يشرح بدقة مبادئ صقل حبّة دوائية معقّدة، ويُلقي بين حين وآخر نظرة إلى جيانغ يان، وفي عينيه مودّة وتوقّع
اضطرب قلبه فجأة ورفع رأسه نحو خارج القاعة
فرأى هيئة مهيبة مألوفة تتقدّم ببطء، إنه جيانغ داوشوان
ارتبك تشو تشن، وبدا على وجهه ذهول واستفهام
يا زعيم العشيرة
تماسك بسرعة وانحنى باحترام
ونهض جيانغ يان هو الآخر وخفض رأسه إجلالًا، وقلبه ملآن فضولًا
نادراً ما كان زعيم العشيرة يأتي إلى قاعة الحبوب بنفسه؛ فما سبب ظهوره المفاجئ هذه المرة
أومأ جيانغ داوشوان إيماءة خفيفة، ومسح بنظره الاثنين، وارتسمت على طرف فمه ابتسامة خافتة
فلما رأى ذلك ازداد التباس جيانغ يان
لكن في تلك اللحظة خطفت بصره هيئة غريبة خرجت من خلف زعيم العشيرة
كان وجه ذلك الشخص شاحبًا، وطاقة دمه ضعيفة، ومن الواضح أن زراعته سُحقت منذ وقت قريب، وأن جسده أوشك على الانهيار
من هذا
قطّب جيانغ يان حاجبيه قليلًا، وارتسمت في عينيه لمحة حيرة
أمّا رد فعل تشو تشن فكان أعنف بكثير
فما إن رأى تلك الهيئة المألوفة حتى انكمشت حدقتاه كأنه أبصر أمرًا لا يُصدّق، وراح جسده يرتجف قليلًا من تلقاء نفسه
وو هاي
تمتم تشو تشن، واختلط في صوته ذهولٌ وألم لا مواربة فيهما
كان هذا الاسم كحدّ سكين مزّق في لحظة الجرح الذي لم يلتئم منذ سنين
شحب وجهه، وكأنه عاد إلى ذلك اليوم—يوم فشل عبور المحنة، وتحطّم الجسد المادي، وتعلّقت الروح الباقية بالحياة، وكان الفاعل ليس إلا ذلك «التلميذ الصالح» أمامه
ماذا، أهو وو هاي
ومض الغضب والدهشة في عيني جيانغ يان فجأة
كان هذا الاسم مألوفًا لديه أشدّ الألفة
فهو الجاني الذي جعل معلّمه يفقد جسده المادي ولا يستطيع البقاء إلا بروح باقية
كل ما تحمّله معلّمه من ألمٍ ومهانة كان من صنيع هذا الشخص
وما إن خطرت هذه الخواطر حتى خطا جيانغ يان قدمًا، وأمسك وو هاي من ياقة ثوبه، واشتدّت أنامله، وانفجر صوته كالرعد: وو هاي، يا خائن، كيف تجرؤ على الظهور مجددًا، اليوم سآخذ الحقّ لمعلّمي حتمًا
ازداد وجه وو هاي شحوبًا
قبض كلتا يديه بقوّة حتى ابيضّت المفاصل
وطأطأ رأسه، ومرّت بعينيه ومضة من مهانة
كان في الماضي يسمع مثل هذا التقريع الغاضب فلا يزيد عنده على ضجيج نمل
أما الآن، وبعد أن فقد زراعة ملك السامي عند المستوى التاسع، صار كإنسان عادي
وأمام غضب جيانغ يان لم يعد قادرًا على أي ردّ
أغمض وو هاي عينيه، وكبح بقوة ما في صدره من مرارة، وقال بصوت عميق: أنا آسف لمعلّمي
وما إن سمع جيانغ يان ذلك حتى اشتعل غضبه أكثر
أتظن أن «أنا آسف» تكفي لتكفير خطيئتك، هل خطر ببالك كيف تحمّل معلّمي وجع الروح الباقية طيلة هذه السنين
وبينما كان جيانغ يان يوبّخ بغضب، أفاق تشو تشن أخيرًا
راح يحدّق في وو هاي بمشاعر متشابكة، وقلبه خليط من الأهواء
وفي هذه اللحظة اندفعت إلى ذهنه التعاليم والذكريات الماضية، فأحسّ قلبه كأنه يُقطّع بسكين
ثم لوّح بيده وأوقف توبيخ جيانغ يان الغاضب
يا تلميذي، لا حاجة لأن تقول المزيد
خالط صوت تشو تشن مسّ من الإرهاق
تحيّر جيانغ يان والتفت إلى معلّمه، والحيرة تملأ عينيه: معلّمي، لقد آذاك إلى هذا الحد، أأنت مستعد بعدُ لمسامحته
وما إن انتهت كلماته
حتى ومض في قلب وو هاي بصيص أمل
ورفع رأسه المرتجف، وخرج صوته مبحوحًا: معلّمي، ما حدث وقتها… كانت غفلة لحظة، وأعمَتني الطمع
أنا حقًا أدركت خطئي، من فضلك امنحني فرصة أخرى
خرّ ساجدًا على الأرض، وصوته مفعم بالندم، يحاول استنهاض أثرٍ من الشفقة بما كان بينهما من علاقة قديمة
لكن تشو تشن اكتفى بأن نظر إليه بهدوء، وفي عينيه خيبة لا تخفى
وبعد لحظة تكلّم أخيرًا: وو هاي، لقد علّقتُ بك آمالًا كبيرة يومًا ما، وعددتُك كابني، ووهبتك خلاصة ما تعلّمته في حياتي
ومع ذلك، وبدافع خاطرة واحدة، دمّرتني ودمّرت نفسك أيضًا
حين أراك اليوم لا يمتلئ قلبي إلا بالحزن
ليس عليّ، بل عليك أنت
وو هاي، لقد ضيّعت بيديك موهبتك وجدّك في النهاية

تعليقات الفصل